محور الممانعة ورجل الثلج
Smaller Bigger
مكرم رباح
 
يُتوقع دائماً من السياسيين خصوصاً اللبنانيين منهم ممارسة التضليل والمناورة، إن لم نقل الكذب في ظهورهم الإعلامي، مقتبسين أقوالاً من الدستور والقانون وحرية التعبير والرأي، فقط للدفاع عن وجهة نظرهم وإثبات تماسكها.

ولكن "الوقاحة" تكون فاقعة حين يتحدث سياسي عن الحرية ينتمي لميليشيات مسلحة تهدد وتقتل، وهو ما قام به أحد النواب "السياد" في "حزب الله"، حيث أعلن أن حزبه يدافع عن الحريات، فيقتبس الفقرة (ج) من الدستور اللبناني التي تنص على "احترام الحريات العامة، وفي طليعتها حرية الرأي والمعتقد، وعلى العدالة الاجتماعية والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين من دون تمايز أو تفضيل".

كلام النائب اللبناني أتى في سياق دفاعه عن تعنّت "حزب الله"، وتنظيمه مؤتمر المعارضة البحرينية، وهي المشكلة الجديدة التي تؤجج العلاقة المتوترة أصلاً مع دول الخليج العربي، مدعياً أن من ينتقد "حزب الله" ونصرته للبحرين يهدف إلى تغيير وجه لبنان الحقيقي. إصرار "حزب الله" على عقد المؤتمر جاء عقب محاولة من وزير الداخلية اللبناني لمنع تنظيم هذه السفاهة السياسية التي تدّعي نصرة حقوق الإنسان وحرية التعبير، في حين أن همها الوحيد هو خلق مشكلة جديدة بين اللبنانيين والدول العربية.

من المجدي والمفيد التذكير بأن حسن فضل الله الذي يدّعي القراءة من الدستور اللبناني ومن المفكرين الكبار مثل فولتير ومونتسكيو وبودلير، لا يختلف عن الطبقة السياسية الفاسدة والمجرمة التي أوصلت لبنان إلى القعر. فهو خرج، في الماضي، عبر الإعلام ليهدد خصومه السياسيين بما سماها مستندات وملفات تثبت فسادهم، ولكن الواقع أظهر أن هذه الملفات لم تبصر النور، ولم يسلّمها للقضاء كما ادّعى أنه سيفعل، وأصبحت كحال المدان بالمحكمة الدولية سليم عياش ورفاقه من "المجاهدين" المتهمين باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وجرائم عديدة كجريمة اغتيال المفكرين مصطفى جحا ومهدي عامل وحسين مروة وميشال واكد، وكذلك جريمتي انفجار مرفأ بيروت واغتيال لقمان سليم، المناصر الحقيقي لحقوق الإنسان وحرية التعبير.

وفي حين يدّعي "حزب الله" مناصرته لحرية الرأي والتعبير، تقوم جيوشه وذبابه الإلكتروني وأبواقه الإعلامية بوصم أي معارض لمغامراته الانتحارية في الداخل أو في الخارج بالعمالة للسفارات وللعدو الإسرائيلي، ولا يتردد الحزب نفسه بتسهيل صفقة تبادل عميل لحدي أو حتى استجرار الغاز من إسرائيل.

ولكن ما يستدعي السخرية الحقيقية قيام "حزب الله" بنشر فيديوات تذكّر اللبنانيين، وبعض المتوهمين من المجتمع الدولي بحقيقة الميليشيات والحمض النووي الذي تتركب منه، ليؤكد أنه ليس له بعداً سياسياً، بل هو مشروع فاشي عسكري، هدفه الأول والأخير خدمة "الحرس الثوري" الإيراني ولو على حساب الشعوب التي يقتلها ويقمعها.

في أحد الفيديوات التي تناقلها اللبنانيون على وسائل التواصل يظهر عدد من الأطفال في إحدى المدارس التابعة لـ"حزب الله" "مدارس المهدي على الأرجح" يلوحون بصور علي خامنئي وأعلام إيرانية على وقع موسيقى تمجد الولي الفقيه وتقدم الطاعة له.

