ملكة ملوك البؤساء تُريد أن تحتفظ بالماضي وأن تُحافظ عليه. لن تسمح له بأن يغدر بها أو أن ينسحب بسكون لا يُنبئ بالخير. تُريد بأيّ ثمن أن توثّق التقاليد والعادات الاجتماعيّة، التي لوّنت أيّام أبناء فلسطين ماضياً. هي مُغرمة بالطقوس الزاهية، التي لا "تخشى الحميميّة"، بل تحتفي بها.
وتلك المشاهد المُلوّنة التي تتميّز بسطوعها المُفرط؟ ستُحافظ عليها بكلّ جوارحها، وإن كانت عمليّة إنقاذها مُكلفة، وتتطلّب أدوات حديثة تنتشلها من الإهمال، الذي زحف في حناياها، وجرّدها من رونقها ووهجها الفاني.
ستحميها من خلال تهوّر الصبا وجنونه الذي يحتضن تفرّدها.

ستحميها بواسطة إصرارها على رواية قصص المجتمع الفلسطيني وتحويلها مع الوقت عشرات البحوث الأنتروبولوجيّة، التي من شأنها أن تُعزّز من جماليّة يوميّات أبناء بلد لم يُبالغ يوماً في تمسّكه بالتقاليد.
القليل من التمرّد من فضلكم! إن للعصيان جماله الخاص. وسرد القصص عادة أنيقة بجوهرها. وداء الألزهايمر الخبيث تسلّل إلى جسد والدها محمود أحمد أمين منّاع، وقضى في الطريق على صندوق ذكرياته. ولهذا السبب، لن يتمكّن من أن يروي لها نوادر مأخوذة من هذا الماضي، الذي تتعلّق به ابنة مجد الكروم الفلسطينيّة بجنون العاشقة. ولكنها لن تستسلم. راية منّاع، أو "راية هانم"، كما تطلب منّا أن ندعوها، وأيضاً، "ملكة ملوك البؤساء"، تمكّنت من أن تُنقذ أرشيف الصور، الذي كانت والدتها على وشك أن ترميه، بعدما ملّت حضوره الثقيل في عليّة المنزل العائلي في قرية مجد الكروم الجليليّة. لم تعرف والدة راية أهميّة هذا الأرشيف، الذي يتضمّن آلاف الصور و"النيغاتيف" التي توثّق حيوات بكاملها؛ وتوثّق في الواقع قصة مجتمع بكامله.
ومحمود أحمد أمين منّاع، أو "أبوي" كما تُناديه راية، كان مُصوّراً ناشطاً خلال الفترة المُمتدة بين ستينيّات ومنتصف تسعينيّات القرن المُنصرم. تخصّص في تصوير الأعراس والمناسبات الاجتماعيّة الصغيرة، والأخرى الأكبر حجماً، والأكثر أهميّة في قرية مجد الكروم المشهديّة. وفجأة، هيمنت على البلد فترة اقتصاديّة صعبة، ولم يتمكّن العرسان من أن يُسدّدوا ثمن الصور، التي التقطها والد راية بشغف وعشق حقيقيّ لمهنته، ووفاء مُطلق لسرد القصص من خلال الصور.
وبطبيعة الحال، "أفلس المشروع"، كما تروي لي من إسطنبول، حيث تُقيم حالياً، وتتنقّل من وإلى فلسطين، لتعيش مهنة التصوير، ولتُحوّل المطبخ مسرحها الجوّال، انطلاقاً من عشقها للطهو. وبقيت الصور التي لم يستلمها الناس لأنّهم بكلّ بساطة لم يُطالبوا بها بفعل الضائقة الماديّة التي سيطرت على يوميّاتهم.
وللأسف، يعيش محمود اليوم مراحل مُتقدمة من هذا الداء، الذي قضى على صندوق ذكرياته، وبالتالي لم تتمكّن راية من أن تعرف هويّة هؤلاء الأشخاص، الذين يُبرعمون فرحاً بين سياج الصورة وإطارها.

تمكّنت هذه الشابة المُتعدّدة الموهبة من أن تُنقذ آلاف الصور والنيغاتيف من مصير قاتم هو الحرق، أو الإبادة المُطلقة؛ فإذا بها تأخذ على عاتقها حماية هذه الوثائق المهمّة. وذات يوم، "ما فيه ضوّ قمر" وُلد مشروع "أرشيف الأمين".
