الأربعاء - 16 حزيران 2021
بيروت 23 °

إعلان

الصاروخ الصيني... الحظّ لن يشفع كلّ مرّة

المصدر: "النهار"
جورج عيسى
صاروخ "لونغ مارتش 5 بي" الصيني ينطلق نحو الفضاء - "أ ب"
صاروخ "لونغ مارتش 5 بي" الصيني ينطلق نحو الفضاء - "أ ب"
A+ A-

تحطّم صاروخ "لونغ مارتش 5 بي" أخيراً في المحيط الهندي. بذلك، انتهى خوف كثر من سقوط الصاروخ الصينيّ غير المتحكّم به فوق منطقة مأهولة. كانت مهمّة "لونغ مارش 5 بي" إيصال "تيانهيه-1" إلى الفضاء. و"تيانهيه-1" هي أوّل جزء من محطّة الفضاء الصينيّة الجديدة التي من المفترض أن تُنجَز قبل نهاية سنة 2022. نجحت مهمّة التسليم في 29 نيسان الماضي. لكنّ عودة دخول الصاروخ إلى الغلاف الجوّيّ حبست أنفاس العالم، بما أنّها لم تتمّ وفقاً للمسار الشائع المعتمد بين وكالات الفضاء الدوليّة، كما يقول اختصاصيّون غربيّون على الأقلّ.

 

وما عقّد مهمّة التعقّب والتقديرات بشأن مكان سقوط الصاروخ هو سرعة التفافه الكبيرة حول كوكب الأرض، إذ كان ينجز دورة كاملة كلّ 90 دقيقة، إذ بلغت سرعته حوالي 30 ألف كيلومتر في الساعة. لفهم ضخامة هذا الرقم أكثر، يمكن القول إنّه يكاد يساوي نصف سرعة المهمّات التي أرسلِت إلى الفضاء الخارج عن المجموعة الشمسيّة. على سبيل المثال، مركبة فوياجير-1 التي أطلقت سنة 1977 والتي أصبحت على بعد يزيد عن 22 مليار كيلومتر عن الأرض، تسافر بسرعة 61 ألف كيلومتر في الساعة. مهمّة "برسيفرنس" الأميركيّة التي هبطت على المرّيخ في شباط الماضي بلغت سرعتها حوالي 39 ألف كيلومتر في الساعة.

سقط "لونغ مارش 5 بي" في مكان يتماشى مع التوقّعات الأوّليّة، أي في المياه بما أنّ الأخيرة تغطّي أكثر من 70% من كوكب الأرض. لكن ليس في كلّ مرّة "تسلم الجرّة". سبق لبعثات فضائيّة أن تحطّمت على البرّ، وكانت الأخيرة أيضاً لـ"لونغ مارش 5 بي" منذ عام كامل، حين سقطت أجزاء من الصاروخ البالغ وزنه حينها 18 طنّاً (مقابل 21 طنّاً للنسخة الحاليّة) في ساحل العاج، ما أدى إلى تضرّر مبانٍ عدّة، لكن من دون تسجيل إصابات. حدث ذلك في 5 أيّار 2020. وفي 2017، عادت محطة تيانغونغ-1 الدخول في الغلاف الجوي بشكل خارج عن السيطرة فسقطت في وسط المحيط الهادئ بين أوستراليا وتشيلي.

 

"لامبالاة مقصودة"

علّقت وكالة الفضاء الأميركية "ناسا" بسلبيّة على طريقة تعامل الصين مع مهمّتها الفضائيّة. "يجب على الدول التي ترتاد الفضاء أن تقلّل من المخاطر التي يتعرّض لها الأشخاص والممتلكات على الأرض من جرّاء إعادة دخول الأجسام الفضائيّة وتوسيع الشفافية إلى حدّها الأقصى في ما يتعلق بهذه العمليات". هذا ما قاله مدير الوكالة بيل نيلسون عبر بيان. نيلسون، سيناتور سابق ورائد فضاء أضاف: "من الواضح أنّ الصين تفشل في تلبية المعايير المسؤولة في ما يتعلّق بالحطام الفضائيّ".

 

من جهته، أبدى عالم الفضاء من "مركز هافارد سميثسونيان للفيزياء الفلكية" جوناثان ماكدويل انزعاجه من طريقة إدارة الصين مهمتها الفضائيّة واصفاً إيّاها بأنّها "لامبالية عن قصد". وفي حديث إلى موقع "إنفرس" يضيف أنّه لم يكن على الأمر أن ينتهي بهذه الطريقة، متحدّثاً عن ممارسة معياريّة تدعو إلى اعتماد خيار من اثنين: إمّا أن يتمّ تزويد الصاروخ بمعزّز لدفعه إلى منطقة هبوط آمنة في المياه بعد دخوله الغلاف الجوي، وإمّا بنظام تثبيت وبمحرّك يعاد تشغيله حيث بالإمكان إبطاء هبوطه وتحويله من البرّ إلى المحيط. لم يحصل أيّ من هذين الأمرين مع صاروخ "لونغ مارتش 5 بي" فتُرك يهبط بطريقة قديمة غير معتادة في العصر الحاليّ بحسب رأيه.

 

مشكلة أخرى

ليس سجلّ الولايات المتحدة أو روسيا نظيفاً بالكامل في إعادة إدخال مركباتهما الفضائيّة إلى الغلاف الجوّيّ ثمّ الأرض. لكنّ إخفاقاتهما تعود إلى عقود مضت: "سكايلاب" الأميركيّ سنة 1975 و 1979، و"ساليوت" الروسيّ سنة 1991. من جهتها، وصفت "غلوبال تايمس" الصينيّة الحديث الغربيّ عن "فقدان السيطرة" على الصاروخ بأنّه "ضجة وقحة" بينما أعلن الناطق باسم الحكومة الصينيّة وانغ ونبين أنّ الأمر عبارة عن "ممارسة شائعة" متحدّثاً عن أنّ معظم الصاروخ سيحترق عند دخوله الغلاف الجوّيّ وأنّ احتمال "حصول ضرر للطيران أو المنشآت والنشاطات البرية منخفض للغاية".

 

لكن بالنسبة إلى صاروخ يبلغ وزنه 21 طنّاً، قد لا يكون تفكّك "معظمه" في الغلاف الجوّيّ كافياً. قدّر المهندس الرئيسي في "مركز دراسات الحطام المداري وعودة الدخول" التابع لـ"الشركة الجو-فضائية" مارلون سورج أن يبقى من الصاروخ بعد تفكّكه ما بين 5 إلى 10 أطنان وهي كمّيّة ضخمة قادرة على التسبّب بأضرار كبيرة لو سقطت في مناطق مأهولة، بناء على الحسابات الأوّليّة التي ترجّح بقاء 20 إلى 40% من المركبة التي تعاود دخول الأرض بعد الاحتكاك بالغلاف الجوّيّ. ويمكن أن يكون هنالك مشكلة أخرى لدى الصين في قيادة العمليّة، إذ يقول سورج إنّه ليس أمراً شائعاً وصول المرحلة الأولى من الصاروخ ومعززاته الحزامية إلى المدار. وهذا ما يبدو أنّه حدث مع صاروخ "لونغ مارش 5 بي". وحين وصلت المرحلة الأولى إلى المدار أصبحت المهمّة خارجة عن السيطرة وفقاً للمهندس نفسه.

 

لا يمكنك الاعتماد دوماً على الحظ

بعد تحطّم الصاروخ في المحيط الهنديّ شمال جزر المالديف، غرّد ماكدويل أنّ الصين "كسبت المقامرة"، مصرّاً في الوقت نفسه على أنّ إدارة المهمّة كانت "متهوّرة". من جهته، يرى الباحث المشارك في "مشروع الأمن الجوفضائي" التابع لـ"مركز الدراسات الدولية والاستراتيجيّة" توماس روبرتس أنّ "السلامة الفضائيّة ليست أولوية الصين. بوجود سنوات من الخبرة في عمليّات الإطلاق نحو الفضاء، الصين قادرة على تفادي نتيجة نهاية الأسبوع هذه (السابقة)، لكنّها اختارت ألّا تفعل ذلك".

 

ونقلت مجلّة "تكنولوجي ريفيو" الصادرة عن "معهد ماساشوستس للتكنولوجيا" عن الباحث نفسه قوله إنّه بالنظر إلى المهمّات الفضائيّة الصينيّة السابقة التي خرجت عن السيطرة، "لا عجب في أنّهم يبدون الرغبة برمي النرد على إعادة دخول غير متحكّم بها إلى الغلاف الجوّيّ... أجد هذا السلوك غير مقبول بالكامل، لكن غير مفاجئ".

 

تؤكّد المجلّة الأميركيّة نفسها  أنّه "لا يمكنك الاعتماد دوماً على الحظ". وهذا صحيح خصوصاً بالنسبة إلى الصين. ففي سنة 2019 سقطت أجزاء من صاروخ "لونغ مارتش 3 بي" فوق مبانٍ ريفيّة في محافظة سيشوان، ما أدى إلى تضرّرها وتلوّث الأراضي، إنّما من دون سقوط إصابات. والأمر نفسه تكرّر في السنوات الأخيرة. لكن في سنة 1996، سقط صاروخ من النسخة نفسها في إحدى البلدات الصينيّة، ما أدّى إلى سقوط 6 قتلى و57 جريحاً.

 

لا يزال أمام الصين 11 مهمّة للانتهاء من بناء محطّتها الفضائيّة قبل 2023. للأسوأ أو للأفضل، ستكون أنظار العالم مشدودة أكثر تجاه تلك المهمّات.

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم