قلم الرصاص... فيه صفات من الإنسان
Smaller Bigger

يرافقنا قلم الرصاص منذ صغرنا. في أوّل تجربة لنا في الكتابة نستخدمه. بوساطته، نخطّ لأوّل مرّة الأحرف، قبل أن يحين وقت كتابة أسمائنا. يحتفظ في ذاكرته بأخطائنا الإملائية الأولى. يُسجل كلّ ما نقترفه من أخطاء في اللغة، قبل أن نصبح متمكّنين منها عندما نكبر. يا للأمر العجيب!

فيه ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا...

فرصه محدودة

نلجأ إليه منذ الصغر إلى أن ينتفي وجودنا في هذه الدنيا. يمنحنا، هو، الفرصة الأولى والثانية لنصحّح أخطاءنا، لكنه لا يكثر من الفرص لئلّا تسحق الممحاة الكامنة في عليائه. لا يمكن للفرص أن تُعطى بكثرة في هذه الحياة، وإلا وجب دخول طرف خارجيّ ثالث، ألا وهو الممحاة المستقلّة، فتتعقّد عندها العمليّة. كلّما كثرت الأطراف، تعقّد الأمر. لن تحافظ الكلمات المخطوطة بوساطته على حميميّتها.

صفعة للمجتمع

عندما نودّ التعبير عن أنفسنا على الورقة، نستعين به، لكوننا نخاف من البوح بما يُخالجنا. الكبار لا يحقّ لهم التعبير عن أنفسهم. لا تُتاح الفرصة لهم للقيام بذلك. أخطاء الكبار لا تغتفر. وحدها أخطاء الصّغار هي المغتفرة. على الكبار دائمًا التفكير مليًّا قبل الإقدام على الخطوة. لا يحقّ لهم التصرّف بسذاجة أو بعفوية. لكلّ ذلك يأوي الفرد إلى قلم الرّصاص، فهو يشعره بأنه لا يزال صغيرًا، وارتكاباته في الحياة ليست سوى تجارب يتعلّم منها. باستخدام الإنسان قلم الرصاص، يسخر من الصور النمطيّة الكامنة في هذا المجتمع.

المضمون هو المهمّ

قد يكون قلم الحبر جميل المظهر، ولكن خطه سيّء. قلم الرصاص مهما كان شكله الخارجيّ، خطّه جميل. ما إن يصبح الخط سميكًا، تستقدم المبراة لتحسينه. من يستخدم قلم الرصاص لا يهتمّ لكلّ ما هو خارجي. ما يهمّه هو المضمون... جمال من دون مضمون كقلم من دون رصاص. في أغلب الأحيان، من يستخدم قلم الرصاص، يضمّ في داخله الكثير ليقوله. يُكثر من التفكير، يحبّ الاختلاء بذاته ليتحدّث إليها. يظهر أنه اجتماعي، إلا أنه يفضل العزلة. لديه أفكاره وفلسفته الخاصّة به، ولا يحبّ الانصياع وراء أحد.

البساطة والسهولة

يستعمل قلم الرصاص من يبحث عن البساطة في هذه الحياة. فهذا القلم سهل الاستعمال. لا يقتضي وضع "خرطوشة حبر" ليُصبح فعالًا كالستيلو stylo. ولا يتطلّب توافر المزيل (Effaceur) إلى جانبه. وهو أيضًا لا يترك آثارًا جراء استخدامه على اليدين. لا داعي ليكون للقلم مكانة مرموقة بين زملائه الأقلام أن يترك علاماتٍ على يدي صاحبه. قلم الرصاص يضع بصمة مالكه في كلّ ما يخطه نيابةً عنه.

حياته فيها ألم

يتألم قلم رصاص أثناء بريه. وهكذا هي حال صاحبه. يتألم سرًّا. لا يظهر ألمه للناس. يبقى شامخًا مهما فتكت به المصائب، تمامًا كقلم الرصاص. مهما تضاءل حجمه جراء البري، وأصبح من الصعب الكتابة به، يحافظ على فاعليّته، ولا ينتفي دوره. من ألمه، يستمدّ قوته.

كلّ ما نستخدمه في هذه الحياة، نتشارك معه بعض الصفات. لو لم نعثرعليها في هذه الأداة، لما كنا لنستخدمها منذ البداية.

 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/3/2026 6:20:00 AM
"النهار" تلقي الضوء على تفاصيل المشروعات السورية الخمسة لربط الخليج بالبحر المتوسط وأوروبا، وأهميتها والتكلفة الاستثمارية لها، والتحديات التي تواجه هذه المشروعات، والعائد الاقتصادي لهذه المشروعات سواء على الاقتصاد السوري أو على اقتصادات الخليج
النهار تتحقق 4/4/2026 11:36:00 AM
تظهر الصورة رجلاً معصوب العينين، مقيداً بكرسي يشبه قفصاً، في غرفة رفع فيها العلم الايراني.
اسرائيليات 4/2/2026 6:02:00 PM
ظاهرة لافتة في تل أبيب تمثّلت في تحليق كثيف لأسراب الغربان، بالتزامن مع استمرار الحرب والهجمات الصاروخية
اسرائيليات 4/3/2026 9:21:00 AM
الجيش الإسرائيلي: مخطط لإطلاق صاروخ مضاد للدروع نحو أراضي دولة إسرائيل