كان ألبرت أينشتاين على علاقة إشكاليّة مع ميكانيكا الكمّ. توضح بولا فيريرا من موقع "زد أم إي" طبيعة تلك العلاقة وأسبابها. تكتب أنّ ميكانيكا الكمّ معقّدة في أكثر من جانب. هي ليست كذلك فقط على مستوى الرياضيّات بل هي أيضاً صعبة التفسير على مستوى آثارها. كما أنّها أيضاً حقل خاضع للجدل. وعلى الرغم من دعم ألمع العقول في الفيزياء المعاصرة لميكانيكا الكمّ، كان أينشتاين أحد أبرز نقّادها.
الطبيعة الحتميّة
حين تؤسّس نظريّة لصلة مباشرة بين السبب والنتيجة، تكون النظريّة حتميّة. قوانين نيوتن حتميّة، حيث بالإمكان وصف حركة الأشياء عبرها. هي نظريّة بسيطة، العلاقة الرياضيّة للقوّة الثقاليّة بين جسمين يمكن أن تخبر المراقبين بموقع القمر في السماء. لكنّ الحتميّة ليست مرادفاً للدقّة. ثمة حاجة لظرف أوّليّ مثاليّ للحصول على التوقّع الدقيق من النظريّة. توقّع الطقس بدقّة ليوم غد يحتاج إلى وصف دقيق للغلاف الجوّي في كلّ ميلليمتر من الكوكب، وهذا هو الظرف الأوّليّ المثاليّ. من دون ذلك، يصبح النموذج مفيداً لفترة زمنيّة محدّدة فقط، وبعدها تهيمن الفوضى على التوقّع. يرى معظم علماء الفيزياء أنّ نظريّة النسبيّة لأينشتاين، حتميّة بالكامل. لكنّ ميكانيكا الكمّ ليست كذلك.
العشوائيّة في الطبيعة
ينصّ مبدأ اللايقين لفيرنر هايزنبرغ على أنّه يستحيل معرفة موقع وسرعة الجسيم بدقة تصل إلى 100 في المئة. كلّما علمتم عن موقع جسيم، قلّ علمكم بسرعته، وبالعكس. هذا يعني أنّ جسيماً يحتلّ مزيجاً من مواقع و/أو سرعات محتملة، ويتمّ التعبير عن هذا المزيج بدالّة موجيّة – وهي تعبير رياضيّ يصف احتمال العثور على جسيم في منطقة معيّنة من الفضاء. بالتالي، لا يتمتّع جسيم بتمثيل رياضيّ دقيق، وحتى إذا كنتم تعلمون أيّ شيء عن نظام، فأنتم لا تستطيعون توقّع كلّ شيء عنه في ميكانيكا الكمّ.
كان هذا صادماً للطبيعة الحتميّة لميكانيكا الكم وكان أينشتاين أحد النقّاد الأساسيّين لذلك. تدمّر عشوائيّة الموجة فكرة عالم حتميّ بشكل مثاليّ، ممّا دفع أينشتاين إلى رفض ميكانيكا الكمّ. لكنّ السبب كان أكثر تفصيليّة من مجرّد رفض قاطع خصوصاً أنّ أينشتاين فاز بجائزة نوبل لوصفه التأثير الكهروضوئيّ، وهو ظاهرة أدّت أساساً إلى تطوير ميكانيكا الكم. علاوة على ذلك، لم يكن بإمكان أينشتاين تجاهل البيانات الاختباريّة التي دعمت وجود ميكانيكا الكم. ما قصده هو أنّ ميكانيكا الكم يمكن أن تكون صحيحة من الناحية التجريبيّة، لكنّ النظريّة الكامنة وراءها ليست شاملة والقواعد التي تحكم الطبيعة الكمّيّة لمّا تُكتشف بعد. بالنسبة إلى أينشتاين، كان هناك شيء مخفيّ يتحكّم بمبادئ ميكانيكا الكم.
عدم الاكتمال
استند أينشتاين وعلماء آخرون في انتقادهم على فهمهم لفيزياء الزمن. لقد شكّكوا في ما إذا كانت ميكانيكا الكم تقدّم أجوبة صحيحة وفي ما إذا كانت نظرية مكتملة. كانت التجارب تظهر أنّ النظريّة صحيحة في بعض الجوانب، لكنّ كونها نظرية مكتملة مسألة أخرى. تربط هكذا نظريّة جميع الكمّيّات الفيزيائيّة ببعض العمليّات الفيزيائيّة. على سبيل المثال، إنّ الكمّيّة النظريّة لحرارة جسم هي طاقته، الكمّيّة الحقيقيّة هي حرارته. في ميكانيكا الكم، يمنع مبدأ اللايقين هذا الارتباط غير المباشر بين الجانبين. لكنّ الأمر يزداد غرابة.
