الأحد - 01 تشرين الثاني 2020
بيروت 25 °

إعلان

جرمُ الاستيلاء على الأموال

تعبيرية
تعبيرية
A+ A-
المحامي جورج نصري فرحات
 
قد يعمد أحد العاملين في القطاع المصرفي إلى الاستيلاء على أموال مصرف إما يديره (رئيس مجلس إدارة أو عضو في هذا المجلس) أو يعمل فيه بصفة "أجير"، فما هو الوصف القانوني لمثل هذا الفعل، أهو جنحة إساءة الائتمان أم جناية السرقة؟
للإجابة عن هذا السؤال لا بد من العودة إلى النصوص القانونية وإلى اجتهاد المحاكم اللبنانية (المتضارب) توصلاً لتحديد الوصف القانوني الملائم وفقاً للقوانين المرعية الاجراء.
تسهيلاً للبحث سنعالج المسألة المطروحة من زاوية "الأجراء" في المصارف، ومن ثم من زاوية رؤساء وأعضاء مجلس الادارة في المصارف.
أولاً: في ما خص "أجراء" المصارف:
إن "الاجير" (المادة الثانية من قانون العمل) هو "من يشتغل بأجر عند رب العمل"، أما رب العمل (المادة الاولى من ذات القانون) فهو "كل شخص طبيعي أو معنوي يستخدم بأي صفة كانت أجيراً ما في مشروع صناعي أو تجاري أو صناعي أو زراعي مقابل أجر..."، وبالتالي فإن المادة الثانية عمل تشمل "أجراء" المصارف من مستخدمين وعمال.
وبالعودة إلى الوصف القانوني، فقد اعتبرت محكمة التمييز (الغرفة السابعة، قرار 29، تاريخ 1/3/2004 أن فعل مستخدم في مصرف قام باستلام "مبالغ نقدية من المودعتَين... لإيداعها في حسابهما لدى البنك المدعي أنها تؤلف الجنحة المنصوص عليها والمعاقب عليها في المادة 760/672 عقوبات"، مع الاشارة إلى ان المادة 670 تتعلق بجنحة اساءة الائتمان والمادة 672 هي ظرف مشدد لبعض حالات منها "كل مستخدم او خادم مأجور وكل مرتبط بعقد عمل لقاء أجر مع اي مؤسسة خاصة" (البند السادس من المادة 672 المذكورة)، ومع الاشارة أيضاً إلى أن العقوبة المشددة تتراوح من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات، اي إن الفعل يبقى جنحيَّ الوصف.
وخلافاً للقرار المشار إليه أعلاه، فإن اجتهاد محكمة التمييز الحديث، ولا سيما الغرفة السادسة منها، يعتبر أن فعل مستخدم في مصرف (مديراً كان أو "أجيراً" عادياً) يستولي على أموال مودعين (باتت ملكاً للمصرف وفقاً للمادة 307 من قانون التجارة) يشكل جناية السرقة المنصوص عليها في الفقرة الثانية من المادة 638 عقوبات التي تتراوح عقوبتها من ثلاث إلى عشر سنوات أشغالاً شاقة.
وللتمييز بين هذين الجرمين اعتمد هذا الاجتهاد معيار الحيازة، فإذا كانت الحيازة ناقصة وأقدم الحائز على الاستيلاء على المال نكون أمام جرم إساءة الائتمان، أما إذا كانت الحيازة عارضة (اليد العارضة) واستولى الحائز على المال فإننا نكون أمام جناية السرقة.
إن المعني بالحيازة الناقصة هو ان يقوم صاحب مال منقول بتسليمه إلى آخر كي يحفظه له هذا الاخير إلى حين ان يطلب منه صاحب المال اعادته اليه، وهذه الحيازة تسمح للحائز باستعمال المال المسلم اليه بصورة علنية، فإذا كان المال المسلم من "المثليات"، مثل النقود، فإنه يمكن للحائز التصرف بها على ان يعيد ما يماثلها من قيمة عند طلب صاحب المال وإلا اعتبر مسيئاً للامانة، اما اذا كان المسلَّم من "القيميات" corps certain (مثل لوحة فنية لرسام معروف)، فإنه يعود للحائز استعمال اللوحة (تعليقها على حائط في منزله) شرط اعادتها ذاتها عند طلب صاحب اللوحة وإلا اعتبر مسيئاً للامانة.
أما الحيازة او اليد العارضة فهي تعني تسلم المستخدم المال المنقول من "الزبون" لإيداعه فوراً صندوق المصرف او حيث يجب ان يكون هذا المال (مثل الشك) من دون اي حق له بالاحتفاظ به لنفسه ولو لبرهةٍ... وقد جاء في قرار الغرفة السادسة لمحكمة التمييز رقم 294 تاريخ 9/10/2012 التالي:
