توفيّ ريان. أخرج من البئر لكن الموت كان أسرع إليه من المنقذين. مأساة مزدوجة هزّت العالم الذي تماهى مع الطفل في جلجلة نفق بارد موحش مظلم بدون أكل ومياه، لترسم النهاية الحزينة بوفاته التراجيديا الانسانية التي كتبت على مدى خمسة أيام.
على مسافة من المشهد، شريحة لا بأس بها من المتابعين، كانت تتململ أو تتساءل أو تستهجن، بدرجات متفاوتة من السلبية، الانشغال الهائل بالطفل، الذي ابتلعت قصّة إنقاذه اهتمام الشعوب والإعلام، فعبّرت عن انتقادها بما معناه: لماذا التعاطف الهائل مع ريان لا يجنيه أطفال يموتون ويعانون يومياً في الحروب والمخيمات؟
وبعيداً عن إطلاق الأحكام على هذا الرّأي، لا شكّ أنه سؤال يعيد إحالة قيمة الإنسان كفرد موضع تساؤل، وإن كان هذا الرأي تحسّس إنسانيته المطلقة، فتقبّل عدم الاكتراث في التفريط بروح واحدة.
الأهمّ أنّه سؤال يدعو حقّاً لمراجعة قصّة ريان والتسونامي الانساني الذي واكبها، مع ما يحمله من بلاغة لا يمكن أن يكون مبالغاً بها. قصّة ريان جديرة بأن تخضع لدراسة حالة إعلامية معمّقة، تتداعى ضمنها زوايا إجتماعية وثقافية ونفسيّة.
إذن، وعلى سبيل التقييم المباشر، لهذه الأسباب قد يشكل ريان حالة إنسانية منقطعة النظير:
أولاً- بحلول الألفية الثالثة، لم يفضّل التوجه الإعلامي العالمي التقارير الصحافية ذات طابع "السرد القصصي" عن عبث، وهي تبدأ أو تكتفي برواية قصّة متعلّقة بفرد. بعض المدارس تسمّي هذا التوجه بـ"الصحافة الإنسانية"، التي تخرج من ضغط الأخبار نحو عمق حياة الآخر ومعاناته. في التلفزيون، لاقى برنامج "أوبرا وينفري" صيته العالمي الرائع، بفضل استعراضه حالات فرديّة.
لقد أثبتت التجارب أنّ المتلقّي يتعاطف، وقد يتماهى مع صاحب المعاناة على مستوى يلامس التقمّص الوجداني من خلال روايات فردية أكثر من تلك الجماعيّة، مهما تعاظمت مأساتها. لنأخذ الحرب السوريّة التي ذهب ضحيتها آلاف الأطفال الأبرياء بجرائم شتى. صورة "مشقة الحياة" التي يظهر فيها طفل واحد مبتور الأطراف محمولاً من أبيه المصاب برجليه جنت تعاطفاً عالمياً وجائزة.
ثانياً- من المسلّم به أنّ الصّورة مفتاح تأثير القصّة الإنسانيّة. إلا أنّ الأدوات البصريّة التي رافقت قضية ريان ارتقت إلى مستوى تصوير الصورة، فاعتمدت تقنيات تجاوزت في وقعها الكاميرا والفيديو: التعبير من خلال رسم غرافيكي، أو رسم يدوي، أو تجسيد المأساة برسوم متحركة. محفّزات عدة على التخيّل والتشويق. وفي بعض الرسمات تدخلت البيانات لتحدد عمق الحفرة وعرضها، وراحت تتعقب قرب الوصول إلى الطفل فتتغير أرقامها كأنها حيّة.
ثالثاً- ما يسمى بـ"الخدر العاطفي" الذي يصيب الأفراد في أعقاب المآسي الجماعية، لا ينمّ عن قلّة إنسانية الأفراد أو عدم إكتراثهم. إنّها ردة فعل بطبيعة البشر النفسية، والأمر ليس ذنبهم، فيبيح جلد الذات والآخر!
كلية الطب في جامعة هارفارد تيقظّت لهذه المسألة وتناولتها في دراسة نشرتها في آذار 2021 بعنوان "هل أصابتكم الأخبار بالخدر؟ قد يساعدكم أن تفهموا الأسباب الكامنة وما يمكن فعله إزاء ذلك"، في معالجة لهبوط التفاعل مع مآسي كورونا بالرغم من/وبسبب حجم الأخبار اليومية المرتبطة بالجائحة.
