أشعل دويّ قرار "واتساب" الأخير حول مشاركته بيانات المستخدمين مع الشركة الأم "فايسبوك" فتيله بين مجتمع الخصوصية وخبراء أمن المعلومات، وغذت هذه الشرارة شركات منافسة أطلقت شعاراتها وروّجت لتطبيقاتها كملجأ للقلقين على بياناتهم.
وعلى الرغم من تراجع "واتساب" عن قراره وتأجيله، وإصداره بياناً يشير فيه الى أن خصوصية رسائل المستخدمين لن يتم مشاركتها مع أي طرف، إلا أن النقاش حول مسألة الأمن والخصوصية على التطبيقات عاد للظهور والاحتدام وليطرح أسئلة كثيرة كان العديد من المستخدمين متغافلاً عنها.
وعند مناقشة مسألتَي الخصوصية والأمن في تطبيقات المراسلة، السؤال الأول والأساسي الذي يُطرح اليوم هو: ما مدى الخصوصية التي نحظى بها في عالم الإنترنت، وما أهمية الحفاظ على المعلومات الشخصية وسرية البيانات على تطبيقات كهذه؟
يُعرّف رامز القرا، الاستشاري في أمن المعلومات، المعلومات الشخصية "بأنها إما معلومة واحدة يمكن استخدامها للتعرف على شخص، كاسمه أو رقم هاتفه، أو مجموعة معلومات تستطيع متحدة أن تعرف عن شخص ما، كعنوان السكن والحالة الاجتماعية وعمر شخص الخ... أيضاً الآراء السياسية وأماكن الشخص المفضلة، كلها معلومات شخصية مكملة وهي وإن لم تكن كافية وحدها للتعرف على هوية الشخص، إلا أنها تساعدنا في فهم أهوائه وتوجهاته".
وبحسب القرا، فهذه المعلومات بأنواعها المختلفة هي هدف لمعظم شركات التواصل والمراسلة المجانية كـ"فايسيوك" و"واتساب"، حيث تقوم هذه الشركات بجمع كل المعلومات الممكنة من خلال نشاط المستخدمين على منصتها لمشاركتها مع المعلنين، وذلك حتى يستطيع كل معلن أن يصل الى جمهوره الخاص. على سبيل المثال، تخيل لو أن إعلاناً عن تخفيضات في سعر رحلات الطائرة ظهر لمراهق يبلغ من العمر 11 عاماً، لن يكون هذا الإعلان هادفاً للشركة المعلنة، إذ إنه لا يستهدف الفئة التي تسافر والتي عادة ما يكون عمرها أكبر.
كيفية استخدام هذه الشركات للمعلومات
لا شك بأن الأخبار غير الدقيقة التي تداولها رواد مواقع التواصل حول تحديث "واتساب" الأخير، أدت إلى فهم خاطئ للتحديث، ما جعل عدداً كبيراً منهم يعتقدون أن التحديث سيؤدي لمشاركة رسائلهم وصورهم وأرقام هواتفهم على "واتساب" مع "فايسبوك"، خاصة أن "فايسبوك" لها سجل حافل في قضايا ومشاركة البيانات مع شركات طرف ثالث، وذلك حتى يتم استهداف المستخدمين بأكبر قدر ممكن من الإعلانات الموجهة.
ويشير القرا الى أنه مع وجود شركات عملاقة كـ"فايسيوك" بدأت الناس تقلق من كيفية استخدام هذه الشركات للمعلومات الشخصية، على سبيل المثال، بفضل هذه البيانات، تحليل مزاج الشعوب أصبح أسهل، بحيث بات يمكن لأي سياسي قول ما يرغب الشعب بسماعه حتى لو لم يكن صادقاً، ما سيمكنه بالتأثير على الناس في الانتخابات، مثال آخر، وهو الأكثر قلقاً اليوم، يكمن فيما لو وقعت معلوماتنا الشخصية وأسرارنا ومحادثتنا بيد مقرصن ما! مجرد التفكير في هذا السيناريو مرعباً.
هذه الحوادث، وعلى تكرارها بدأت تخلق وعياً لدى الناس، وهو أمر جيد، بحيث بات بإمكان أي شخص أن يقرر ويفهم ما هي المعلومات التي يريد مشاركتها. ما هو مهم اليوم هو أن المستخدم أصبح لديه الخيار، ويستطيع أن يقرر ما هو الأفضل له. أما بالنسبة للخصوصية المطلقة فهي ممكنة إذا لم نقم بتسجيل أي معلومة خاصة على أي موقع أو منصة، إلا أن هذا الأمر بات صعباً في يومنا هذا.
إجراءات جديدة للحدّ من قدرة المواقع والتطبيقات على الوصول الى البيانات
لا شك بأن معظم الشركات تعرض سياسة الخصوصية الخاصة بها بطريقة معقدة حتى تُصعّب على المستخدم قراءتها، ما يدفعه للموافقة سريعاً. لكن الاهتمام الكبير الذي بدأ يلقاه موضوع خصوصية البيانات مؤخراً، دفع بشركات مثل "أبل" لوضع سياسات جديدة تجبر هذه المنصات على الحصول على موافقة المستخدم قبل أن تخزّن معلوماته الشخصية، وهذا ما أشعل الخلاف مؤخراً بينها وبين "فايسبوك"، أيضاً كان وسبق للاتحاد الأوروبي ان أقر في أيار (مايو) 2018 قانون الحفاظ على المعلومات الشخصية بدون الرجوع للمستخدم (GDPR)، وهذا القانون سيلاحق الشركات التي لا تلتزم به ويحاسبها، ومؤخراً يعمل الاتحاد على إصدار قوانين لتنظيم عمل هذه المنصات.
وفي هذا السياق يقول القرا إن سياسة "أبل" ستزيد بالتأكيد من الصغط على شركات كـ"واتساب" و"ماسنجر" وغيرها، لكن الشركات التي لا تجمع المعلومات الشخصية سيكون لديها تحدٍ آخر، هذا التحدي هو أن زيادة المستخدمين يعني زيادة التكلفة، كما أنه يعني زيادة الصغوط المالية. ويعتقد القرا أن المستخدم سيكون أمام خيارين: إما أن يدفع ماله مقابل خدمة التراسل أو يدفع بمعلوماته الشخصية وهذا القرار يعود له.
في المحصلة، قد تؤدي مشاركة بياناتك إلى تحقيق فوائد، وغالباً ما يكون من الضروري مشاركتها للتفاعل مع الأشخاص الآخرين في مجتمع اليوم، لكن هذا لا يخلو من المخاطر، فبياناتك الشخصية يمكن أن تكشف الكثير عنك وعن أفكارك وحياتك، وهذا ما يُسهّل استغلالها بسهولة لإيذائك، الأمر الذي يُشكل خطراً على الأفراد والمجتمعات. في الاتحاد الأوروبي، باتت حماية البيانات الشخصية تُعتبر حقاً أساسياً، أما في عالمنا العربي فما يزال هذا الحق بعيداً كل البعد عن حياتنا اليومية، لذا في المرحلة المقبلة لا يمكننا إلا أن نعتمد على وعينا الخاص لبناء ضمانات قوية وملموسة في حماية بياناتنا.
نبض