حاول الإنسان ترويض الحمار الوحشيّ. لكن باستثناء حالات نادرة، انتهت تلك المحاولات بالفشل. كما يقول الصحافي والمؤسس المشارك لموقع "زد أم إي ساينس" تيبي بويو، الحُمر الوحشية هي أكثر من مجرّد أحصنة ذات خطوط بحسب ما سيكتشفه المستعمرون الأوروبّيّون عقب عدد لا يحصى من المحاولات الفاشلة لترويضها.
تظهر بعض الصور عدداً قليلاً من الحمر الوحشيّة وهي تجرّ مركبات أو تحمل أشخاصاً بين القرنين الثامن والتاسع عشر. لكن ثبت أنّ هذا الأمر يتطلب الكثير من الجهد وبالتالي تمّ التخلّي عن تسخير الحمر الوحشيّة للعمل بجانب البشر.
مثل الخيول والحمير، تنتمي الحمر الوحشيّة إلى عائلة الخيليّات Equidae لدرجة أنّه يمكنها التزاوج وتشكيل أنواع هجينة مثل الزونكي (ثمرة تزاوج حمار وحشي وأتان) والزورس أو الحصان المزرد (حمار وحشي وفرس) والزوني (حمار وحشي ومهر).
لكن لماذا قاومت الحمر الوحشيّة الخضوع للإنسان بعكس أنسبائها؟ ففي نهاية المطاف، موطن الحمر الوحشية هو أفريقيا، مهد البشريّة. بحسب الكاتب، قد يرتبط الأمر بالانتقاء الطبيعيّ. انفصلت الخيول والحمر الوحشيّة عن سلف مشترك منذ نحو 4 إلى 4.7 مليون سنة وقد أصبح كل نوع متكيّفاً مع بيئته الخاصة.
تمّ الاحتفاظ بقطعان الخيول البرّيّة في أميركا الشماليّة وأوروبا كطعام، لكنّها أصبحت لاحقاً معتادة على البشر. بعد ظهور الزراعة منذ نحو 12 ألف عام، أثبتت الخيول جدواها في النقل والحرب الأمر الذي دفع البشر إلى استثمار الوقت والجهد لترويضها عبر الاستيلاد الانتقائيّ للحيوانات الأكثر وداعة.
لكن بعكس الخيول البرّيّة، كان للحمر الوحشيّة في السافانا الأفريقيّة المفتوحة مفترسون أكثر بكثير لتقلق بشأنهم من بينها الأسود الشرسة والفهود السريعة والضباع الماكرة. لذلك، جعل الانتقاء الطبيعيّ من الحمر الوحشيّة حيوانات سريعة في ردّ الفعل وجاهزة للقفز عند أدنى إشارة خطر. الحمر الوحشيّة مشاكسة وستقاوم بشدّة وقوعها في الأسر.
تمكّنت بعض الحمر الوحشيّة من قتل أسود مهاجمة، بواسطة ركلة خلفيّة واحدة. وهي ليست أقلّ إثارة للتهديد من الأمام إذ تشتهر بعضّة وحشيّة. وللحمر الوحشيّة ردّ فعل غريزيّ للهرب ممّا يعرقل بشدّة القبض عليها بواسطة الوهق أو أيّ وسيلة أخرى. أخيراً ليس للحمر الوحشيّة أي بنية عائليّة أو تسلسل هرميّ بعكس الخيول البرّيّة التي تعيش في قطعان وتتمتّع بترتيب منظّم.
أضاف الكاتب أنّ الناس أدركوا سريعاً هذه السمات غير الودودة إلى حدّ بعيد، مع ذلك حاولوا تسخير تلك الحيوانات. على سبيل المثال، اشتهر عالم الحيوانات في العصر الفيكتوريّ اللورد والتر روتشيلد بقيادة عربة تجرّها الحمر الوحشيّة إلى قصر باكنغهام. لاحقاً، وفي أوائل القرن العشرين، قيل إن روسندو ريبيرو، أول طبيب في نيروبي، كان يزور المنازل على ظهر حمار وحشيّ. وكان الجيش الألمانيّ في مستعمراته ضمن أفريقيا الشرقيّة مهتمّاً بشكل خاص بترويض الحمر الوحشيّة بدلاً من الخيول. حتى أنّهم طبّقوا برنامجاً لتزويج الحمر الوحشيّة بالخيول لتوليد كائنات هجينة تقاوم الأمراض التي قضت على الأحصنة المستوردة.
لكن هذه مجرّد أمثلة ضئيلة. أثبتت الحمر الوحشيّة عموماً أنّها عنيدة جداً أمام الترويض بالرغم من أفضل جهود المستعمرين الأوروبّيّين في أفريقيا. حتى الجهود الحديثة أثبتت عدم جدواها إلى حد ما. في 2013، درّبت المراهقة شيا إيمان حماراً وحشيّاً لتمتطيه. بعد شهر من الصبر والتدريب المقترن بمكافآت، تمكّنت من امتطاء الحمار الوحشي مع أنها قالت: "في بعض الأيام يبدو أنّه تم امتطاؤه طوال 30 عاماً وفي أيام أخرى يتصرّف كأنّه لم يرَ قط كائناً بشريّاً".
إذاً، بالرغم من مظهرها الشبيه بمظهر الخيول، ختم بويو، لن تخضع الحمر الوحشيّة للإنسان. هي تحبّ أن تعيش بحسب مقصد الطبيعة: دائماً وفق شروطها الخاصة.
نبض