خلال فترة الأعياد، أجرت الصحافية المقيمة في موسكو يوليانا بافلوفا مقابلات مع مواطنين ومراقبين روس لمحاولة معرفة ما إذا كان هنالك من رغبة لدى الروس في دعم حرب محتملة مع أوكرانيا.
وكتبت بافلوفا لمجلة "بوليتيكو" أنّ آفاق الحرب في الساحة الحمراء خلال تلك الفترة كانت بعيدة وغير مرجّحة. "أيّ شخص طبيعيّ يريد حرباً؟" سألت كريستينا كوستوفا (38) الصحافية نفسها. "نحن نحب الأوكرانيين. أمّا بالنسبة إلى خلافتنا السياسيّة، فقد تؤثّر علينا، لكننا لا نريد أن نكون جزءاً من هذا النزاع".
ويقول زوجها ميخائيل: "لن يكون هنالك حرب. ولو حصلت، فعندها ستكون خارجة عن إرادتنا على أي حال".
تشير برامج الحوار السياسي التي ترعاها الدولة إلى أنّ أوكرانيا تصبح أكثر قومية بسبب الغرب والرهاب من روسيا لدى بعض الأوكرانيين. ويظهر الإعلام الروسي أوكرانيين يحطمون تماثيل سوفياتية. وخلال الصيف الماضي، فكك سكان مدينة لفيف الأوكرانية نصباً يحتفل بإلحاق الجيش السوفياتي هزيمة بالنازيين.
بعد ضم القرم سنة 2014، تخطت شعبية بوتين 80 بالمئة. لكن ليس واضحاً مدى دعم الروس لتحركات الرئيس فلاديمير بوتين حيال أوكرانيا. أظهر استطلاع رأي أجراه "مركز ليفادا" المستقل الشهر الماضي أن نحو 40 بالمئة من الروس يرون أنّ الحرب مؤكدة أو مرجحة. بينما يرى 38 بالمئة أن الحرب غير مرجحة، و15 بالمئة يسقطون تماماً هذا الاحتمال. وهذا يعني بحسب الصحافية أن معظم الروس غير مستعدين نفسياً للحرب.
وهذا سبب من الأسباب التي قد تجعل الترويج للنزاع مع أوكرانيا صعباً لدى كثير من الروس. يقول الباحث البارز في "كارنيغي-موسكو" أندريه كولسنيكوف إنّه "في مجتمع متمدن ومعصرن، لا يوجد عائلات كثيرة تريد إرسال شبابها إلى حرب حقيقية".
لطالما احتلّت القرم مكانة خاصة في المخيلة الروسية بدءاً من سنة 1783 حين ضمت الإمبراطورية الروسية شبه الجزيرة. في طفولتها، أمضت كوستوفا الكثير من عطلها الصيفية على ساحل القرم وهو مكان شهير لقضاء العطلات. وشهد ذلك الساحل نهضة منذ سنة 2014. وتقول كوستوفا إنّه لم يعد بالإمكان الذهاب إلى هناك بسبب كثافة الحجوزات.
تشير غالينا نيكولايفنا (84 عاماً) إلى أنها شعرت بالفرح حين أعيد توحيد القرم مع روسيا. وأضافت: "عندها أدركت أنّ الناس عانوا بسبب ما حصل. لا يمكن لوم الناس".
قاطعتها حفيدتها آنّا: "لا أوافق، جدتي. يجب لوم الناس لأنّ والديّ اللذين عايشا انهيار الاتحاد السوفياتي أخبراني دوماً ألا أعبّر عن آرائي السياسية علناً لأنّ ذلك لن يغيّر أيّ شيء." وتقول إنّها لا تعرف حقيقة شعورها تجاه ضمّ القرم لأنّ هنالك "جانبين لكل رواية خصوصاً في السياسة".
ويقول زوج آنّا، مكسيم (28 عاماً)، إنه ولد في القرم لوالدة أوكرانية ووالد يوناني. لكنّ عائلته غادرت شبه الجزيرة حين كان يبلغ السادسة من العمر. ويعيش مع زوجته (والدها أوكرانيّ) في موسكو. وأضاف أنّ شباب جيله والجيل الأصغر أصبحوا أكثر نعومة وهم غير مهتمين بالنزاع على الرغم من التجنيد الإجباري. ويسأل عمّن سيعوّضه لو قُتل في المعركة، "جيل التيك توك؟".
في 1954، نقل الزعيم السوفياتي نيكيتا خروتشيف ملكية جزيرة القرم من جمهورية روسيا الاشتراكية السوفياتية إلى جمهورية أوكرانيا الاشتراكية السوفياتية. بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، شعر الكثير من الروس بالحزن لأن القرم أصبحت جزءاً من دولة أخرى. لذلك، عندما ضم بوتين القرم قبل معظمهم بالوضع الجديد على مضض.
تقول كوستوفا: "عادت القرم إلى وطنها التاريخي. سواء أكان ذلك مناسباً أم لا، ليس لنا أن نقرّر".
ويشرح كولسنيكوف من "كارنيغي" أنّ القرم أخِذت من دون إطلاق رصاصة واحدة. "لم تكن حرباً، بل استعادة سهلة، سلمية وانتصارية للعدالة بالنسبة إلى غالبية الروس".
لكن دونباس لا تحتل مكانة خاصة في العقل الروسي. والروس متعبون من سنوات صدام على الحدود مع أوكرانيا كما تابعت بافلوفا في "بوليتيكو".
وفقاً لـ"مركز ليفادا"، لا يريد معظم الروس أن تكون دونباس جزءاً من روسيا بل يفضلون استقلال الشرق الأوكراني الناطق بالروسية. لكنهم يدعمون عموماً كلام بوتين عن الهوية والإرث المشتركين مع أوكرانيا. أما رغبة الشبان الروس بالقتال لضم دونباس أو استقلالها فمسألة مختلفة. بحسب استطلاع المركز نفسه الشهر الماضي، يحمل غالبية الروس مواقف إيجابية تجاه الشعب الأوكراني وسلبية تجاه الحكومة الأوكرانية.
ويقول رئيس المركز دنيس فولكوف لمجلة "بوليتيكو" إنّ بوتين كان يركز هذه الجولة من المظالم على حلف شمال الأطلسي. يظن نصف الروس أن واشنطن والناتو مسؤولان عن التوترات في شرق أوكرانيا بينما يلوم 16 بالمئة منهم أوكرانيا و4 بالمئة منهم روسيا.
ويضيف أنه يجب الانتظار لمعرفة ما إذا كان الروس سيلتفون حول بوتين في قضية دونباس كما فعلوا خلال ضم القرم. مع ذلك هو يعرب عن اعتقاده بأنّ هذا الالتفاف لن يحصل كما حدث في 2014: "الناس متعبون من النزاع مع أوكرانيا، ومتعبون من التوترات الدولية".
نبض