رابعاً- الدفق الإخباري في قصة إنقاذ ريان أضرم الحماس في ما يشبه بـ"لعبة الغميضة" بين المتلقي والأمل بالنجاة. عناوين مثل "اقتراب انقاذ"، "دقائق تفصلنا عن"، "آخر تطورات"، " إشارة حياة يعطيها الطفل"، "مباشر- فريق الاسعاف"، إلى ما هنالك من العبارات الأخاذة، نجحت في خطف أنظار الناس وقلوبهم وأنفاسهم. أما الحديث عن "استغلال" وسائل الإعلام لهذه المأساة، يحكم فيه الحدّ الفاصل بين الصدقية والأخبار الكاذبة أو الزائفة أو المضلل منها، لا سعي الوسيلة الإعلامية لجذب أكبر عدد من المشاهدات نحو محتوى إنساني!
خامساً- الأمل أيضاً في قصّة ريان حرّك نحوه الشعوب العربيّة أكثر من سواها. والأمر لا يرتبط فقط بعرق الطفل، بل سيتعدّاه في رغبة هذه الشعوب بولادة أمل في قصّة طفل عربي انتصر على الموت. ريان كنموذج إنساني على الطرف الآخر من حالة الطفل الكردي إيلان الّذي لم ينجُ ولا يزال جرحاً في وجدان الكثيرين.
سادساً- الأمل أيضاً ومجدّداً هو كلمة السرّ. شعوب عربية تنحرها سلطات سياسية مجرمة وفاسدة وقاصرة. لا يجد غالبية العرب قيمة للإنسان في نظر وممارسات سلطاتهم. في قصة ريان، المغرب أبلى اهتماماً واضحاً، مع أنّه لم يكفِ لإنقاذ الطفل. عنوان في صحيفة غربية نشرت "المغرب تحرّك جبلاً من مكانه من أجل إنقاذ ابنها"، حرك قلوب الملايين، وحسرات في الأنفس.
سابعاً- مقارنة قصّة ريان بمآسي أطفال لبنان تحتمل أمثلة لا تعدّ ولا تحصى، من عدم اكتراث السلطة السياسية بسوء تغذية أطفال لبنان، وموتهم على أبواب المستشفيات، وانهيار النظام التربوي، وعدم نجاة الأطفال من أيدي عصابات القتل والاختطاف والاغتصاب. ناهيك عن مأساة انفجار بيروت، بما حصده من أرواح أطفال أبرياء، فيما السلطة اللبنانية تطمس حقيقة الجريمة التي أودت بحياتهم.
انفجار 4 آب يأخذنا في هذا السياق إلى قصة الكلبة التشيلية "فلاش" التي عُرفت بـ"نبض بيروت"، لأنها أحيت الأمل لدى اللبنانيين بوجود ناجٍ تحت الأنقاض بعد شهر من انفجار المرفأ.
ثامناً- تستدرج قصّة ريان مشاعر أبويّة لدى الكثيرين، وفي باطنها، لوم معلن أو غير معلن لوالدَي ريان المسكينين، مع ما ينضح بمزايدة البعض في المسؤولية الوالدية، ولذة ممارسة السلطان الأخلاقي على الآخر. وفي تأويلها سؤال سمعناه "كيف أهمل الأهل وجود حفرة عميقة بجانب بيتهم ولم يراقبوا ابنهم؟".
تاسعاً- البعد الدينيّ غنيّ جداً، ولعله الأقوى في ميزان العرب وبالأخص المسلمين منهم. يطفو في كلّ شاردة وواردة تستدرج عواطفهم. تضرب قصة "ريان في البئر" جذورها في القصص الدينية التي ترسبت في عمق لاوعيهم الجمعي، فراحوا يستحضرونها بآيات قرآنية وأحاديث نبويّة: قصة النبي يوسف الذي وقع في البئر أكثرها تماثلاً، وتليها قصّة موسى الّذي نجا بعدما ألقته أمّه في اليمّ، ويونس الّذي عاش في بطن الحوت.
عاشراً- الدين أثّر أيضاً في تعزيز شعور البعض بالانتماء إلى "أمة عربية مسلمة"، فأمسى فخوراً بالتضامن الواسع الذي لفّ المنطقة العربية من المحيط إلى الخليج. كثيرون استشهدوا بقول الرسول محمد "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"، في وقت تشهد المنطقة العربية تفكّكاً جوهريّاً، ويضرم شعور "المظلومية" و"الثأر" في مجتمعاتها حروباً بشعة وخلافات لن يطويها التاريخ سوى بأعجوبة.
نبض