"والاخير (اي المستخدم في مصرف) يكرس وقته وجهوده والاشياء التي يضعها رب العمل بتصرفه، "ومنها ودائع الزبائن النقدية، فإنها لا تدخل في حيازة المستخدم لا الناقصة ولا الكاملة بل تكون يده "عليها" بمثابة اليد العارضة، بالتالي اي اختلاس للنقود او للاشياء الاخرى المذكورة يؤلف جريمة "سرقة" وفق ما حددتها المادة 635 عقوبات، وهذه السرقة تكون ذات طبيعة جنائية عملاً بالمادة 638 "فقرة 2 عقوبات كونها وقعت على أموال مصرف".
أكدت الهيئة العامة لمحكمة التمييز اجتهاد الغرفة السادسة وذلك في قرارها رقم 7 تاريخ 19/1/2015. ومما جاء في هذا القرار:
"وبما ان المدعى عليه كان مستخدماً لدى المصرف المدعي بصفة مدير فرع وعلاقته برب عمله "يحكمها عقد العمل، وإن هذا العقد ليس من فئة عقود الائتمان المحددة حصراً في المادتين 670 و 671" عقوبات، فلا تكون الأموال التي كان منصبة في المصرف يخوله، بصورة نظامية او فعلية ادارتها والتحكم فيها، مسلمة اليه على سبيل الامانه والحيازة الناقصة تنفيذاً لمضمون عقد ائتمان بل على "سبيل اليد العارضة وضمن سياق ما يوليه عقد الاستخدام من سلطات باسم رب العمل لحسابه "ومصلحته، الامر الذي يجعل من اختلاس المال جريمة سرقة وليس اساءة ائتمان".
ومن جهة اخرى، فإن استعراض النصوص يؤكد على صوابية اجتهاد الغرفة السادسة (المؤيد بقرار الهيئة العامة) خلافاً لاي اجتهاد آخر.
وبالفعل،
1- إن المعيار المعتمد للتمييز بين جنحة اساءة الامانة وجناية السرقة (الحيازة الناقصة والحيازة العارضة) هو معيار موضوعي بامتياز.
2- إن البند الثاني من المادة 638 عقوبات (الذي يقول بجناية السرقة في مثل هذه الحال) جاء مطلقاً إذ نصّ على التالي: "اذا وقعت السرقة على أموال او موجودات مصرف او محل للصياغة او للصيرفة" من دون اي تحديد لصفة الفاعل، والمطلق يجري على اطلاقه.
3- لا مجال لاعتبار فعل اجير في مصرف يعمد إلى الاستيلاء على أموال المصرف مؤلفاً لجنحة المادة 636 عقوبات في بندها الرابع (عقوبتها تتراوح من شهرين إلى ثلاث سنوات) والتي تنص على ظرف مشدد اذا حصلت السرقة "بفعل خادم مأجور يسرق مال مخدومه او يسرق مال الغير من منزل مخدومه او بفعل مستخدم او عامل يسرق من محل او مصنع مخدومه او في المستودعات او الاماكن الاخرى التابعة للمعمل او المصنع"، وذلك لحجة نصيّة اولاً مفادها ان البند المذكور حدد مجال تطبيقه بأماكن محددة ليس من ضمنها المصارف، فلا يجوز التوسع في التفسير ولأنه، وكما جاء في قرار محكمة التمييز، الغرفة السادسة رقم 18، تاريخ 18/11/2011:
"...وفي حال وجود نصين من فئة النصوص الخاصة، كما هي حال جنحة السرقة المشددة" المنصوص عليها في المادة 636 بند 4 عقوبات، فإن النص ذات الوصف الأشد يستوعب "النص الاقل شدة وتكون له الاولوية في التطبيق باعتباره الاكثر خصوصية، وبالتالي يقتضي" تطبيق الجناية المنصوص عليها في المادة 638/2 عقوبات على جرم الاستيلاء خلسة على "أموال المصرف من قبل مستخدم لديه وليس جنحة المادة 636 بند 4 عقوبات كما يطالب به "المدعى عليه".
بعد بيان ما تقدم، على ضوء النصوص واجتهاد محكمة التمييز الحالي، يضحى من الثابت ان فعل اجير في مصرف يقدم على الاستيلاء على أموال المصرف (العائدة للمودعين) يشكل جناية البند الثاني من المادة 638 عقوبات، مع الاشارة إلى ان بعض المرتكبين "يفلتون" من جناية المادة 638 المذكورة اذ قد تعتبر النيابة العامة او قاضي التحقيق انّ مثل هذا الفعل يشكل جنحة اساءة الائتمان فيُحال الملف إلى القاضي المنفرد الجزائي الذي، بدل من ان يعلن عدم اختصاصه لان الفعل يشكل جناية، يمضي قدماً في المحاكمة سنداً للمادتين 670 او 671 عقوبات، معطوفة على المادة 672 منه، ويصدر حكمه على هذا الاساس من دون ان يُصار إلى استئنافه، سواء من قبل النيابة العامة الاستئنافية او التمييزية، فتقف الامور عند هذا (لا يعود للمدعي الشخصي استئناف الوصف القانوني للفعل طالما انه في كلتا الحالتين سيحصل على تعويضاته الشخصية).

