الجمعة - 16 نيسان 2021
بيروت 23 °

إعلان

‎نظرة تاريخية للنظام التربوي في لبنان... طائفي بحت!

المصدر: النهار
تصوير مروان عساف.
تصوير مروان عساف.
A+ A-
شارلين الياس - 
 
منذ إنشاء المدرسة المارونية في روما عام 1584 وتأسيس مدرسة عين ورقة في القرن الثامن عشر، حتى التزام لبنان بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان على رأسه شارل مالك والذي كرّس الحق في التعلّم، عُرف لبنان على مدى تاريخه الحديث بجودة تعليمه وانتشار مؤسساته التعليمية على كافة أراضيه. وبالرغم من الحروب والانهيارات الاقتصادية، حافظت هذه البلاد على مستوى تعليم رفيع نال شهرة واسعة في جميع أصقاع العالم.
‎على الرغم من ما ورد، يشكّل النظام التعليمي اليوم في لبنان تهديدًا مضمراً على المجتمع اللبناني. السبب الرئيسي وراء الأخير هو التقسيم الطائفي التاريخي والحالي للمدارس والجامعات. فلطالما غذى النظام التربوي التعصب الطائفي وعززه وأعاد إنتاجه مؤدياً، بشكل غير مباشر، إلى الحرب اللبنانية من خلال التربية على مفهوم ال"نحن" و ال"هم".
‎أدت المعادلات والأيديولوجيات المتضاربة السائدة في المجتمعات التعليمية اللبنانية إلى اندلاع حرب العام 1975. وجاء اتفاق الطائف ليبلور الثغرات الطائفية المتكبّدة على مرور التاريخ، الأمر الذي يستمر في شلّ الإصلاح السياسي والاجتماعي والتربوي حتى يومنا هذا، بالرغم من بعض الجهود القيّمة لتغيير الوضع الراهن مثل مبادرة الرئيس فؤاد شهاب.
‎تعود بنية نظامنا التعليمي اللبناني إلى مجازر عام 1860 وما تلاها من إنشاء متصرفية جبل لبنان التي تم بموجبها تعيين حاكم عثماني مسيحي يدعمه اثنا عشر ممثلاً للطوائف الدينية. طوال هذه الفترة، بلغ تأثير الطوائف في المجتمع المتعدّد الطوائف ذروته حيث كانت تمثّل المصدرالأساسي والوحيد للمطالبات السياسية.
‎ومن ثمّ مهد تقسيم جبل لبنان الطريق أمام مساع تنموية اجتماعية متباينة على أساس الانقسام الطائفي ما نتج عنه إضفاء الطابع المؤسسي على طبيعة المعرفة. وسرعان ما لاقى هذا النظام قبولًا واسعًا في الساحة اللبنانية بدعم بارز من رجال الدين الذين سعوا جاهدين لاستغلال "العواطف" الطائفية كوسيلة لإثارة النعرات الطائفية في البلاد وللحفاظ على مراكزهم المرموقة وهيمنتهم. هكذا أضحى من المستحيل ممارسة سلطة تربوية موحدة على جميع مؤسسات القطاع التعليمي، الأمر الذي يفسرعدم مراجعة أو تقييم أو تطوير المنهج التعليمي الرسمي في لبنان منذ العام 1997 وعدم تجديد كتب التاريخ الأكاديمية منذ العام 1967. هكذا يحجب النظام التعليمي الحقائق والوقائع عن الطالب اللبناني ويفشل في تدوين الأحداث من منظار تاريخي علمي مجرد.
‎وفي حقبة إقامة دولة لبنان الكبير، أكمل الفرنسيون تغذية النظام السياسي الطائفي في حقل التعليم المتوارث منذ السلطنة العثمانية، من خلال إعادة توزيع السلطة بين مختلف الطوائف. وفي حلول منتصف عشرينات القرن الماضي، كانت 90 ٪ من المدارس مدارس دينية خاصة لا تخضع لأي نوع من الرقابة والمحاسبة.
‎في ظل هذه الأحداث، يبقى النظام التربوي اللبناني الحالي مكبّل اليدين عاجزاً عن التحكم في المحتوى التربوي ومركزيته واستحالة إيصال الحقيقة المجردة للطلاب إثر تدخل السياسة والدين فيه. وخير دليل على ما سبق ذكره هو اعتماد العديد من المناهج الدراسية داخل البلد واحد. قد يعبّر تعدد المناهج في بلدان أخرى على انفتاحٍ وغنى ثقافي، إلا أنه بمثابة محاولة لإخفاء الشوائب المرسّخة في المنهج التعليمي الوطني في حالة لبنان.
‎سمح الدستور اللبناني في المادة 10 منه لعام 1926 حرية التعليم للطوائف "... لا يمكن أن تمس حقوق الطوائف من جهة إنشاء مدارسها الخاصة، على أن تسير في ذلك وفقاَ للأنظمة العامة التي تصدرها الدولة في شأن المعارف العمومية". منذ ذلك الحين، لم تتمكن أي من الحكومات المتعاقبة من فرض منهج تعليمي موحّد أو كتب متجانسة المحتوى على المدارس الخاصة ما ساهم ولا زال يساهم في بناء المفاهيم المتناقضة للهوية الوطنية والشراكة المدنية في نفوس مواطني المستقبل. على وزارة التربية والتعليم العالي اتخاذ إجراءات جذرية فورية بهدف وضع حدّ للخطر الكامن الذي يشكّله التعليم غبر صياغة قوانين وسياسات مستحدثة.
 
‎على أمل عدم تكرار تجربة الحرب الدموية، يكمن التحدي في تربية جيل جديد من الشباب اللبناني مزوّد بقاعدة إدراك متبادل للهوية الوطنية وتقبّل الطبيعة التعدّدية للمجتمع اللبناني، وذلك يتحقّق أوّلاً عبر تدريس مجموعة من القيم الاجتماعية والمدنية والإنسانية المشتركة في المؤسسات التعليمية.
‎أستاذة جامعية ومستشارة في العلوم التربوية

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم