يشهد العالم اليوم نقلة نوعية من الاقتصاد النقدي إلى الاقتصاد غير النقدي، وذلك بفضل خدمات التكنولوجيا المالية او ما يُعرف بمصطلح الـ "Fintech". هذه التكنولوجيا التي بدأت بالظهور في السنوات العشر الماضية، أحدثت بالفعل تغييرات جذرية في قطاع الخدمات المالية، حيث تقدم التكنولوجيا المالية اليوم خدمات للأفراد والشركات بطرق سريعة، سهلة، وأقل تكلفة، مقارنة بالوسائل التقليدية.
وفي الآونة الأخيرة بدأت بعض الدول العربية، مواكبة هذا التطور السريع للتكنولوجيا المالية، فهو قطاع سريع النمو يتيح تحقيق عائدات استثمارية قوية ويدعم مسار التنمية الإقتصادية في جميع أنحاء المنطقة، كما توفر شركات التكنولوجيا حلولاً جديدة يستطيع القطاع المالي توظيفها لتحسين كفاءة وفعالية عملياته التشغيلية.
"تستطيع التكنولوجيا المالية أن تساهم مساهمة كبيرة في تحقيق الاستقرار المالي، كما أنها تلعب دوراً جوهرياً في صياغة مستقبل المعاملات والخدمات المالية. وقد بلغت الاستثمارات في هذا المجال في العام 2019 حوالي الـ 24 مليار دولار وفي الشرق الأوسط حوالي الـ 130 مليون دولار لذا، يعوّل على هذه التكنولوجيا أهمية كبيرة في خلق فرص واستثمارات كبيرة"، يقول خبير استراتجيات وحوكمة في التحول الرقمي رودي شوشاني.
ويضيف شوشاني في حديثه لـ "النهار العربي": "تكمن أهمية هذه التكنولوجيا في تبنيها من قبل البنوك المركزية ومؤسسات النقد والجهات التنظيمية والتي تُعرف باسم Sandbox ، التي تعمل على خلق البيئة التجريبية والتنظيمية والحاضنة لهذه التكنولوجيا كي تصبح في إطار قانوني ورسمي. أما الهدف من تشريعها فهو لكونها تتيح للشركات التقنية والمالية المحلية والدولية اختبار حلول رقمية جديدة تلبي رغبات الشركات والأفراد، وكمثال على ذلك التحويلات من شخص لشخص او المحفظة الرقمية... هذه الحلول اختبرت بنجاح قبل اتاحتها للجمهور".
تطور التكنولوجيا المالية في المنطقة العربية
وتحاول الدول العربية مواكبة التطور الهائل في التكنولوجيا في العالم، وتحتل دول مجلس التعاون الخليجي المرتبة الأولى في الدول العربية بنسبة 43 في المئة للشركات التي تستخدم التكنولوجيا المالية، وتحتل الإمارات العربية المتحدة المرتبة الأولى بعدد شركات التقنية المالية.
ويشير شوشاني الى أن بعض الدول العربية لا سيما السعودية والإمارات والبحرين تعمل حالياً على قوانين تنظيمية متعلقة بالتقنية المالية، على سبيل المثال، عام 2018 أطلق البنك المركزي السعودي "SAMA" مبادرة أطلق عليها اسم " Fintechالسعودية" تهدف لدعم وتعزيز التقنية المالية تماشياً مع رؤية 2030 التي تسعى من خلالها السعودية لإنهاء عصر الاعتماد على النفط كمصدر وحيد للدخل.
كما تشهد المنطقة العربية نمو مشاريع في مجال التكنولوجيا المالية، حيث أطلق مصرف البحرين المركزي (CBB) في العام 2020 منصة FinHub 973، وهي أول منصة افتراضية من نوعها للتكنولوجيا المالية في المنطقة، بالتعاون مع مجلس التنمية الاقتصادية، ومجموعة من البنوك، كما قدمت حكومة دبي إلى هذه الشركات الناشئة الإقليمية والعالمية مسرعات غنية وبيئة حاضنة حيوية، مثل "مسرعة دبي للمدن الذكية"، ومسرّعات "دبي المستقبل"، فضلاً عن مسرّعة "فنتك هايف" التابعة لمركز دبي المالي العالمي. وتُعد هذه المسرّعات بمثابة منصة تجمع بين مختلف أصحاب المصلحة، بما في ذلك المؤسسات المالية والهيئات الحكومية وشركاء التكنولوجيا ورواد الأعمال.
من جهته، يصف رئيس جمعية التكنولوجيا المالية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، نمير خان سوق الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بما يُمكن تسميته بـ"منجم ذهب التكنولوجيا المالية" كونه يمتلك جميع العوامل الصحيحة لسوق مزدهرة.
ومع ذلك، يقول خان إن المنطقة العربية تمثل حالياً 1 في المئة فقط من سوق الاستثمارات في التكنولوجيا المالية العالمية، لكن هذا الرقم من المرجح أن يرتفع في المستقبل القريب، وهو الأمر الذي بدأ بالفعل مع جولات رائدة في مجال التكنولوجيا المالية، مضيفاً: "ستصبح هذه التكنولوجيا جزءاً اساسياً في حياتنا اليومية".
ويشير خان، أن الجائحة أدت إلى تسريع نمو هذا القطاع بسرعة في المنطقة، لا سيما مع البدء باعتماد طرق جديدة للدفع، اذ يُركز ما يقرب من 85 في المئة من شركات التكنولوجيا المالية في المنطقة اليوم على تبسيط المدفوعات حيث يتحول الكثير من الناس حالياً من النقد إلى المعاملات الرقمية ولاستخدام الهواتف المحمولة ورموز QR والمحافظ الرقمية ومنصات التجارة الإلكترونية للحفاظ على التباعد الاجتماعي.
تحديات وصعوبات التكنولوجيا المالية في المنطقة العربية
- الفجوات التنظيمية التي تعيق نمو قطاع التكنولوجيا المالية، بالرغم من العمل المستمر لتطوير الأطر التنظيمية للخدمات المالية الرقمية، ووضع قوانين بشأن إصدار النقود الإلكترونية.
نبض