في تموز الماضي، تبادل رئيسا الوزراء الإسرائيليان السابق والحالي بنيامين نتنياهو ونفتالي بينيت الاتهامات في ما يخص "ضعف" الموقف الحكوميّ تجاه إيران. قال نتنياهو إنّ بينيت "خضغ" لسياسة "صفر مفاجآت" التي طالب بها الرئيس الأميركي جو بايدن. ردّ بينيت بأنّ سلفه "تحدّث الكثير وفعل القليل" مع إيران. ومع أنّ بينيت كان داعماً لسياسة نتنياهو قبل الترشّح إلى الانتخابات، عادت مصادر مقرّبة منه وأبلغت "فورين بوليسي" أنّ رئيس الحكومة السابق لم يضع خطة طوارئ لما بعد انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي سنة 2018.
من جملة ما يختلف فيه بينيت مع نتنياهو، تدخّل الأخير بقوة في الشؤون الداخلية الأميركيّة وبالأخصّ في ولاية الرئيس الأسبق باراك أوباما. بينما تفضّل الحكومة الحاليّة الحفاظ على علاقات ودّ واحترام مع المسؤولين الأميركيين أياً تكن توجهاتهم الحزبية عموماً، وسياساتهم تجاه إيران خصوصاً.
عن المفاجآت والتخريب
ليس واضحاً مدى التزام بينيت بسياسة "صفر مفاجآت" مع بايدن. لكنّ تغيير سياسات سلفه مع الولايات المتحدة يقتضي التزاماً كهذا من حيث المبدأ. ويبدو أنّ الأميركيين قالوا للإسرائيليين مؤخراً إنّ أعمال التخريب التي تظال المنشآت النووية تشكّل "ضغطاً سيئاً" بما أنّها تدفع الإيرانيين إلى تسريع التخصيب بحسب المسؤول الأميركي السابق دنيس روس. على أيّ حال، ثمّة حدود لقدرة التخريب على تعطيل البرنامج النوويّ لإيران. في الحالات القصوى، هو قادر على تأخير ذلك البرنامج قرابة السنة، كما حصل في 2009 ومع منشأة نطنز في نيسان الماضي.
وقد لا يكون الهدف من أعمال التخريب مجرّد وضع عثرات أمام البرنامج إنّما إعطاء إدارة بايدن المزيد من الوقت والنفوذ للتفاوض مع إيران من موقع قوة. يُتوقّع أن يعود الطرفان إلى طاولة التفاوض في 29 تشرين الثاني الحالي، لكن لا يزال الإيرانيّون يضعون شروطاً قاسية لاستئناف المفاوضات من بينها تقديم ضمانات بعدم انسحاب الولايات المتحدة مستقبلاً من أيّ اتفاق، وإلا فإنّ المفاوضات محكومة بالفشل.
يتّفق بينيت ونتنياهو على أنّ تصنيع إيران قنبلة نووية "خط أحمر" بالنسبة إلى تل أبيب. ومع التقدّم الكبير الذي تحرزه طهران على طريق تحقيق "الخرق النوويّ"، ربما يضطرّ رئيس الحكومة الحاليّ لتعديل سياسته. خلال الصيف، ذكرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" أنّ بينيت أعطى موافقة مبدئيّة لإدارته بالتحضير لخيار عسكريّ يقضي بضرب المنشآت النووية الإيرانية. لكنّ خياراً كهذا يضع تل أبيب أمام تحدّيات شتى ليس أقلّها ضرورة التشاور مع إدارة بايدن قبل تبنّي أيّ ضربة.
من غير المتوقّع أن تتساهل واشنطن مع خيار كهذا إذا تمّ من دون التشاور بما أنّه سيجرّ الأميركيين إلى حرب إقليميّة من دون إرادتهم. على صعيد آخر، من المرجّح أن يحتاج الجيش الإسرائيلي إلى قنابل خارقة للتحصينات كي يستطيع استهداف منشآت نووية قابعة في أعماق الجبال، كما هي الحال مع منشأة نطنز. سيكون على واشنطن تأمين هذه القنابل كما تأمين القاذفات الاستراتيجية لها.
تحوّل جذريّ؟
كيفيّة إيجاد توازن بين هذه المتطلّبات وغيرها تبقى قيد التكهّن. لكن ما من مؤشّرات إلى أنّ بينيت سيفترق عن بايدن بشكل جذريّ في المستقبل المنظور. السؤال الأساسيّ هو مدى إمكانيّة بينيت "الصبر" على التوجيهات الأميركيّة بغية عدم إثارة التوتّرات مجدّداً بين تل أبيب وواشنطن. في الواقع، يمكن أن يكون بينيت قد ذهب بعيداً في ملاقاة سياسات بايدن الإيرانيّة بالاستناد إلى المعايير الإسرائيليّة. فخلال لقائه الأوّل مع الرئيس الأميركي في آب، أعلن بينيت أنّه يوافق على "النهج الأميركي الحالي في إعادة وضع برنامج إيران النووي في الصندوق". ويبدو أنّ بينيت كان لا يزال ملتزماً بهذا النهج حتى وقت قريب على الأقلّ.
في تشرين الأول، وحين استضاف المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، قال بينيت: "هذه الأيام، ينتظر العالم قراراً من طهران حول ما إذا كانت ستعود إلى طاولة التفاوض في فيينا أم لا". وأضاف: "خلال السنوات الثلاث الأخيرة، وللأسف، قفز الإيرانيون قفزة عظيمة إلى الأمام في إمكانات تخصيب اليورانيوم... العالم ينتظر... وأجهزة الطرد المركزي تدور". تعليقاً على هذا الكلام، وخصوصاً على عبارة "خلال السنوات الثلاث الأخيرة"، كتب أنشيل بفيفر في صحيفة "هآرتز" أنّ بينيت لم يترك مجالاً للشكّ في رؤيته بأنّ إيران سجّلت قفزتها العظيمة بعد مغادرة ترامب الاتفاق النووي. وخلص إلى أنّ بينيت لم يعد يرى في الاتفاق النووي "خطأ كارثياً" كما كان في السابق لكنه لا يستطيع قول ذلك خوفاً من شبح نتنياهو.
"لائحة تبضّع"
ثمّة تقارير تناقض تحليل بفيفر للواقع الإسرائيليّ على الرغم من أنّ الأخير أشار إلى انتشار هذه الأجواء بين عدد من السياسيين الإسرائيليين، لكن بعيداً من الإعلام. منذ يومين، عزت المراسلة الإسرائيلية لاهاف هاركوف في مجلة "ذا تابليت" السياسة الإسرائيليّة الحاليّة إلى فهم بينيت ولبيد عجز كلّ انتقادات نتنياهو عن منع أوباما من إنجاز الاتفاق، لذلك فضّلا الحوار على الصدام مع الأميركيين. ونقلت عن مصدر ديبلوماسيّ قوله إنّ "الأميركيين يعلمون أنّنا نحتفظ بحقّ حماية أنفسنا بأي شكل يناسبنا، لكن إذا استطعنا الإتيان بخطة عمل مشتركة أكثر فاعلية، فنحن نفضّل ذلك". كذلك، نقلت عن تقارير أنّ الموازنة الأخيرة لحظت "لائحة تبضّع" تمكّن تل أبيب من اختيار شراء قنابل خارقة للتحصينات والمقاتلات الضرورية لها.
سيراقب الشرق الأوسط والعالم أيّ نهج ستعتمده تل أبيب في سياستها الإيرانيّة: ما تسمّيه هاركوف "محافظة على عقيدة بيغن" (الهجوم الاستباقي) أو ما يسمّيه بفيفر "أهم تغيير سياسيّ" للحكومة الحالية (الموافقة على أهمية الاتفاق)؟ أيّاً تكن السياسة المقبلة من المرجّح أنّها ستُرسم على ضوء التنسيق مع إدارة بايدن.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
قصة "محروك إصبعه" التي تعكس تجارب الفقر والصعوبات التي عاشها كاظم الساهر في طفولته.
نبض