اقترح ريمون شوبينسكي في مجلّة "أسترونومي" ما اعتبره أفضل عشرة كتب عنيت على مرّ التاريخ بدراسة علم الفلك. صحيح أنّ البعض منها ثبت خطؤه بمرور الزمن كما أشار إلى ذلك شوبينسكي لكن يبقى أنّها جميعها حفّزت المخيّلة البشريّة كما العلوم الطبيعيّة على استكشاف المزيد من الحقائق التي تساعد البشر على فهم الكون الذي يعيشون فيه.
البداية مع أرسطو
"عن السماوات". كتبه أرسطو منذ نحو 2400 عام وهو ربّما أكثر كتب علم الفلك تأثيراً في التاريخ. تنبع الأهمّية المتواصلة لذلك العمل من أهمّيّته التاريخيّة بالنسبة إلى الكنيسة الكاثوليكيّة. تمّ تبني عمل أرسطو على أنّه وصف حقيقيّ لخلق الله المرتبط بنص الكتاب المقدس. فصلُ الأرض الفاسدة عن السماء الكاملة ووصفُ الكون المتمركز حول الأرض توافق مع تعليم الكنيسة. في ذلك الزمن، وفّر الكتاب أجوبة مقنعة عن عالم ما قبل اختراع المقراب وقد أثّر حتى على الأحداث التاريخيّة التي ستأتي لاحقاً. على سبيل المثال، استخدم كريستوفر كولومبوس الكتاب كإلهام لرحلاته. في نهاية المطاف، تم إثبات أنّ كل شيء فيه كان خاطئاً. لكنّ الكاتاب الذي لا يزال يطبع يقدّم رؤية مذهلة للتطور الفلكي.
بداية التحوّل
جاءت مع كتاب "حول دوران الأجرام السماويّة" لنيكولوس كوبرنيكوس (1543). أثار الكتاب تغيّراً بطيئاً في المواقف من الكون المتمركز حول الأرض الذي رسمه أرسطو. كوبرنيكوس الذي كان إكليريكيّاً في الكنيسة الكاثوليكية عمل على الكتاب لسنوات لكنّه كان متردّداً في نشره خوفاً من ردة الفعل السلبيّة. وأدرك أيضاً أنّ فرضيّته لكون مركزه الشمس لم تحلّ جميع مشاكل المراقبة لنظام مركزه الأرض. قال الكاتب آرثر كوستلر إنه لم يكن هناك اهتمام كبير بكتاب كوبرنيكوس ولم يقرأ أحد تقريباً العمل المنشور في 1543.
يعود هذا جزئياً إلى أن الكتاب مليء بالرسوم التخطيطيّة والجداول حتى أنّ قراءة ترجمة إنكليزيّة جيدة له ليست سهلة. لكنّ مؤرّخ العلوم أوين غينغيريش وجد أنّ نسخ الكتاب تتمتع بملاحظات وفيرة مما يعني أنّها درست عن كثب. في نهاية المطاف، نشأ ما يكفي من الجدل حتى وضعته الكنيسة على مؤشر الكتب الممنوعة إلى أن تمّ رفعه سنة 1758.
الذهول ثمّ التحدّي... أزيح أرسطو
كتب غاليليو غاليلي "رسالة فلكيّة" سنة 1610. تحدّى الكتاب علم الفلك وغيّره للأبد. بعدما بنى غاليلي أوّل مقراب سنة 1609، وجّه الجهاز الجديد سريعاً إلى السماء وقد أصيب بالذهول بفعل ما رآه. وبعدما علم أنّ آخرين كانوا يدوّنون ملاحظاتهم بالتلسكوبات، سارع إلى نشر "رسالة فلكية" في آذار 1610. لقد كشف عن كون أكثر تعقيداً مما تخيّله أي أحد وكانت بالتأكيد الشمس مركزه. ذهب كتاب غاليليو أبعد بكثير من العمل النظريّ لكوبرنيكوس موفّراً البرهان لإزاحة كون أرسطو مرة واحدة وإلى الأبد.
كتاب لن يتخطّاه الزمن
إنّه "المبادئ الرياضيّة للفلسفة الطبيعية" ومؤلّفه إسحق نيوتن (1687). بالمعنى الدقيق للكلمة، ليس هذا العمل كتاباً عن علم الفلك. طلب عالم الفلك إدموند هالي سنة 1984 من نيوتن أن يحلّ الخلاف بشأن قانون التربيع العكسيّ الذي يصف مثلاً كيف يخفت الضوء بعيداً من مصدره. قال نيوتن إنه حلّ المشكلة قبل سنوات لكن لم يكن بإمكانه العثور على الحلّ بين أوراقه. بإلحاح من هالي، أعاد نيوتن العمل على حساباته فكانت النتيجة كتابه الأساسي "مبادئ" الذي قوبل بالذهول والسخرية في آن.
