أدخل العالِم ألبرت أينشتاين ثورة في فهمنا للكون. لا تزال هذه الثورة تذهل البشر وتنجح في اجتياز جميع الاختبارات بعد أكثر من 100 عام على ابتكاره نظريّتي النسبيّة الخاصّة والعامّة. يتشابك هذا النجاح مع هالة طبيعية أعطيت للعالِم لجهة ذكائه. وللبشر فضول يكاد لا ينتهي لمعرفة معدّل (أو حاصل) الذكاء (IQ) للعالِم الألمانيّ. فأيّ رقم يسجّله أينشتاين؟
يقدّم موقع "زد أم إي ساينس" معلومات لافتة في هذا الإطار. يُرجع التقرير الفضل إلى عالم النفس الفرنسي ألفريد بينيه في ابتكار الاختبارات النوعيّة الأولى المصمّمة لقياس تنوع الذكاء البشري. مع زميله تيودور سيمون، ابتكر الرجلان سنة 1905 اختبار بينيه-سيمون الذي ركّز على القدرات اللفظيّة وكان مصمّماً لقياس "التخلّف العقليّ" بين أطفال المدارس. بمرور الوقت، أضاف الباحثان أيضاً أسئلة تقيس الانتباه والذاكرة ومهارات حلّ المشاكل.
سنة 1916، قامت جامعة ستانفورد بترجمة الاختبار وتوحيد معاييره مستخدمة عيّنة من الطلّاب الأميركيين. يُعرف هذا الاختبار باسم مقياس ستانفورد-بينيه للذكاء، وسيستمرّ هذا الاختبار لعقود من الزمن في تحديد القدرات العقليّة لملايين الأشخاص حول العالم.
تطوير
استخدم اختبار ذكاء ستانفورد-بينيه رقماً واحداً، يُعرف باسم معدّل الذكاء (أو IQ)، لتمثيل قدرة الفرد في الاختبار. تم احتساب هذه النتيجة عن طريق قسمة العمر العقليّ للشخص، كما يتّضح من خلال الاختبار، على العمر الزمنيّ، ثم ضرب النتيجة بـ 100. على سبيل المثال، الطفل الذي يبلغ عمره الزمنيّ 12 عاماً وعمره العقليّ 15 سيكون لديه حاصل ذكاء قدره 125.
أضاف التقرير أنّ اختبار الذكاء الأكثر استخداماً اليوم هو أحد أشكال مقياس وكسلر لذكاء الراشدين Wechsler Adult Intelligence Scale (WAIS) (نسبة إلى عالم النفس الأميركي الروماني ديفيد وكسلر). تم إجراء المراجعة الأخيرة للاختبار، والمعروفة باسم WAIS-IV، عبر عشرة اختبارات فرعيّة وخمسة اختبارات تكميلية، والتي تسجل الفرد في أربعة مجالات رئيسيّة للذكاء: مقياس الفهم اللفظيّ، ومقياس المنطق الإدراكيّ، ومقياس الذاكرة العاملة ومقياس سرعة المعالجة. يتمّ دمج درجات المؤشرات الأربعة في درجة معدّل الذكاء الكامل، أو ما يعرفه الناس عموماً على أنّه "درجة معدّل الذكاء".
ماذا لو لم يخضع لاختبار رسميّ؟
على الرغم من أنّ أينشتاين كان على قيد الحياة عندما بدأ اختبار ستانفورد-بينيه في المدارس والجامعات الأميركيّة، لم يخضع العالِم لمثل هذا الاختبار.
ولكن مع تراكم الأدلّة على أنّ درجات معدل الذكاء تتنبأ بالنجاح في جميع مجالات الحياة، مثل العلاقات الرومانسيّة والوظيفة والوضع الاجتماعي والاقتصادي والصحة ومتوسط العمر المتوقع، وجد علماء النفس أنّه من المفيد ابتكار طرق وأدوات تسمح لهم بقياس معدل ذكاء الشخص من دون اختبار رسميّ. يمكن أن ينجح هذا فقط مع الشخصيات العامة التي تركت سجلاً واسعاً لسلوكها أو خطاباتها أو أعمالها الأكاديمية.
في الواقع، ثمة تقديرات لمعدل ذكاء مئات الشخصيات التاريخية، مثل تشارلز ديكنز وغاليليو غاليلي ولودفيج فان بيتهوفن، وتستند كلّها إلى سجلّات سمات الشباب وتقييمات الآخرين لحياتهم وروتينهم وطريقة تفكيرهم وإنجازاتهم.
قدرات أينشتاين خلال المراهقة
يشير جوناثان واي، الأستاذ المساعد لسياسة التعليم وعلم النفس في جامعة أركنساس، إلى تجربة أينشتاين الفكريّة الشهيرة والتي تخيّل فيها صوريّاً مطاردة شعاع ضوئيّ (ممّا أدى في النهاية إلى صياغته للنسبية الخاصة)، كتأكيد لمعدّل ذكاء مرتفع. بحسب سيرة أينشتاين الذاتية، كانت تجربته الفكريّة التي ابتكرها في سن 16 عاماً على الشكل التالي:
"... مفارقة كنتُ قد أصطدمتُ بها بالفعل في سن السادسة عشرة: إذا تابعتُ شعاعاً من الضوء بسرعة س (سرعة الضوء في الفراغ)، يجب أن ألاحظ مثل هذا الشعاع من الضوء كمجال كهرومغناطيسيّ في حالة سكون على الرغم من التأرجح المكانيّ. مع ذلك، يبدو أنّه لا يوجد شيء من هذا القبيل، لا على أساس التجربة ولا بحسب معادلات ماكسويل. منذ البداية المبكرة، بدا لي واضحاً بشكل حدسيّ أنه، بحسب الحكم من منظور مراقب كهذا، يجب أن يحدث كلّ شيء وفقاً لنفس القوانين المطبّقة على المراقب الذي، بالنسبة إلى الأرض، هو في حالة ساكنة. فكيف يجب أن يعرف المراقب الأول أو يكون قادراً على تحديد أنّه في حالة حركة منتظمة سريعة؟ يرى المرء في هذه المفارقة أنّ بذرة نظريّة النسبيّة الخاصة قد تم احتواؤها بالفعل".
وخلص أينشتاين لاحقاً إلى أنّه "يعلم الجميع اليوم، بالطبع، أنّ كلّ المحاولات لتوضيح هذه المفارقة بشكل مرضٍ محكوم عليها بالفشل طالما أنّ بديهيّة الطابع المطلق للوقت، أو التزامن، كانت متجذّرة في اللاوعي بطريقة غير معترف بها. إنّ التعرّف بوضوح إلى هذه البديهيّة وطابعها التعسفي يعني ضمناً أساسيّات حلّ المشكلة بالفعل".
ما هو معدّل ذكائه؟ نريد رقماً
يقول واي على وجه الخصوص إنّ أينشتاين كان سيحرز درجات عالية جداً في اختبارات التفكير المكانيّ. لقد أظهر تشريح دماغ أينشتاين أنّ لديه منطقة دماغيّة أكبر بكثير مسؤولة عن التصوّر الثلاثيّ الأبعاد، الأمر الذي يدعم هذا التقييم. ويضيف أنّ الناس الذين يحصلون على درجة دكتوراه في مجالات كالفيزياء أو الرياضيّات "يميلون إلى التمتّع بمعدّلات ذكاء مرتفعة للغاية... مزيج من القدرة على التحليل الرياضيّ واللفظيّ والمكانيّ".
وفقًا لتصنيف 2017 لأفضل التخصّصات الجامعيّة في الولايات المتحدة بحسب معدّل الذكاء، احتلّت الفيزياء وعلم الفلك المرتبة الأولى بمتوسّط نتيجة 133. لذلك، قد يتوقّع المرء أن يسجّل أينشتاين هذه الدرجة العالية بالحدّ الأدنى.
كنقطة مرجعيّة، يعتبر معدّل ذكاء ضمن نطاق 120-140 "ذكاء متفوقاً للغاية"، و110-119 "ذكاء متفوقاً" و90-109 "ذكاء عاديّاً أو متوسّطاً". ويعني معدل ذكاء يزيد عن 145 أن لديك مستوى ذكاء "عبقري".
وفقاً لتقديرات من خلال بيانات السيرة الذاتية، تم تقدير معدل الذكاء لألبرت أينشتاين في نطاق يراوح بين 160 و180. من شأن ذلك أن يضع الفيزيائيّ بقوة في منطقة العبقرية. ومع ذلك، لن يكون بالضبط من بين الحشود التي سجلّت أعلى الدرجات.
تفوّق على أينشتاين... هذه هي حدود المعدّل
وفقاً للبعض، كان لدى عالم الرياضيّات ويليام جيمس سيديس (1898-1944) أعلى معدل ذكاء على الإطلاق ويقدّر بما بين 250 و300. كان الطفل معجزة حقيقيّة، فقد كان يستطيع قراءة اللغة الإنجليزيّة عندما كان في الثانية من عمره والكتابة بالفرنسيّة في سن الرابعة. في الثانية من عمره، بالكاد استطاع أينشتاين بالكاد أن ينطق ببضع كلمات، الأمر الذي جعل والديه قلقين من أنه قد يصبح أحمق عندما يكبر.

ويليام سيدس في حفل تخرجه من هارفارد سنة 1914 (ويكيبيديا)
ولكن بينما انهار سيديس واحترق بعد صعوده السريع، حيث أنّه أمضى ما تبقى من حياته البالغة مع وظائف متواضعة، استمرّ أينشتاين في إحداث ثورة في الفيزياء من خلال نظريّته عن النسبية العامة.
أضاف الموقع أنّه لا يمكن التشكيك في ذكاء أينشتاين بالتأكيد، لكنّ هذا المثل البسيط يظهر أنّ معدّلات الذكاء المرتفعة بشكل استثنائيّ وحتى القياسيّة لا تضمن تميّزاً واعترافاً على نطاق عالميّ. لم يكن أينشتاين معروفاً بذكائه الحادّ وحسب، بل أيضاً بفضوله وابتكاره وقدرته على التفكير خارج الصندوق. إنّ إرث أينشتاين الحقيقيّ ليس وفقط معدّل ذكائه بل مساهماته العلميّة والإنسانيّة.
نبض