حسين الحاج حسن
يمرّ لبنان منذ بداية العام 2020 وحتى اليوم بمرحلة احتضار سريرية، يختم بها مئويّة التأسيس والإنشاء على يد الفرنسيين.
يصعب على المراقب أن يختصر كلّ المشهدية، الأحداث والأزمات التي تراكمت عبر التاريخ المعاصر هنا، فقد اجتمعت في هذا البلد الصغير صراعات وحروب أممٍ أرادت إثبات قوّتها وقدرتها على الهيمنة من جهة، كما أن المرض العضال الذي توغّل في جسد لبنان، وفتك به، هو نفسه النظام الذي تأسّس في العام 1920، وقد انتشر وأصبح من المستحيل استئصال الورم أو إنقاذ المريض.
يُقِرّ معظم الأطباء بأن أساس العلاج الناجح والصحيح يبدأ بالتشخيص الصحيح، وغالباً ما كانت وتكون تشخيصات الأزمات التي مرّ بها لبنان إمّا خاطئة أو ناقصة.
إن تاريخ لبنان المعاصر – منذ العام 1920 وتأسيس لبنان الكبير – يُمكن تجزئته إلى ثلاث مراحل أساسية: أوّلاً مرحلة الانتداب الفرنسيّ وصولاً حتى العام 1948؛ ثانياً المرحلة التي امتدت حتى العام 1982 تاريخ نشأة ميليشيا حزب الله؛ أمّا ثالثاً فهي المرحلة التي بدأت بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري في العام 2005 حتى اليوم.
في المرحلة الأولى، كان الصّراع قائماً حول هويّة لبنان الجديدة، وثقافته وديموغرافيّته. فقد أصبح وأمسى سكّان جبل لبنان - الذين كانوا في الأصل أغلبية مارونية على ساحل جبل لبنان – أقليّة عددية أمام سنّة لبنان. والكلام هنا ليس طائفياً، بل يقرأ تاريخياً، حيث كان ولا يزال لكلّ طائفة ومذهب مرجعيّة وانتماء إقليميّ.
تلك الصراعات التي كانت بمعظمها تتمحور حول وظيفة لبنان آنذاك ودوره، أدّت إلى إبرام العديد من الاتفاقات الشفهيّة والمكتوبة، ولعلّ أبرزها الميثاق الوطنيّ، الذي يُعتبر حجر زاوية في بناء هذا الوطن.
المرحلة الثانية، هي مرحلة دخول الصراع الإسرائيلي والنفوذ السوري الساحة اللبنانية من بابها العريض؛ مرحلة القومية العربية، والحلم ببناء مجتمع عربيّ متجانس سياسياً، ومتكامل اقتصادياً وعسكرياً. في تلك المرحلة، كان لبنان يُعتبر الحلقة الأضعف، وأداة، وصندوق بريد يستخدمه من يشاء ويردّ عليه من يشاء أيضاً.
انتهت المرحلة الثانية بدخول "حزب الله" كحركة شعبيّة مقاومة لإسرائيل، ولا يزال يدّعي ذلك حتى اليوم. في الواقع، وبقراءة التاريخ الموضوعية هنا بعد 40 سنة على التأسيس، يظهر جليّاً أن "حزب الله" لم يكن سوى نواة مشروع ميليشيا عسكرية مذهبيّة تابعة للحرس الثوري الإيراني، تجلّى دورها وأهميتها في السنوات التي تلت النشأة.
تلك الحقبة المستمرة، منذ العام 1982 إلى اليوم، هي بكلّ بساطة مرحلة سطوة وسيطرة "حزب الله" على الدولة اللبنانية، مستفيداً من وجود عامل النظام السياسيّ الحاليّ الذي يبرز التكتلات الطائفية والمذهبية، ويعزّز دور الحالة الشيعية في بناء مجتمعها ودولتها الخاصّة.
إن قضية "حزب الله"، نشأته، دوره وتأثيره على لبنان يبقى لكلام آخر، أما هنا فالكلام عن النظام بِرُمَّتِهِ الذي ساعد "حزب الله" على النشوء، كما ساهم ويساهم في دمار ما تبقّى من مؤسّسات وهيكل الدولة لبنانية.
من الأكاذيب الشائعة التي يروّج لها معظم اللبنانيين اليوم، والتي تُخبر عن نواة أزمة هذا البلد تتجسّد في اختصار الهويّة اللبنانية بنموذج واحد. فمنهم من يرى، ويعتبر أن التحدّث بغير العربية خروج عن ثقافة وهوية لبنان، وآخر يكفّر مَن يملك أسلوب حياة معاصراً ومتجدّداً لكونه أيضاً يُخالف المتعارف عليه لدى البعض.
من الجيّد أن نبدأ بالحديث والكلام عن عدم وجود هويّة لبنانية موحّدة – أقلّه حتى اليوم – تجمع جميع أبناء الوطن الواحد. بالمناسبة، تعدّد الهويات والثقافات لا ينزع الصّفة الوطنية ولا الجنسية عن أيّ فرد.
