نجحت مواقع التواصل الاجتماعي في حجز مكانة بارزة لا بل اساسية في الساحة الإعلامية، اذ أصبحت هذه المواقع بمثابة الإعلام الحديث الذي تستفيد منه كافة وسائل الإعلام التقليدية او الرقمية لإطلاع جمهورها على كل ما يجري في العالم.
غير أن هذه العلاقة الطردية بين مواقع التواصل ووسائل الإعلام، تحولت مع الوقت لتصبح علاقة هيمنة وقوة من قبل الأولى على الثانية. وتتجلى سيطرة مواقع التواصل الاجتماعي على الساحة الإعلامية بشكل واضح، خصوصاً بعد الأزمة الأخيرة التي شهدتها منصتا فايسبوك وغوغل مع الحكومة الأسترالية في أعقاب الخلاف بين الشركتين من جهة ووسائل الإعلام الأسترالية من جهة أخرى حول مشاركاتهما للمقالات على منصاتهما، من دون أي مقابل مادي لقاء هذا المحتوى.
وبعد أشهر من المعركة الكبيرة التي خاضتها أستراليا نيابة عن العالم، نتيجة تعنت فايسبوك تحديداً، تمكنت كانيبرا من الوصول الى اتفاق مع العملاقين يقضي بالتزامهما بقانون يحضهم على دفع مبالغ مالية لناشري الأخبار والمؤسسات الإعلامية مقابل المحتوى، وإلا فلن يتمكنوا من الاستمرار في تقديم الخدمات في البلاد.
قوة وهيمنة فايسبوك
لا شك في أن هذه القضية، أظهرت جلياً مدى قوة غوغل وفايسبوك في هيمنتهما على المحتوى الإخباري في العالم. فعلى الرغم من خضوع غوغل الفوري للقانون، إلا أن فايسبوك اتخذ قراراً مفاجئاً يوم الأربعاء 18 شباط (فبراير) 2021، يقضي بعدم السماح للناشرين والمستخدمين في أستراليا بمشاركة الأخبار أو عرضها على منصته.
فايسبوك حاول بالفعل أن يظهر القوة والهيمنة التي يمارسها وهو ما قام به، اذ أعاد، بعد هذه الخطوة، التوصل لاتفاق مع الحكومة الأسترالية وفقاً لمصالحه عبر الموافقة على الدفع للشركات والمؤسسات الإعلامية من دون تحديد رقم معين او المستفيدين من هذا الاتفاق، ومقابل ألا تكون هناك عقوبات على الشركة في أستراليا.
وبحسب فادي رمزي، مستشار الإعلام الرقمي، فهذه الخطوة جاءت لصالح فايسبوك الذي تمكن من فرض سيطرته وهيمنته في هذا الموقف. وهذا ما يؤكد أن المشكلة بين فايسبوك والحكومة الأسترالية لم تكن مشكلة مالية على الإطلاق، بل كانت بهدف السيطرة فقط، والدليل على ذلك أن فايسبوك قد دفع في السابق ملايين الدولارات كي يحصل على المحتوى الإخباري بعد إطلاقه خدمة الـ "News Tab".
منافسة محتدمة
بحسب تقرير "رويترز" للمبادرات الإعلامية 2021، يبدو أننا اليوم أمام منافسة شرسة بين ثلاث منصات إعلامية هي: فايسبوك "News Tab"، وغوغل " News ShowCase" وآبل " News Plus"، من جهة وبين الإعلام المطبوع من جهة أخرى.
وفي حين تدفع هذه المنصات مبالغ طائلة للناشرين من أجل الحصول على المحتوى الإخباري ونشره على منصاتها، نرى في المقابل تراجعاً ملحوظاً في دور الإعلام المطبوع او التقليدي، إذ لعبت جائحة كورونا دوراً كبيراً في هذا التراجع نتيجة الإغلاقات العامة وبقاء الناس في منازلها لفترات طويلة من دون أي إمكانية للحصول على جرائد أو ما شابه.
في المقابل، ازداد استخدام الإنترنت والوسائل الالكترونية الأمر الذي ساهم بتعزيز الإعلام الرقمي بأشكاله المختلفة وهو ما أدى الى ارتفاع هيمنة وقوة هذه الشركات العملاقة مثل فايسبوك لأن الإقبال على قراءة الأخبار الإلكترونية على موقعها إزداد بشكل كبير في مقابل انخفاض ملحوظ للقراء في الوسائل المطبوعة، وهو ما دفع بهذه الوسائل للطلب من حكوماتها إجراء تعديلات وإقرار قوانين تنظم عمل هذه المنصات بشكل يضمن استفادتها منهم.
ووفقاً لرمزي، علاقة شركة "فايسبوك" بالإعلام اليوم عبارة عن "حب وكراهية" في آنٍ، "نحن نحب بعضنا البعض ولكننا نختلف أيضاً"، كون فايسبوك يحاول في معظم الأوقات أن يحقق أمرين في تعامله مع الإعلام هما السيطرة والهيمنة والقوة من ناحية والأرباح من ناحية أخرى.
ويضيف: "فايسبوك ذكي في تعامله مع الإعلام، فهو يقوم بالكثير من المبادرات من أجل كسب الإعلام وأن يظهر كمنصة داعمة له وهذا ما أشير اليه في تقرير رويترز عن الجهات الداعمة للإعلام وكانت شركة غوغل في المقدمة بنسبة 59 في المئة يليها فايسبوك الذي يقوم بالكثير من المبادرات مثل مشروع Facebook Journalism الذي يقدم دعماً مادياً للمؤسسات الإعلامية والشركات الناشئة في الإعلام بالإضافة الى برامج تدريب. لذلك نشدد على علاقة الحب بين الإعلام وفايسبوك فهو يساعد الإعلام ويدعمه من أجل الحصول على المحتوى والحصول على الأرباح وإذا اختلّت هذه العلاقة بين الطرفين قد يحصل نزاع كما حصل بين فايسبوك والحكومة الأسترالية".
بعد أستراليا فايسبوك أمام معارك أخرى
ولكن ما هو ملاحظ أن الجميع متفق على كبح قوة وهيمنة هذه المنصات، فبحسب رئيس وزراء أستراليا: "شركات التكنولوجيا الكبرى ربما تغير العالم، لكن هذا لا يعني أن عليها إدارتها. هذه الإجراءات التي اتخذتها أستراليا تؤكد المخاوف من أن عدداً متزايداً من البلدان يعبر عن سلوك شركات التكنولوجيا الكبرى التي تعتقد أنها أكبر من الحكومات، وأن القواعد يجب ألا تنطبق عليها".
ويبدو أن العديد من الدول لا سيما الاتحاد الأوروبي، يتعامل مع كل من غوغل وفايسبوك بأسلوب الحكومة الأسترالية ذاته، إذ تبرز أخيراً العديد من القضايا الخلافية بين الإتحاد والموقع الأزرق حول انتهاك الأخير للخصوصيات وكيفية عرض المحتوى على منصته، لا بل إن عملاق التواصل مهدد بدفع غرامات مالية باهظة للغاية إذا لم يقم بالتعامل مع المحتوى غير القانوني، والكشف عن مزيد من المعلومات حول الأعمال الإعلانية على منصاته بموجب مسودة قانون الخدمات الرقمية.
وتأتي خطوة المفوضية الأوروبية هذه لفرض قواعد جديدة على هذه المنصات تمنعها من أن تمثل خطراً على الحكومات، إذ يتم تقديم قانون الخدمات الرقمية، كطريقة لإعطاء المفوضية نفوذاً أكبر في ملاحقة عمالقة منصات التواصل الاجتماعي، عندما تسمح بنشر محتويات غير قانونية على الإنترنت.
ويشير رمزي هنا الى أن كل ما يحصل هو صراع من أجل الهيمنة والقوة بين الحكومات والمنصات، مع اعتقاده أن الحكومات في الاتحاد الأوروبي ستكون قادرة على فرض سيطرتها في هذا الموضوع.
ماذا عن الوطن العربي
أما في ما يخص الوطن العربي وعلاقته بهذه المنصات فيبدو أنه بعيد كل البُعد من العداء معها، فبحسب رمزي الوسائل الإعلامية كافة، وفي المنطقة العربية على وجه التحديد، تعتمد بشكل رئيسي على فايسبوك وتليها غوغل بحيث تقوم هذه المؤسسات بالحصول على زوار لمواقعها من خلال فايسبوك وفي المقابل يحقق فايسبوك اربحاً طائلة وهنا يمكن تشبيه هذه العلاقة بعلاقة الحب المستقرة ولا يوجد أي تضارب للمصالح بين الطرفين او حتى أي نظرة لهيمنة فايسبوك على تلك المؤسسات كما يحصل في أوروبا وأستراليا، فنحن كجهات إعلامية وشركات تسويق نعلم بسيطرة فايسبوك علينا إلا أننا ما زلنا نسير معه من دون أي مشكلة.
نبض