الجمعة - 02 كانون الأول 2022
بيروت 21 °

إعلان

اتفاق الطائف وصيغة 1943 والمثالثة ثالثهما

المصدر: "النهار"
جانب من مؤتمر الذكرى الـ33 للطائف.
جانب من مؤتمر الذكرى الـ33 للطائف.
A+ A-
د.أيمن عمر- مدير مركز إشراق للدراسات
 
لم يأت اتفاق الطائف في تشرين الثاني 1989 من فراغ، إنما نتيجة تراكمات من الحرب الأهلية والأحداث الأمنية عاثت قتلاً وتدميرًا في البشر والحجر. أنهى هذا الاتفاق سنوات عجاف عاشها اللبنانيون ذبحًا على الهوية وتهجيرًا مناطقيًا وانهيارات اقتصادية ونقدية وأزمات اجتماعية، والأهم من ذلك أنه أرسى مبادئ وقواعد أساسية لنظام سياسي لتلافي كل عورات وثغرات الجمهورية الاولى وما حملت من تناقضات أوصلت إلى الحرب الأهلية. لقد كرّس اتفاق الطائف لبنان كوطن نهائي لجميع اللبنانيين دون تمييز بين طائفة على حساب طائفة أخرى في الحقوق والواجبات. بل لم يعكس هذا الاتفاق التغير في موازين القوى لصالح مكوّن لبناني على حساب المكوّنات الأخرى، وإنما أرسى مداميك بنيان دولة تراعي الخصوصية اللبنانية وتوازناتها، ولكنه في نفس الوقت كرّس دعائم دولة المؤسسات والكفايات، بعيدًا عن المحاصصات والمحسوبيات. ويمكن تعداد مرتكزات اتفاق الطائف لبناء نظام سياسي يصلح لحلّ كل تناقضات الداخل اللبناني على الشكل التالي:

- المناصفة بين المسلمين والمسيحيين في المواقع والمراكز الأساسية في الدولة: إن دستور 1943 لم يلحظ هذه المناصفة، فقد نص في المادة 95 بتاريخ 9 /11/ 1943 على: "بصورة موقتة وعملا بالمادة الاولى من صك الانتداب والتماسًا للعدل والوفاق تمثل الطوائف بصورة عادلة في الوظائف العامة وبتشكيل الوزارة دون ان يؤول ذلك الى الاضرار بمصلحة الدولة". إن مفهوم تمثيل الطوائف بصورة عادلة مفهوم فضفاض قد يخضع لهيمنة الفريق الأقوى الذي يتحكم بالسلطة. اتفاق الطائف عدّل هذه المادة ليكرّس المناصفة وليحافظ على صيغة العيش المشترك والانتماء للوطن، حيث أكد الاتفاق على توزيع مجلس النواب وهي المؤسسة الأم في الدولة مناصفة، ونص التعديل على توزيع وظائف الفئة الأولى وما يعادلها فقط مناصفة على أن يكون التوزيع وفق الاختصاص والكفاية: "باستثناء وظائف الفئة الاولى فيها وما يعادل الفئة الاولى فيها وتكون هذه الوظائف مناصفة بين المسيحيين والمسلمين دون تخصيص اية وظيفة لأي طائفة مع التقيد بمبدأي الاختصاص والكفاءة".

- إلغاء الطائفية السياسية وبناء دولة المؤسسات: دعا اتفاق الطائف وفق خطة مرحلية إلى "تشكيل هيئة وطنية"، مهمتها "دراسة واقتراح الطرق الكفيلة بإلغاء الطائفية وتقديمها الى مجلس النواب والوزراء ومتابعة تنفيذ الخطة المرحلية". وهذا الإجراء بحدّ ذاته من أهم مرتكزات بناء دولة المؤسسات، حيث "تلغى قاعدة التمثيل الطائفي ويعتمد الاختصاص والكفاءة في الوظائف العامة والقضاء والمؤسسات العسكرية والامنية والمؤسسات العامة والمختلطة وفقا لمقتضيات الوفاق الوطني باستثناء وظائف الفئة الاولى وما يعادل الفئة الاولى فيها وتكون هذه الوظائف مناصفة بين المسيحيين والمسلمين دون تخصيص اية وظيفة لاية طائفة مع التقيد بمبدأي الاختصاص والكفاءة". نص الاتفاق على أن جميع الوظائف والمراكز ما عدا الفئة الأولى يجب ان تتم وفق الاختصاص والكفاية، وهذا من أهم مرتكزات دولة المؤسسات وتغليب المصلحة الوطنية على مصلحة الطوائف والمذاهب.

- استحداث مجلس للشيوخ: المادة 22 من دستور الطائف دعت إلى إنشاء هذا المجلس الذي يعكس التمثيل المذهبي والطوائفي ويكون المرآة الحقيقية لواقع المجتمع اللبناني بتنوعاته المختلفة، وهو ليس صوريًّا بل وظيفته البتّ في القضايا المصيرية، حيث تلغي هذه المادة القدرة على هيمنة فريق على آخر والتحكم بمسار القضايا المصيرية، ولكن من عيوب هذه المادة أنها لم تحدد معايير القضايا المصيرية وبذلك تخضع للاجتهادات.

- توزيع السلطة التنفيذية على مجلس الوزراء: وفق المادة 17 حيث "تناط السلطة الإجرائية بمجلس الوزراء وفق أحكام الدستور". من المغالطات الشائعة ان اتفاق الطائف قد نقل ما كان يتمتّع رئيس الجمهورية من صلاحيات مطلقة وواسعة إلى رئيس مجلس الوزراء أي من المكوّن المسيحي الماروني إلى المكوّن المسلم السنّي. فالمواد من 49 إلى 63 تحدد صلاحيات رئيس الجمهورية كرئيس للدولة ورمز وحدتها. وإنّ أيّ مجلس وزراء يتشكل بالتساوي بين المسلمين والمسيحيين وفق صلاحيات محدّدة في الدستور سواء للوزراء أو لرئيسه أو لرئيس الجمهورية، وبالتالي إن الحكم هو بالتساوي بينهما، بل في الأساس إن مراسيم إصدار تشكيل الحكم يجب أن تصدر بالاتفاق بين رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء (المادة 53). وفي حال خلوّ سدّة الرئاسة تناط صلاحيات رئيس الجمهورية إلى مجلس الوزراء المكوّن من كل الأفرقاء، وليس إلى رئيسه فحسب. إنّ أهمية حصر السلطات في مجلس الوزراء جميعا هو منع تحكم مكوّن ما بالسلطات مما يؤدي إلى تفجر التناقضات الداخلية والوصول إلى حرب أهلية.

- اللامركزية الإدارية بديلة عن الفيدرالية والتفتيت: من أهم المرتكزات التي تعالج الصيغة اللبنانية بتعقيداتها وتناقضاتها هي اللامركزية الإدارية، وهي تأتي في سلّم الأولويات التي نادى بها اتفاق الطائف. اللامركزية الإدارية من أهم الإجراءات للحفاظ على وحدة الأراضي اللبنانية وترسيخ العيش المشترك لجميع الطوائف والمذاهب والابتعاد عن شبح التقسيم المذهبي والمناطقي. اللامركزية الإدارية تجمع جميع اللبنانيين في وطن موحّد تحت سقف دستور ومؤسسات دستورية واحدة، ولكنها تعطي الهامش والحرية للطوائف والمذاهب في إدارة شؤونهم اليومية من دون تشكيل أي خطر على وحدة الدولة.

- تحرير لبنان من الاحتلال الإسرائيلي: وهي حقيقة قد يجهلها العديدون، وهي أنّ اتفاق الطائف نادى بتحرير لبنان من الاحتلال الإسرائيلي، واتخاذ كافة الإجراءات لتحرير جميع الأراضي من هذا الاحتلال.

- الحفاظ على العلاقات العربية وبالأخص مع سوريا وفق مصلحة البلدين وسيادة واستقلال لبنان: أكد الاتفاق على عروبة لبنان انتماءً وهوية، وأنه "تربطـه علاقـات أخویـة صـادقة بجمیـع الـدول العربیـة، وتقـوم بینـه وبین سـوریا علاقـات ممیـزة تسـتمد قوتهـا مـن جـذور القربـى والتـاریخ والمصـالح الأخویة المشـتركة، وهـو مفهـوم یرتكـز علیـه التنسـیق والتعاون بین البلدین وسوف تجسده اتفاقات بینهما، في شتى المجـالات، بمـا یحقـق مصـلحة البلـدین الشـقیقین فـي إطـار سـیادة واسـتقلال كـل منهمــا. اسـتناداً إلـى ذلــك، ولان تثبیـت قواعـد الأمــن یـوفر المنـاخ المطلــوب لتنمیـة هـذه الــروابط المتمیزة، فإنه یقتضي عدم جعـل لبنـان مصـدر تهدیـد لأمـن سـوریا وسـوریا لأمـن لبنـان فـي أي حـال مـن الأحـوال. وعلیـه فإن لبنان لا یسـمح بـأن یكـون ممـراً أو مسـتقراً لأي قـوة أو دولـة أو تنظـیم یسـتهدف المسـاس بأمنـه أو أمـن سـوریا. وإن سوریا الحریصة على أمن لبنان واستقلاله ووحدته ووفاق أبنائه لا تسمح بأيّ عمل یهدّد أمنه واستقلاله وسیادته".

يجد بعض الأفرقاء في الداخل اللبناني نتيجة الانهيار الاقتصادي والمالي والأزمات الاجتماعية المتتالية الفرصة لتصويب سهام النقد على اتفاق الطائف وانه ليس صالحًا للمرحلة المقبلة. فريق يسعى إلى إعادة ما خسر من صلاحيات وسلطات مطلقة منفردة مع اتفاق الطائف، وفريق يجد الفرصة سانحة بما يمتلك من متغيرات القوى وأحداث الإقليم لاكتساب المزيد من الصلاحيات بطريقة دستورية قد تكون المثالثة عنوانها. وقد أغفل البعض عن قصد أو عن سوء نيّة أن الخلل لم يكن باتفاق الطائف وإصلاحاته، بل أن أمراء الحرب والطوائف ومنظومة الفساد وشبكات المحاسيب عطّلت تطبيق الاتفاق واعاقت بناء دولة عادلة متوازنة جامعة. وهذا لا يعني أن الاتفاق ليس به ثغرات ونواقص، فهناك العديد من الثغرات والعيوب لا بدّ من تلافيها ومعالجتها عبر طائف2 ينطلق من اتفاق 1989 وتطوير بعض المندرجات بما يتناسب مع تطور المجتمع اللبناني وتحولاته الديموغرافية.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم