"من خلقتنا والبلد ماشي أعوج" ترددت هذه الجملة على مسامعنا كثيراً. وكأن البلد منذ نشأته بني على مشاكل.
ولكن هذا لا يكفي ليبرر وصولنا إلى ما وصلنا إليه اليوم، فكيف إنهار البلد؟ ومتى استيقظنا على غرق في الديون للخارج؟
التراكمات التي أدت بنا إلى الإنهيار المميت لم تكن حصيلة يوم أو يومين، ولا يمكننا احصاؤها بالأسطر، وما خفي كان أعظم مما نعرفه بالطبع، ولكن أبرز الأسباب:
1. سياسة "نفعني تنفعك"
إن السبب الرئيسي الذي منع أدوات المحاسبة أن تقوم بدورها في مساءلة السلطة هو وجود مصالح مشتركة بينهم، أدت إلى تراكم الفساد والتغطية عنه. فلن يفضح أي فرد فريقاً سياسياً مادامت تجمعهم صفقات تحت الطاولة، أو حتى إنتماء سياسي مخفي أو معلن، إلى صفوفه.
٢. "بتسكت عني بسكتلك، بتعمل فيا شريف عليي بفضحك"
مجدداً، إذا كان أحد الأفرقاء "كمش كمشه" على أي نائب أو وزير، لن يفكر هذا الأخير في محاسبته، فهذا سيعود بالضرر عليه أولاً. ودائماً ما تجمع اللعبة السياسية مختلف الأفرقاء في مصائب يتفقون على التستير عليها سوياً، خاصةً أن الحكم لا يتداول كثيراً. بل دائماً ما يتوالى نفس الوزراء والنواب، ما يحرمنا من نعمة التجديد في الأفراد النزهاء والمستقلين الذين سيكشفون ما كان يحصل قبلهم.
٣. كل حزب يتبع لمحور من الخارج، يعطيه التمويل، وصاحب المال سلطان طبعاً
لا يخفى أن لبنان مرآة وانعكاس للأحداث في الخارج، فكل حزب لديه إنتماء يربطه بدولة معينة من الدول الكبار. فما دامت الدول الخارجية لا تزال مختلفة في مابينها، لن يتصالحو على الأراضي اللبنانية، وستنتقل خلافاتهم إلى الداخل، وهذا لا يحل إلا بالإستقلال الفكري عن الخارج.
٤. نظام اللامحاسبة
جميع المختصين في العلوم السياسية مجمعون أن النظام في لبنان مبني على خطأ. فإن مجلس النواب المكون من أعضاء يجب أن تحاسب الحكومة ينتمون أيضاً إلى نفس احزاب الوزراء فيها. هذا يحول دون الموضوعية والنزاهة في تطبيق المساءلة والمتابعة.
٥. غياب الإنماء الشامل
إنّ التفرقة في المشاريع الإنمائية والإقتصادية أدى إلى شرخ بين الشعب ودفع جزء منهم إلى ألشعور بعدم الإنتماء إلى الدولة. وهنا بدأت موجات كره بين الشعب اللبناني الواحد لما تشعر به شرائح معينة من تهميش وظلم.
٦. مخلفات الحرب اللبنانية
من مخلفات الحرب دائماً، أن تردداتها لا تنتهي مع وقف إطلاق النار، بل إن أثرها أبعد من ذلك بكثير. فهي تترك الدولة مع مشاكل يجب أن تحلها في الثلاثين سنة المقبلة. ولكن الكثير من الدول التي تعرضت للحرب، وقررت العمل الجاد وبذل الجهد في السلطة، تخلصت من هذه المخلفات سريعاً. إلا الحرب في لبنان، مع ما سبق من نقاط تتضمن الفساد وسرقة مقدرات الدولة، أدت إلى تغلغلنا وانهيارنا أكثر.
٧. كل سارق له جمهور يمنع محاسبته
ليس علينا التهرب من أن المسؤولية تقع على عاتقنا أولاً وأخيراً. فنحن نمد من نريد بالقوة والشرعية، ونسحبها منه وقتما نشاء. سابقاً، كان دائماً أتباع الأحزاب هم أساساً من يعطون الحصانة للسارقين "زعيمي بيمون"، "هيدا خط أحمر"، "مافيك تحكي عليه تاج راسك هيدا ولو غلط"، وهنا يصدق المثل "قلو يا فرعون مين فرعنك؟ قلو ما لقيت مين يردني".
نبض