عاصـم شــيا
مع اقتراب كل استحقاق انتخابي تنشط ماكينات الاحزاب، علماً بأن عملها لا يتوقف بعد الانتخابات، ولكن تصبح أكثر شراسة وشمولية في سنة الانتخابات، فلا تستهدف الناخبين فقط، بل أيضاً القطاعات الإعلانية والإحصائية، في محاولة حجب الحقائق وتسويق المسار الذي تبغي من الناخبين سلوكه، فمن كان حزبياً رسّخت لديه ثقته بقوة حزبه، ومن كان مؤيّداً لأجل مصلحة، أقنعته بفوزها كي ينتخبها ويحفظ حصته من الزبائنية، ومن كان جباناً ويخاف من بطشها، اقترع لها حمايةً لنفسه ولأعماله، ومن كان متردداً غير مؤيّد لتلك الأحزاب، زرعت في نفسه اليأس من محاولة التغيير ودفعته لعدم المشاركة. كل هذا وأكثر يترافق وخطابات التجييش والتحريض الطائفي والمذهبي، وافتعال حروب طواحين الهواء، فتستحضر ذكرى الشهداء في حروبها العبثية وصفقاتها السياسية.
هذا كله، من دون الغوص في القانون الانتخابي الذي كان وما زال عبارة عن صفقة تتم بين صانعي القرار السياسي، وما القانون 44/2017 سوى دليل قاطع على تلك التسوية التي أنتجت اتفاقاً بين أركان السلطة الحاكمة على حصر التمثيل الطائفي بالاحزاب الكبرى على حساب الاحزاب الصغرى والمرشحين المستقلين، وضرباً للتنوّع السياسي، واحتكاراً لمغانم السلطة، وتكريساً لديكتاتوريات القيادات الطائفية، على حساب التعددية السياسية والشخصيات المستقلة التي كانت تفضح صفقات تلك الاحزاب.
فكان القانون الانتخابي بكل أسسه وتفاصيله، من استخدام النظام النسبي مصحوباً بعتبة انتخابية عالية تساوي الحاصل الانتخابي لكل دائرة. مع تقسيم الدوائر بشكل هجين غير متجانس ولا متساوٍ، مترافقاً مع بدعة الصوت التفضيلي في الدائرة "الصغرى" داخل الدائرة لأجل الحدّ من قوة الأصوات التفضيلية المعارضة، ومنعها من جمع أصواتها في الدائرة وحصولها على حواصل، متبوعاً باحتساب الاوراق البيضاء ضمن عملية احتساب الحاصل الانتخابي، الذي من شأنه رفع الحاصل بما يحصر توزيع المقاعد بين الاحزاب الكبرى. يضاف إلى كل ذلك السماح بتشكيل لوائح انتخابية غير مكتملة في ظل دوائر انتخابية متوسطة إن لم نقل صغرى بالنسبة لفاعلية النظام النسبي الذي ينجح في الدوائر الكبرى أو الدائرة الواحدة. هذا الشكل من اللوائح يسقط المعارضين في لعبة تشكيل أكثر من لائحة وتشتّت أصواتهم، في المقابل تسمح لأحزاب السلطة بتشكيل أكثر من لائحة ترضي بها جمهورها أو تؤمن تحقيق التحالفات السرّية وتضمن فوزها بمقاعد الكسر الاكبر، وتساعد المنظومة السياسية على منع دخول نخب جديدة. هذا وأكثر من شياطين تفاصيل هذا القانون، من السقف المرتفع جداً للإنفاق الانتخابي وعدم القدرة على مراقبته، والإعلان والإعلام الانتخابيين، وهيئة الإشراف على الانتخابات التي عُيّنت بمحاصصة سياسية تحت ذريعة الحقوق الطائفية.
وهذا القانون لم يؤمن تسهيل عملية الاقتراع الذي من شأنه رفع نسبة المشاركة، من خلال مراكز التصويت من مكان السكن (الميغا سنتر) ورفع هيمنة الاحزاب عن مراكز الاقتراع وتأمين حماية الناخبين من الوصول الى مراكز الاقتراع وعودتهم منها سالمين، وأخبار الحوادث الشخصية وعمليات الترهيب وقطع الطرق على الناخبين المعارضين بأساليب مختلفة ما زالت حاضرة في تقارير مراقبة الانتخابات.
يضاف لها بدعة البدع في ما نص القانون عليه لجهة تصويت المغتربين لمكان قيدهم في انتخابات 2018 بحيث يسمح لهذه المنظومة بدراسة توجه المغتربين، ثم تخلق لهم الدائرة 16 وتزيد عدد مقاعد البرمان في انتخابات 2022 الفضفاض أصلاً، مع ما رافق تسجيل المغتربين وتسريب بياناتهم مباشرة للماكينات الانتخابية لأحزاب المنظومة، وما تبعها من تأخير في إرسال صناديق الاقتراع وفرزها، وما زال الجدال قائماً في موضوع تصويت المغتربين في انتخابات 2022، خاصة أنه كان لافتاً عدد الذين تسجّلوا والذين فاق عددهم مئتي ألف أي ما يعادل 10% من مقترعي انتخابات 2018، وهذا ليس برقم قليل حيث سنتطرق الى حجم أحزاب المنظومة في الجدول التالي في دراسة أجريناها استناداً إلى عدد الأصوات التي حصلت عليها الاحزاب الكبرى. وهذا الاخذ والرد الذي يدور الآن وقبل أشهر قليلة من يوم الانتخاب عن المشاكل التقنية والمالية التي تواجهها البعثات الديبلوماسية، هو ضمن استراتيجية هذه السلطة لوضع المغتربين في حالة الضياع، ما سوف يدفع جزءاً منهم لعدم المشاركة والاقتراع خاصة أن الكثير منهم بحاجة للسفر من مكان سكنه الى مراكز الاقتراع في البعثات الديبلوماسية، وما يرافق ذلك من تخطيط لهذا السفر.

مقارنة مع نسب تمثيل الاحزاب في الجدول أعلاه ومجموع أصوات الاحزاب التقليدية الذي لم يتخطّ 40% في مقابل ما يقارب 9% من الذين اقترعوا في 2018 ضد هذه الاحزاب أو لم يفهموا وقتها تبعات التصويت بورقة بيضاء، نرى أنه إذا اقترع كل المغتربين المسجلين فإن حجمهم يفوق حجم أكبر حزب، وإذا اقترع أغلبيتهم لقوى التغيير كما يظهر من حركة الناشطين المغتربين، نتفهّم عندها التخبّط الحاصل بين الطبقة الحاكمة في اقتراع المغتربين ومحاولة خلق بلبلة تخلق لدى المغتربين الشك في إمكانية مشاركتهم.
أما إن غصنا أكثر في أرقام نتائج انتخابات 2018 مطبّقين نظام النسبية الكاملة التي تظهر الحجم الحقيقي من المقاعد المستحقة لكل حزب بما يوازي أصواته، فنرى حجم تضخم المقاعد لدى الاغلبية الساحقة من الاحزاب:
التيار الوطني الحرّ يمثّل 7.38% من الناخبين، يستحق 10 مقاعد من 128 ولكن حصل على 21 في القانون 44/2017 الذي كما ذكرنا سابقاً صيغ لصالح احتكار المجلس النيابي بيد الاحزاب الكبرى في كل طائفة ومذهب.
المستقبل يمثّل 6.83%، يستحق 9 مقاعد، حصل على 19
حركة أمل: تمثّل 5.45%، تستحق 7 مقاعد، حصلت على 16
القوات اللبنانية: تمثّل 4.32%، تستحق 6 مقاعد، حصلت على 15
حزب الله: يمثّل 9.16%، يستحق 12 مقعداً، حصل على 13
الاشتراكي: يمثّل 2.35%، يستحق 3 مقاعد، حصل على 9
المردة: يمثّل 0.83%، يستحق مقعداً واحداً، حصل على 3
العزم، يمثّل 1.05%، يستحق في أبعد تقدير مقعدين، حصل على 4
مجموع حجم هذه السلطة بكامل قوة ماكيناتها الانتخابية وأساليبها الملتوية في الترغيب والترهيب والتزوير واستقدام الناخبين في طائرات وعبر فتاوى، لم يتخطّ 40% في انتخابات 2018، في ظل وجود ما يقارب 9% من الذين لم يقترعوا لمصلحة هذه السلطة، (نسبة المشاركة في انتخابات 2018 وصلت الى 49.68%) مع افتراض زيادة في نسبة المشاركة في عملية الاقتراع في الانتخابات المقبلة بين 15 و20% من المقيمين والمغتربين سوف يؤمن للنخب الجديدة ما نسبته 25% من تمثيل الناخبين، مقارنة بحجم قوى 8 آذار الحاكمة الآن الذي يبلغ 23%. هذا دون الأخذ في الاعتبار انسحاب تيار المستقبل من المعركة الانتخابية المقبلة وتغيير جزء من وجهة أصوات مناصريه لمصلحة المرشّحين المدعومين من بهاء الحريري، والجزء الآخر لمصلحة قوى التغيير، خاصة أن الناخبين السنة يمثلون ما يقارب ثلث الناخبين.
يبقى الأمل في التغيير قائماً بقوة إذا توحّدت المجموعات الثورية والتغييرية أو انتهجت استراتيجيات التصويت الذكيّ والفعّال في اختيار التصويت للوائح الاكثر حظاً في مواجهة لوائح السلطة، كما جمع الأصوات التفضيلية على مقاعد معينة، بما يؤمن للقوى التغييرية ربح مقاعد "الحلقة الاضعف" في كل دائرة، والفوز بمقاعد استراتيجية تضعف شرعية القوى التغييرية في الحكم.
باحث واستشاري في الشؤون الانتخابية
الأكثر قراءة
كتاب النهار
3/6/2026 7:20:00 AM
ما أنقذ الضاحية الجنوبية في الساعات الأخيرة التي تلت الانذارات الإسرائيلية بتحويلها إلى خان يونس نسبة إلى ما حصل من تدمير في غزة، هو بداية الحديث الجدي عن شروط لإنهاء الحزب نفسه علناً وعلى نحو صريح، وليس وقف عملياته العسكرية فحسب.
النهار تتحقق
3/5/2026 8:13:00 AM
يطل رئيس الجمهورية اللبنانية ببدلة عسكرية قائلاً: "أعطيت الأوامر للجيش بتطبيق خطة نزع سلاح حزب الله شمال الليطاني فوراً، ولو بالقوة، حتى لو أدى هذا الأمر إلى مواجهة بين الجيش وحزب الله".
لبنان
3/5/2026 2:38:00 PM
تطوّر إسرائيلي خطر!
لبنان
3/5/2026 3:56:00 PM
مصادر معنية تكشف لـ"النهار" طبيعة العمل في مطار بيروت بعد الإنذار الإسرائيلي للضاحية