اختلاف الهويّات وتعدّدها، مع بقاء الرّغبة بتوحيد إحداها لم يأتِ من العدم. فعقب تأسيس دولة لبنان الكبير في العام 1920، اختار المنتدِب الفرنسي أن يجمع مناطق ساحل جبل لبنان بالداخل اللبنانيّ – الذي كان في مكان معيّن جزءاً من البادية السورية – وقرّر المندوب السامي أن النظام الأنسب لتقريب وجهات النظر بين المكوّنات يكون عبر بناء نظام سياسي، اقتصادي واجتماعيّ مبنيّ على حكم الطوائف والمذاهب.
لم يلحظ هذا النظام، ولا ذاك المنتدِب، أنّ سنّة أهل بيروت على سبيل المثال هم مُكَوّن ثقافيّ واجتماعيّ مختلف عن ثقافة ومعيشة سنّة عكّار أو البقاع. الأمر نفسه ينطبق على شيعة الجنوب واختلافهم مع شيعة البقاع.
اختلاف الهويّات والثقافات بين أبناء لبنان ثمّ إكراههم على اعتناق نموذج واحد يمثلهم جميعاً، والقبول بسردية تاريخيّة موحّدة، وعدو واحد، وصديق واحد، جميعها عوامل كانت ولا تزال تؤدّي دوراً في خلق نزاعات، أزمات وحروب ثبّتت معادلة أن قوّة لبنان في ضعفه، وفي انتمائه الدائم إلى المحاور الإقليمية، وفي حاجته المستمرّة إلى حاكم أو حكّام يُؤتى بهم دوماً من الخارج.
إحدى الأكاذيب الأخرى تتمحور حول ما يُطلق عليه دوماً اسم القضية اللبنانيّة، وغالباً ما يتمّ فرض تلك القضية على جميع المكوّنات والأفراد باعتبارها الحقيقة المطلقة، التي نتجت عن تراكم حوادث تاريخية. ولكلّ طائفة أو مذهب، ومؤخّراً الأحزاب السياسية الكبرى، قضيّة تمثل لبنان، وترفع اسمه، ويترتّب عليها فرض احترامها واحترام خصوصيّتها على باقي مكوّنات المجتمع اللبناني.
الحقيقة كما هي، وكما يجب أن تقال، هي الآتي: لبنان هو وطن مُسْتَجَدّ على السّاحة الإقليمية، وُجد نتيجة تقاسم نفوذ وسلطة بين الانتدابين الفرنسي والبريطاني؛ وهو دولة تحوي في طيّاتها مُكَوِّنَات ومجتمعات تحمل ثقافات وهويّات متعدّدة ومختلفة، تسعى كلّ حين إلى فرضها على الآخر.
لبنان مزيج من الهويات، وهذا هو التشخيص الأصحّ والأسلم، في ما لو أردنا أن نبحث في النظام الأنجح الذي يحفظ تلك الاختلافات ويُعادل بينها، مع أهمية إعطاء الأوّلية للحقوق الفردية قبل المجتمعية منها.
الأمر الثاني في ما يتعلق بحقيقة لبنان هو أن لبنان ليس وطن رسالة، وليس امتداداً جغرافياً ولا ثقافياً لأحد، ولبنان ليس قضية محورية ولا قضية ممانعة أو قضية إقليم، بل بلد بحجم 10452 كلم2، يحتاج إلى بناء دولة مؤسسات، ووضع سياسيات اقتصادية ومالية وزراعية وصناعية وسواها، تخدم المواطن والإنسان الذي يسكن هذه البقعة، بعيداً عن أيّ أفكار، أو انتماءات مذهبية، أو طائفية، أو مجتمعية كانت.
في الحياة، كما في السياسة، يخشى المرء أحياناً أن يفقد أو يخسر منتوجاً قام ببنائه وصناعته، وهكذا هو الحال اليوم مع الفرنسيين في علاقتهم مع لبنان. كلّما دبّ الصراع في هذا الوطن وتأزمت فيه الحال، عمد الساسة الفرنسيون إلى التدخّل لترقيع ما يُمكن ترقيعه في هذا النظام. ولهذا كانوا، ولا يزالون في مقدمة الدول التي تكون حاضرة لعقد مؤتمرات، وتقديم منح ومساعدات مالية، أو وساطات سياسية، أو مهرجانات شعبية، أو مؤخراً استدعاءات واجتماعات للقادة السياسيين في لبنان وحثّهم على تشكيل حكومات، إقالة وزراء من هنا، وتعيين آخرين من هناك.
إن هذا النظام المهترئ الذي أثبت فساده وانتهاء صلاحيته، دائماً ما تسعى فرنسا في كلّ مرحلة للحفاظ عليه وضمان استمراريته؛ ففي نهاية المطاف، هو صنيعتها ووديعتها في المشرق. ومن المعيب أمام المجتمع الدولي اليوم، ومن الخطأ الفادح في كتب التاريخ أن يذكر يوماً أن فرنسا قد فشلت.
نبض