وصحيح أن المعدّات التي تحتاج إليها لتُعيد ترميم هذه الكنوز، التي مرّ عليها الدّهر وأنهكها، ثمينة، بيد أن هذا التفصيل لم يُخيفها، على اعتبار أن الصّور توثّق "كلّ مراحل العرس الفلسطينيّ، التي كانت مُعتمدة ماضياً"، كما تُسلّط الضوء على المناسبات الاجتماعيّة التي لم تكن يوماً عاديّة بالنسبة إلى الفلسطينيّ، وإن كانت في الواقع تتمحور على الاحتفال بعيد ميلاد صغير العائلة، أو تخرّج كبيرها من الجامعة.
والجميل في هذه الصور، بحسب "ملكة ملوك البؤساء"، راية هانم، قدرتها على وصف العواطف الجيّاشة التي عاشها الأهل والعروس في ما يجب أن يكون أجمل نهار يليق به الفرح والـ"هيصة".
في هذه الصور، التي أمضت سنوات طويلة في عليّة النسيان، نُشاهد حزن العروس، لأنها ستُغادر منزل "أمها وأبوها"، وإن كانت ستنتقل إلى المنزل المُجاور.
سنُشاهد أيضاً الترجمة الحقيقيّة للهفة الأشقاء للأخت الكُبرى أو الصُغرى، التي سيُصبح لها منزلها الخاصّ، وحياتها الخاصّة.
أمّا العريس، فسنضحك معه، وهو يستحمّ بحضور الأصدقاء، الذين حضروا منذ ساعات الصباح الباكرة ليُشرفوا على "زوزقته" لإطلالته البهيّة.
وراية تحتاج إلى الكثير من الوقت لتتمكّن من إنهاء العمل على هذا المشروع، الذي يبدو أن والدها، وإن كان يعيش في عالمه الخاص بفعل داء الألزهايمر، يُريدها أن تتبنّاه. وكأنّه احتفظ بالصور الشاهدة على يوميّات مجتمع بكامله، لكي تكتشفها ابنته المُتمرّدة ذات يوم، وتُكمل المشروع الذي لم يتمكّن من أن يُعطيه حقّه لأن القدر وقف في طريقه.
"أريد بأي ثمن أن أجد الشخص المناسب ليُساعدني في البحث الأنتروبولوجي المُتعلّق بهذا الأرشيف".
وقد شارك الأرشيف في مهرجانات عدّة، وحاز حتى الساعة على جوائز عدّة، و"من الواضح أن كُثراً يهتمّون له، ويُقدّرون أهميّته".
ترى راية هانم أن الوقت قد حان لنُسلّط الضوء على النواحي الجميلة في حياة الفلسطينيّ. هل كُتب لنا أن تنحصر معلوماتنا بالعنف وانتشار الدماء وعناصر مؤذية أخرى نربطها عادةً بفلسطين؟
من الواضح أن راية لن تسمح لنا بذلك، فهي توظّف كلّ طاقتها، وجنون صباها، لتوثّق حياة فلسطين الثقافيّة والفنيّة والاجتماعيّة؛ ليس فقط من خلال أرشيف الأمين، بل أيضاً من خلال الصور التي تلتقطها بنفسها، والـ"ستوريز"، التي تُسقطها في حساباتها الشخصيّة، على مواقع التواصل الاجتماعي، وتروي من خلالها نوادر صغيرة، وأخرى أكبر حجماً، من الداخل الفلسطيني...
ممّا يجعل فلسطين أكثر جمالاً وأكثر عذوبةً ورقّة مما سُمح لنا بأن نلمس!
الأكثر قراءة
العالم العربي
4/27/2026 9:12:00 PM
يمثل علي الزيدي نموذجاً لقيادة تجمع بين الخبرة العملية والرؤية المستقبلية في العراق.
ثقافة
4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
ثقافة
4/26/2026 7:28:00 PM
"سوبر ماريو غالاكسي" أول فيلم في 2026 يحقق هذا الرقم.
لبنان
4/28/2026 10:25:00 PM
من المتوقع أن يصدر قرار التعيين عن جلسة مجلس الوزراء الخميس...
نبض