التشابك
تخيّلوا طاهياً يضع كريمة تزيينيّة على قطعتين من كيك الزنجبيل. ستحصل واحدة على كريمة حمراء وأخرى على كريما خضراء. يتمّ تحضيرهما في فرنين منفصلين، ولا يمكن للقطعة أن تكون حمراء أو خضراء إلّا بعد إخراجها من الفرن. يحصل طفلان، أليس وبوب، على قطعة كيك واحدة لكلّ منهما. بمجرّد أن نعلم أنّ أليس حصلت على القطعة ذات الكريمة الخضراء، نعلم بطريقة آليّة أنّ قطعة بوب عليها الكريمة الحمراء.
يستند التشبيه إلى تجربة فكريّة اقترحها ديفيد بوم وقطعتا الكيك هما تشبيه بخصائص ذرّيّة، بالتحديد المغزليّة الكمّيّة. المغزليّة الكمّيّة (quantum spin) هي أحد نوعي الزخم الزاوي (angular momentum) وهي خاصّيّة تُحفظ عندما يضمحلّ جسيم إلى جسيمات أخرى أصغر. لذلك، على سبيل المثال، إذا اضمحلّ جسيم بصفر مغزليّة، يمكن أن ينتهي الأمر عند جسيمين، واحد بنصف مغزليّة وآخر بنصف سالب منها، حيث يشكّلان معاً صفراً. في هذا المثل، يتمّ قياس الجسيمات المضمحلّة من قبل مراقبين. في مثل المطبخ، أليس وبوب هما راصدان والجسيمان هما قطعتا الكيك والاضمحلال هو التحميص.
لأنّنا نعلم أنّ المغزليّة محفوظة، يساوي جمع المغزليّتين صفراً، أي المغزليّة الأساسيّة. بالتالي، قبل أن يقيس بوب الجسيم الثاني، تعلم أليس بشكل آليّ النتيجة. يبدو هذا منتهكاً للمبدأ الأساسيّ للنسبيّة: لا يمكن نقل معلومة بأسرع من سرعة الضوء. علاوة على ذلك، ومن وجهة نظر حتميّة، يجب ألّا يكون هنالك اعتماد في قياس موضوع على قياس موضوع آخر. ناقش بوم الفكرة قبل أن يعطي إرفين شرودينغر عنوانها الشهير ‘التشابك‘ (entanglement).
كان الجسيمان متشابكين. وهذا يعني أنّ المعرفة عن أحدهما تؤثّر فوراً على قياس الآخر. كان أينشتاين مرتاباً جداً من مفهوم التشابك إلى درجة أنّه وصفه بـ"الفعل الشبحيّ عن بعد".
اُصمُت واحسُب
وافق نيلز بور وعلماء فيزياء آخرون على تفسير كوبنهاغن لميكانيكا الكم. انسوا كلّ هذا واقبلوا ببساطة نتائج ميكانيكا الكم. وفقاً لهذا التفسير، إنّ جسيماً كمّيّاً لا يوجد في حالة أو في أخرى، هو يوجد في جميع الحالات الممكنة في الوقت نفسه، وفقط حين تراقبه "يُجبَر" على أن يكون في حالة ثابتة. على سبيل المثال، وضمن هذا التفسير، إنّ السرعة والموقع هما ببساطة خصائص مكمّلة – عندما تقيس واحدة تستثني معرفتك بالأخرى. والأسوأ من ذلك، يرجع واقع أنّنا نعلم النتائج الحقيقيّة التي جمعها بوب وأليس إلى أنّه تمّ قياسها. ليس ممكناً قول ما هو الواقع من دون قياس. كيف يمكننا تأكيد أنّ ميكانيكا الكمّ غير كاملة إذا كانت العلوم مبنيّة على الاختبارات؟
أخيراً، قد لا تكون ميكانيكا الكمّ الرواية النهائيّة بحسب الكاتبة. من المحتمل جداً أن تكون غير كاملة وعاجزة لغاية اليوم عن تفسير كلّ شيء، لكنّ حقيقة أنّها لا تزال نظريّة ناجحة بالرغم من كلّ الانتقادات على مدى نصف قرن تظهر مدى التعقيد الذي أصبحت عليه الفيزياء المعاصرة. أمّا بالنسبة إلى أينشتاين، فمعارضته لميكانيكا الكم معروفة جداً لكنّها في الغالب خضعت لسوء تمثيل. بتقديره، ميكانيكا الكم جيّدة في تفسير بعض الظواهر، لكنّها فضفاضة إلى درجة افتقارها لبعض الجوانب الأساسية من الفيزياء الشاملة. في نهاية المطاف، الفيزياء المعاصرة ليست شيئاً لولا تعقيدها.
نبض