ثانياً: في ما خص رؤساء مجالس الادارة – المدراء العامين وأعضاء مجالس الادارة في المصارف:
إن ما ينسحب على "أجراء" المصارف ينسحب على رؤساء مجالس الادارة – المدراء العامين وعلى اعضاء مجالس الادارة في المصارف اذا اقدموا على الاستيلاء على أموال المصرف الموكل اليهم ادارته للاسباب التالية:
1- كما ذكرنا، فإن البند الثاني من المادة 638 عقوبات جاء مطلقاً من دون تحديد صفة معينة للفاعل.
2- لا يمكن وصف هؤلاء بـِ "رب العمل"، اي صاحب المال (من يأخذ من ماله لا يقترف جرماً) اذ ان المصرف هو صاحب شخصية معنوية قانونية مستقلة عن شخص رئيس مجلس الادارة وعن اعضاء هذا المجلس (اشخاص طبيعيون).
3- ان رئيس وأعضاء مجالس الادارة في الشركات المغفلة (ومن ضمنها المصارف) "يتناولون أجرهم" عملاً بالمادة 145 من قانون التجارة، كما ان الفقرة الاخيرة من المادة 153 من ذات القانون تعتبر انه يعود لاعضاء مجلس الادارة ان يتولوا وظائف ادارية وهم يخضعون لقانون العمل اذا كانوا اجراء لدى الشركة "منذ سنتين على الاقل عند توليهم عضوية مجالس الادارة"، الامر الذي يفيد ان الاشخاص المشار اليهم في هذه الفقرة "ثانياً"ً ليسوا "رب عمل" وإن كانوا من فئة خاصة.
4- ليس في احكام قانون التجارة او في "قانون النقد والتسليف وإنشاء المصرف المركزي" او القانون رقم 110 تاريخ 7/11/1991 (الذي انشأ المحكمة المصرفية الخاصة) ما يتعارض مع اعتبار فعل رئيس مجلس ادارة، او عضو في هذا المجلس منطبقاً على جناية البند الثاني من المادة 638 في حال اقدام احدهم على الاستيلاء على أموال المصرف.
وخلاصة، فإن اعتبار فعل كل من ذكرنا اعلاه منطبقاً على جناية السرقة وليس على جنحة اساءة الائتمان وذلك في حال اقدامه على الاستيلاء على أموال مصرف (اجيراً كان فيه او متولياً ادارته)، هو الوصف القانوني الصحيح لهذا الفعل... وقد يكون من شأن هذا الوصف الجنائي والعقوبة المقررة له (من ثلاث إلى عشر سنوات اشغالاً شاقة) ان يردع من تسوله نفسه الاستيلاء على أموال المصرف، مع الاشارة إلى ان عبء التعويض على المودعين يتحمله المصرف كمدعى عليه، مع الفاعل، سنداً للمادة 638 (البند الثاني) عقوبات معطوفة على المادة 210 من ذات القانون، ومع الاشارة ايضاً إلى ان مثل هذا الجرم قد يحمل اوصافاً قانونية أخرى (اضافة إلى جناية السرقة)، مثل التزوير واستعمال المزور في حال اقدام الفاعل على تزوير توقيع "زبون" توصلاً إلى الاستيلاء على أمواله.