وفي حين يعطي الدستور اللبناني الطوائف الحق بإنشاء مدارس خاصة، لكن هذا الحق لا يتضمن إخضاع أطفال لم يتجاوزوا السنوات الأربع لهذا النوع من التعذيب النفسي، وكذلك تحويل حضانات الأطفال من واحات للمرح والعلم إلى مخيمات لتلقين ثقافة الظلام والتبعية للخارج.

بالتزامن، نشر "حزب الله" فيديو يظهر مجموعة تقوم بتدريبات قتالية في جبال تغطيها الثلوج، تقوم بعروض عسكرية وإطلاق النار، لتنهي فيلمها الدعائي بالصلاة وراء رجل دين شيعي بعمامة سوداء.
توقيت نشر هذه المسرحية القتالية لافت، فهو يأتي بعد يوم من نشر الجيش اللبناني لفيديو شبيه لوحدة القتال الجبلي التابعة لفوج المغاوير، ليتبين أنه رسالة تهديد واضحة تأتي بعد قيام الأمين العام للحزب بتهديد الجيش اللبناني، متهماً إياه بخدمة "المشروع الأميركي - الصهيوني". وفي النهاية رسالة لكل اللبنانيين وعلى رأسهم السياديون الرافضون لتحييد "حزب الله" من معركة استرجاع الدولة من الفاسدين المحتمين بالسلاح الإيراني والميليشيات.

المحاولة المستمرة لتغيير وجه لبنان بدأت أولاً مع مشروع "حزب الله" للسيطرة على الحيز العام، واضطهاد بيئته الشيعيّة ومن ثم الانتقال لإخضاع اللبنانيين بشكل عام عبر زرع ثقافة الموت والقتل كوجه للبنان وبأن سلاح الميليشيات هو في خدمة الشعب اللبناني والدفاع عن أرضه.

سيد الملفات الفاسدة يتلطى بالدستور، كما حال من يتبع من متمترسين بالسلاح تحت ذريعة تحرير الأرض، في حين أنهم منشغلون بتهجير أهالي مناطق القصير والغوطة وحماية الطاغية بشار الأسد، متناسياً أن قتلاهم من الشعب السوري هم من طليعة المظلومين.

يمكن لـ"حزب الله" خطف الأطفال الأبرياء وتحضيرهم لـ"الاستشهاد"، وتقديم فقراته الاستعراضية على الثلج، ولكنه يبقى في آخر المطاف "المسرحجي" الناجح بالتضليل، بقلب بارد كالثلج يستمر بادّعاء قتال إسرائيل، بينما هم منغمسون بتهريب مخدر الكبتاغون، ومادة المازوت لبيعها في السوق السوداء وشراء الغاز من إسرائيل وهم يهتفون "الموت لإسرائيل".

في النهاية قوتهم كالثلج الأبيض على قمم لبنان تذوب مع قدوم فصل الربيع ليفضح حقيقتهم وحقيقة مشروعهم المظلم.
 
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/3/2026 6:20:00 AM
"النهار" تلقي الضوء على تفاصيل المشروعات السورية الخمسة لربط الخليج بالبحر المتوسط وأوروبا، وأهميتها والتكلفة الاستثمارية لها، والتحديات التي تواجه هذه المشروعات، والعائد الاقتصادي لهذه المشروعات سواء على الاقتصاد السوري أو على اقتصادات الخليج
ايران 4/3/2026 3:13:00 PM
وكانت إيران قد أعلنت، في وقت سابق من اليوم الجمعة، أنها أسقطت طائرة من نوع إف-35 أميركية الصنع فوق أجوائها، وأشارت إلى أن مصير الطيار "ما زال مجهولاً".
اسرائيليات 4/2/2026 6:02:00 PM
ظاهرة لافتة في تل أبيب تمثّلت في تحليق كثيف لأسراب الغربان، بالتزامن مع استمرار الحرب والهجمات الصاروخية
اسرائيليات 4/3/2026 9:21:00 AM
الجيش الإسرائيلي: مخطط لإطلاق صاروخ مضاد للدروع نحو أراضي دولة إسرائيل