كأس شاي

كأس شاي
تعبيرية.
Smaller Bigger
مارلين سعاده

بقيَت عالقة في بالي صورة من رواية قرأتُها في سنّ المراهقة، عن أسرة صينيّة فقيرة، حيث كانت الزوجة تجفّف أوراق الشاي بعد غليها، لاستخدامها مرّة أخرى، وذلك لشدّة ضيق ذات اليد؛ ولكن، بالمثابرة على العمل، والطموح، تمكّنت ربّة الأسرة، بفطنتها وتدبيرها، أن تُلبس ابنها ثياب الملوك الأرجوانيّة، وتدخله بلاطهم... كان ذلك - إن لم تخنّي الذاكرة - في رواية "الأرض الطيّبة" لـ"بيرل باك"، بنسختها المترجَمة إلى العربيّة.
 
لقد اعتدت، منذ طفولتي، شرب الشاي صباح كلّ يوم، إذ كان الشراب التقليديّ لوالدي مع الترويقة؛ وتأتي بعده في التسلسل القهوة - من ناحية الإقبال عليها - لتهيمن بحضورها على النهار بكامله؛ أمّا المشروبات الروحيّة، فكانت تأتي في الصدارة على مائدة الغداء أو العشاء، بحيث يتبادل الدور في تتويج مائدة والدي، العرق ظهرًا، والوسكي مساء.
 
لكن، لم أتعلّق بشيء منها كلّها تعلّقي بالشاي! فالعرق اكتفيت منه بتجربة واحدة طفوليّة، حين خرجنا يومًا للغداء في مطعم في منطقة تقع ضمن محافظة جبل لبنان، اشتهر فيها "نبع اللبن والعسل"، حيث المياه تجري في السواقي المحيطة بالطرقات، باردة تنعش القلب؛ وقد دفعتنا يومها لنخلع أحذيتنا ونمشي فيها مستمتعين ببرودتها. كان كأس العرق سيّد تلك الجلسة، لا سيّما وأنّ المجتمعين أخذوا يتبارون في الزجل، يحاول كلّ منهم أن يتغلّب على رفيقه بما تُخرجه قريحته من أبيات تدور على الطاولة مع دورة الكؤوس، وترقص رقصة النصر في الرؤوس. وكان أن امتدّ سحر الكأس فأصابني، وما ارتشفت منه رشفات قليلة، حتّى رحت أترنّح في سَيْري، وأرى الدرَج يمشي وأنا واقفة عليه، وحاجزه يهوي فلا يكاد يسندني أو يقيني من السقوط! فكان أوّل وآخر عهد لي مع كأس العرق، وأنا لمّا أتجاوز الحادية عشرة من عمري. كما زهدت في الوسكي... وطال الزمن قبل أن أتعلّق بالقهوة، وأشتاقها، أقلّه مرّة أو مرّتين في النهار.
 
أمّا كأس الشاي، هذه الكأس التي طالما رافقَت ترويقتي، وأحيانا عشائي - لا سيّما في فصل الشتاء - فحكايتها تطول... عرفت الشاي، أوّل ما عرفته، وُرَيقاتٍ صغيرةً يابسةً مختلفةَ الأحجام، سوداءَ أو بنّيّة، ملتفّةً على نفسها، ما إن نضعها في الماء المغليّ حتّى تتمدّد وتتفتّح وتصبغ المياه بلونها القاتم، مضيفةً عليه نكهتها اللذيذة. وما لبثَ الشاي، مع الأيّام، أن اتّخذ شكلًا جديدًا، إذ وُضعت وريقاته في أكياس بيضاء شفّافة، صغيرة الحجم، محكمة الإقفال، وموصول بها خيط رفيع ينتهي في طرفه بورقة ملوّنة كُتب عليها اسم الشركة التي ابتكرت هذا النوع، فبات يُعرَف به. ومع الوقت تعدّدت الأسماء، وازداد الإقبال على الشاي، حتّى بتنا نجد نكهات لا تُحصى من الشاي المصنّع من الأعشاب، والتي قد لا تتضمّن بالضرورة شيئًا من نكهة الشاي ومزاياه، وإنّما تشبهه في طريقة تحضيرها، وإن اختلفت طعومُها.
 
لعلّ ما يميّز هذه الأصناف، على اختلافها، أنّها تُضفي على جلساتنا جمالًا، إذ تجمعنا هذه الكأس الساخنة في استراحة مليئة بالودّ والسمر، حتّى أنّ الإنكليزيّين خصّصوا لها جزءًا من يومهم بات يُعرف بـ Tea Time، أو وقت الشاي، ومقدّمي برامج الـ Talk Show استخدموها عنوانًا برّاقًا لجلساتهم؛ كما تحوّل الشاي إلى دُرجة في المقاهي التي أخذت تتبارى في اختيار الاسم الأكثر ملاءمة، والأبعد أثرًا، والأسرع حفظًا، موليةً عناية خاصّة بالهندسة الداخليّة للمقهى، مبتكرة الأسباب التي تجذب الزبون لارتياده دون سواه. وليس آخر ابتكارات المقاهي تزويد الزبائن بخدمة الـ"وايفاي" التي تشرّع له الأبواب لدخول العالم بأسره، وهو جالس إلى مائدةٍ رفيقُه فيها كأس شاي أو ما شابه.
 
وها أنا اليوم، أختار من علبة الشاي التي ملأَتْها ابنتي بمغلّفات الشاي وغيره من الأعشاب المتعدّدة الأشكال والألوان والنكهات، من شاي بالليمون، أو الرمّان، أو الكرز، أو التوت البرّي، أو الزنجبيل، أو الزهورات المتنوّعة: النعناع، واليانسون، والميرميّة، والقصعين، والزوفا... إلى ما هنالك من أصناف وأسماء وفذلكات أو خلطات، لأختارَ منها واحدًا يمنحني طعمُه اللّذة إلى جانب الدفء، كوننا في موسم الشتاء؛ وأنتقي له كوبًا من بين الأكواب المزيّنة بصوَري أو بصور العيد الطفوليّة، ليضفي المزيد من السرور والبهجة على جلستي... وحين أجلس لأرتشفه، أشعر أنّني عائدة من سفر طويل، أجتاز معه، في لحظاتٍ، مسافاتٍ عمرُها من عمر غربتي عن طفولتي! أتوقّف عند أوّل رشفة، أتأمّل في اللّحظة الحاضرة، وأدرك أنّني مغتربة عن نفسي، وعن كأسي، وعن عالمي الخاصّ، الداخليّ، وأنّني أسيرة الحاضر الصاخب، أركض وألهث، ولا أجد لحظة أستريح فيها مع كأس الشاي، أو أتأمّل في سكون اللّحظة وجمالها!
 
لقد سرق العصر أماننا وسلامنا وراحة بالنا، ووضعنا في فخّ الحاجة الماسّة للمادّة، والسعي لتأمينها من كلّ باب، حتّى ما بعد دوام العمل، فبتنا ضحايا هذه العولمة التي تلاحقنا أينما حلَلْنا، وتسرق منّا أهمّ ما يمكن أن نمتلكه؛ لحظة الراحة والتأمّل، مع كأس شاي، بعد يوم عمل شاقٍّ مضنٍ.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/3/2026 6:20:00 AM
"النهار" تلقي الضوء على تفاصيل المشروعات السورية الخمسة لربط الخليج بالبحر المتوسط وأوروبا، وأهميتها والتكلفة الاستثمارية لها، والتحديات التي تواجه هذه المشروعات، والعائد الاقتصادي لهذه المشروعات سواء على الاقتصاد السوري أو على اقتصادات الخليج
النهار تتحقق 4/4/2026 11:36:00 AM
تظهر الصورة رجلاً معصوب العينين، مقيداً بكرسي يشبه قفصاً، في غرفة رفع فيها العلم الايراني.
اسرائيليات 4/2/2026 6:02:00 PM
ظاهرة لافتة في تل أبيب تمثّلت في تحليق كثيف لأسراب الغربان، بالتزامن مع استمرار الحرب والهجمات الصاروخية
اسرائيليات 4/3/2026 9:21:00 AM
الجيش الإسرائيلي: مخطط لإطلاق صاروخ مضاد للدروع نحو أراضي دولة إسرائيل