لكن سرعان ما أدرك علماء الفلك أهمّيّته بالنسبة إلى علم الفلك الموضعيّ والملاحيّ، وكانت هذه الميزات مهمّة للغاية في القرن الثامن عشر. في القرن التاسع عشر، كان عمل نيوتن أساسياً في تحديد حركة الكواكب ومدارات المذنّبات وطبيعة النجوم الثنائيّة وحتى نطاق الكون المرئي. قال السير جون هيرشل لاحقاً إنّ هذا الكتاب لن يتخطاه الزمن أبداً.
ملِكة العلوم
أصبح كتاب "آليّة السماوات" لماري سومرفيل (1831) واحداً من أكثر الكتب تأثيراً في علم الفلك منذ كتاب نيوتن "المبادئ الرياضيّة للفلسفة الطبيعية". وسرعان ما تمّ تبنّي كتاب "آلية السماوات" كمساهمة مهمّة في فهم حركة الأجرام السماويّة. طُلب من سومرفيل تقديم ترجمة لكتاب بيار-سيمون لابلاس "بحث في ميكانيكا الأجرام السماوية". عوضاً عن ذلك، أنتجت بحثها الخاص الذي قالت إنّه ترجم "من الجبر إلى لغة مشتركة" المفاهيم الصعبة لحركة الأجرام السماويّة. أصبح عملها قيّماً للغاية بالنسبة إلى الطلاب وعلماء الفلك وقد استُخدم ككتاب مدرسيّ لأكثر من نصف قرن.
خضع الكتاب لتنقيحات عدّة كي يجاري التطور في علم الفلك. كانت سومرفيل عالمة لامعة في الرياضيات وقد نعتها صحيفة "مورنينغ بوست" سنة 1872 بأنها "ملِكة العلوم". خلال حياتها التي امتدّت على مدى 91 عاماً، وضعت سومرفيل خمسة كتب علميّة إضافيّة وألّفت العديد من الأوراق العلميّة. أثبتت مواهب ومساهمات سومرفيل أنّ النساء قادرات على مجاراة الرجال في العلوم لو أعطين الفرصة لذلك.
الكتاب الذي ملأ الفراغ وتُرجم إلى العربيّة
خلال النصف الأوّل من القرن التاسع عشر، كان علماء الفلك يقومون باكتشافات رائعة، لكن لم يكن هناك ملخّص شامل واحد لعلم الفلك. ملأ كتاب جون هيرشل "الخطوط العريضة لعلم الفلك" هذا الفراغ. تناولت مواضيع الكتاب الأدوات الفلكيّة والزمن والجغرافيا والاضطرابات الكوكبيّة والعناقيد النجميّة وكل مجالات الاهتمام بعلوم الفلك التي برزت في ذلك الزمن.
كان كتاب هيرشل (700 صفحة) مؤثّراً إلى درجة أنّه صدر في 11 طبعة بين 1849 و1873. نُشرت طبعة أميركيّة منه سنة 1902 وترجم إلى لغات عديدة من بينها الصينيّة والعربيّة. قالت عالمة الفلك أغنيس كلارك إنّ الكتاب كان "ربما العرض العام الكامل الأكثر إرضاء لعلم تمّت كتابته على الإطلاق."
مهندسون مرّيخيّون
أثار كتاب "المرّيخ وقنواته" لبرسيفال لويل (1906) الهوس بالمرّيخ بين الجمهور. كان ذلك ثاني كتاب للويل عن الكوكب الأحمر من أصل ثلاثة. في عمله الأول، "المرّيخ" (1895)، اقترح لويل وجود سلالة لسكان المريخ من أجل تفسير انتظام القنوات التي كان مقتنعاً بأنّها انتشرت على كامل الكوكب. لم يحظَ الكتاب بتقدير جيّد من علماء الفلك المحترفين. في كتابه الثاني، دفع لويل الفكرة إلى حدود أبعد قائلاً إنّ سلالة مسالمة من المهندسين المرّيخيّين صمّموا محطّات مائيّة لحضارتهم. مع كتابه الثاني، أصبح لويل شخصية شهيرة وفتح الباب على مصراعيه للخيال الشعبي. فكرة القنوات التي هندستها كائنات فضائيّة تلاشت منذ زمن طويل، لكنّ كتاب لويل أطلق رغبة للبحث عن الحياة على المريخ وهي لا تزال مستمرة حتى اليوم.
عصر الهواة الذهبيّ... وحادثة سعيدة
دخلت أميركا عصراً ذهبيّاً لهواة علم الفلك في بداية القرن العشرين. لكن حتى التلسكوبات الصغيرة المخصّصة لهم كانت مكلفة. في 1926، نشرت مجلّة "ساينتيفيك أميركان" كتاب "صنع التلسكوب للهواة" ووفّرت استجابة للحاجة المتزايدة. كانت الطبعة الأولى عبارة عن مجموعة من المقالات لألبرت إنغولز. نمت الفكرة من مقالة لراسل بورتر سنة 1921 بعنوان "تلسكوب الرجل الفقير". كانت حادثة سعيدة تركت تأثيراً عميقاً على الهواية. التقى إنغولز ببورتر في نهاية المطاف وتعاونا في توفير تعليمات واضحة لبناء التلسكوبات. كان الكتاب الأول مليئاً بالرسوم البيانية والمعادلات والرسوم المفرحة لبورتر.
بعد أربعة أعوام، نشرت مجلة "ساينتيفيك أميركان" مقالاً للرجل الذي كان قد اشتهر حديثاً كلايد تومبو بعنوان "خبرتي في صناعة تلسكوب الهواة". ذكر تومبو في مقاله كيف أصبح "متسلّحاً الآن بكتاب "صناعة تلسكوب الهواة" والذي زوّده بالمعلومات التي كان بحاجة إليها من أجل إنتاج بصريات أفضل. كبر الكتاب كي يصبح من ثلاثة مجلّدات وواصل إلهام وتوجيه آلاف الهواة، بمن فيهم كاتب التقرير شوبينسكي، طوال عقود. ولم تخسر المجموعة قيمتها أو سحرها حتى اليوم.
بداية فهم طبيعة النجوم
غيّر كتاب "التكوين الداخليّ للنجوم" للسير آرثر إدينغتون (1926) فهمنا للفيزياء النجميّة والبنية الداخليّة للنجوم. في أوائل القرن العشرين، كان علماء الفلك لا يزالون يعانون في فهم الأسئلة الأساسيّة عن سبب لمعان النجوم ومصدر طاقتها والآليّات التي تؤدّي إلى تطوّرها. كان إدينغتون مهتمّاً بشكل محدّد في المتغيّرات القيفاويّة من النجوم. لقد أراد أن يفهم فيزياء التغيّرات الإيقاعيّة في السطوع. يعالج الكتاب كيف أنّ الإشعاع الناجم عن السخونة الداخليّة والضغط يمكنهما إبقاء نجم مستقراً والتأثير على لمعانه. أظهر إدينغتون أيضاً أنّ الهيدروجين والهيليوم يخضعان لضغط هائل في لبّ النجوم حيث تبلغ الحرارة ملايين الدرجات.
تمّ تقديم الكتاب أولاً كورقة خلال اجتماع للجمعيّة البريطانيّة. قال إدينغتون في الورقة إنّ النجم يعتمد على مخزون هائل من الطاقة بطرق غير معروفة. في أواخر الثلاثينات، قدّمت عالمة الفيزياء النمسوية-السويدية ليز ميتنر، إلى جانب علماء آخرين، الإجابة: إنه الاندماج النووية. لقد كان كتابه محفزاً أشعل الفيزياء الفلكية الحديثة.
70 أسبوعاً في صدارة "نيويوك تايمز"
"الكون هو كل ما كان أو كائن أو سيكون على الإطلاق". بهذه الكلمات الافتتاحيّة من كتابه "الكون" (1980) ألهم ساغان وحمّس جيلاً جديداً من القرّاء. كان الكتاب نصاً مصاحباً للمسلسل التلفزيونيّ المكوّن من 13 حلقة على "پي بي أس" بعنوان "الكون: رحلة شخصية". ظلّ الكتاب 70 أسبوعاً وهو يتصدّر قائمة "نيويورك تايمز" للكتب غير الخياليّة في 1981. وحصل على "جائزة هوغو" لأفضل كتاب غير خياليّ سنة 1981. تم استخدامه في فصول علم الفلك وفي إثراء نصوص الأدب ملهماً العديد من القرّاء الشباب على خوض مسيرة مهنية في مجال العلوم.
بواسطة كتابه، أظهر ساغان أنّ فضول الإنسان وإبداعه وخياله عوامل وفّرت فهماً للروابط العالميّة العظيمة التي تنسجها التجربة الإنسانيّة. قال ساغان إنّ "العالم هو في داخلنا" و"نحن مصنوعون من مواد نجميّة". ليست هذه سوى عدد قليل من رؤى وتعابير ساغان التي دخلت قاموس مفرداتنا. لم يغيّر كتاب "الكون" الطريقة التي نختبر بها عجائب الكون وحسب، بل برهن أيضاً أنّ الأدب العلميّ يمكن أن يكون ملهماً ومسلّيّاً معاً.
نبض