أعلن مفاوضون أوكرانيون، اليوم الثلثاء، أنّ كييف اقترحت تبني وضع محايد مقابل ضمانات أمنية في أحدث جولة من المحادثات مع روسيا في تركيا، ما يعني أنها لن تنضم إلى تحالفات عسكرية أو تستضيف قواعد عسكرية. في حين أعلنت موسكو أنها ستقلص "بشكل جذري" نشاطها العسكري في منطقتي كييف وتشرنيهيف الأوكرانيتين، مشيرة إلى أنّ ذلك يهدف لتهيئة "أجواء مناسبة" للتفاوض.
وقال المفاوض الأوكراني ديفيد أراخميا للصحافيين إنّ "مقترحات الحل ستشمل أيضا فترة مشاورات مدتها 15 عاماً بشأن وضع شبه جزيرة القرم" التي ضمتها روسيا، ويمكن أن تدخل حيز التنفيذ فقط في حالة وقف إطلاق النار الكامل.
وهذه المقترحات هي الأكثر تفصيلاً ووضوحا التي تعلنها أوكرانيا على الملأ. وتتطرق أيضاً إلى ضمانات أمنية على غرار الضمانات الواردة في البند الخامس من معاهدة حلف شمال الأطلسي، وهو البند الخاص بالدفاع الجماعي. ومن الممكن أن تكون بولندا وإسرائيل وتركيا وكندا من بين الدول الضامنة لتنفيذ المقترحات الأمنية.
وقال المفاوض الأوكراني أولكسندر تشالي: "إذا أمكننا تثبيت هذه البنود الرئيسية، وبالنسبة لنا هذا أهم شيء، فإن أوكرانيا ستكون عندئذ في وضع يوطد فعليا وضعها الحالي كدولة غير عضو في تكتل وغير نووية في صيغة الحياد الدائم".
وأضاف: "لن نستضيف قواعد عسكرية أجنبية على أراضينا، والأمر نفسه بالنسبة لنشر وحدات عسكرية، ولن ندخل في أي تحالفات عسكرية سياسية".
وأشار إلى أنّه "سيتم إجراء المناورات العسكرية على أراضينا بموافقة الدول الضامنة".
واعتبر المفاوض الأوكراني أنّ هناك من التفاصيل في المقترحات الأوكرانية الحالية ما يستحق عقد اجتماع بين الرئيس الأوكراني فولودومير زيلينسكي والرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وأضاف أنّ "أوكرانيا تنتظر رد روسيا".
تقليص النشاط العسكري
بدوره أعلن نائب وزير الدفاع الروسي الكسندر فومين أنّ بلاده ستُقلّص بشكل "جذري" نشاطها العسكري في شمال أوكرانيا وبما يشمل المناطق القريبة من كييف، وذلك عقب المحادثات التي وصفها الوفد الروسي بـ"المفيدة".
وقال فومين: "نظرا إلى أن المحادثات حول إعداد اتفاق بشأن وضع أوكرانيا المحايد وخلوها من الأسلحة النووية انتقلت إلى مرحلة عملية... تم اتخاذ قرار بتقليص النشاط العسكري في منطقتي كييف وشرنيهيف بشكل جذري بعدة مرات".
ولاحقاً، قال رئيس وفد التفاوض الروسي فلاديمير منديسكي إنّ وعد بلاده بخفض العمليات العسكرية حول كييف وفي شمال أوكرانيا "لا يمثل وقفا لإطلاق النار".
وأضاف، في مقابلة مع وكالة "تاس" للأنباء، إنّ "هذا ليس وقفاً لإطلاق النار لكن هذا ما نطمح إليه، الوصول تدريجياً إلى تهدئة الصراع على الأقل على الجبهات تلك".
وكان منديسكي قد أكد إجراء "نقاشات مفيدة" في المحادثات، مضيفاً أن المقترحات الأوكرانية ستُنقل للرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
وكشف أنّ مقترحات أنها تتضمن اقتراحا بألا تعارض روسيا انضمام كييف إلى الاتحاد الأوروبي.
وأضاف: "بعد المحادثات المفيدة اليوم، اتفقنا على اقتراح حل يتيح إمكانية عقد لقاء بين رئيسي الدولتين تزامنا مع توقيع وزيري الخارجية المعاهدة بالأحرف الأولى".
وتابع أنّ "إمكانية تحقيق السلام تصبح أقرب، شرط العمل السريع على الاتفاق والتوصل إلى التسوية المطلوبة".
"أهم تقدم"
وكانت جولة مفاوضات مباشرة، تهدف إلى وضع حد للحرب في أوكرانيا، قد انطلقت صباح اليوم في اسطنبول واستمرت حوالى أربع ساعات، مع فترات راحة من حين لآخر.
وفي حين قالت وزارة الخارجية التركية إنّ المحادثات "لن تستمر ليوم ثان"، اعتبر الوزير مولود جاويش أوغلو أنّ هذه الجولة تُشكّل "أهم تقدم" يجري إحرازه خلال المفاوضات حتى الآن.
وقال جاويش أوغلو، متحدثا في موقع المحادثات، إنّ تركيا "تُرحب بتوصل البلدين إلى حل وسط وتفاهم مشترك بشأن بعض القضايا"، مؤكداً أنّ "الحرب يجب أن تنتهي في أقرب وقت ممكن".
وأضاف وزير الخارجية التركي أنه من المتوقع مناقشة "القضايا الأكثر صعوبة" بين وزيري الخارجية الأوكراني والروسي في وقت لاحق، مضيفاً أن رئيسي البلدين سيلتقيان بعد ذلك.

وكان الرئيس التركي رجب طيب اردوغان قد افتتح الجلسة بالقول: "لدينا أمل في تحقيق تقدم خلال هذه المفاوضات".
ومتوجها إلى الوفدين الروسي والأوكراني، أضاف اردوغان: "للطرفين مخاوف مشروعة"، مشيراً إلى أنّ "استمرار هذه الأزمة وإطالة أمدها ليس في مصلحة أي طرف، لديكم مسؤولية تاريخية والعالم ينتظر خبر وقف إطلاق النار والسلام".
ولفت الرئيس التركي الى انه "من الممكن التوصل إلى حل يلبي مطالب الطرفين ويرضي المجتمع الدولي"، معتبرا أنّ "التنازلات المتبادلة بحس من المسؤولية ستفسح المجال لمرحلة أخرى من المفاوضات على مستوى القمة".
وقال: "حان الوقت لتتوج المفاوضات بين موسكو وكييف بنتائج ملموسة"، مشددا على لأنّ "مفاوضات اسطنبول يمكن أن تسهم في عقد لقاء بين زعيمي روسيا وأوكرانيا".
لا مصافحة
وذكر التلفزيون الأوكراني أن المحادثات مع روسيا بدأت دون أن يتصافح أعضاء الوفدين. وقال مراسل التلفزيون: "كان هناك ترحيب بارد ولم تكن هناك مصافحة" من دون أن يوضح ما إذا كان قد شهد اجتماع الوفود أو أن المسؤولين أبلغوه بذلك.
من جهته، قال المستشار السياسي لزيلينسكي ميخائيلو بودولياك، في تغريدة على تويتر، إن الوفود ستبحث "البنود الأساسية لعملية التفاوض. تعمل الوفود بشكل متواز على مناقشة مجموعة كاملة من القضايا الخلافية".
وكان زيلينسكي قد أكد الأحد، في مقابلة عبر الإنترنت مع وسائل إعلام روسية نقلتها قناة الإدارة الرئاسية الأوكرانية على تلغرام، أنّ من النقاط الرئيسية في المفاوضات "الضمانات الأمنية والحياد والوضع الخالي من الأسلحة النووية لدولتنا".
وتابع أن "هذا البند في المفاوضات يمكن فهمه برأيي وهو قيد النقاش، يتم درسه بعمق"، لكنه أكد في المقابل أنه "يجب طرح المسألة في استفتاء" وأن بلاده بحاجة إلى "ضمانات"، متهما بوتين ودائرته المقرّبة بـ"المماطلة".
وأوضح وزير الخارجية الأوكراني دميترو كوليبا في وقت لاحق على موقع وزارته على الإنترنت أن زيلينسكي "أعطى تعليمات واضحة جدا لوفدنا. نحن لا نتاجر بالأشخاص ولا بالأراضي ولا بالسيادة".
وأشار إلى أن الحد الأدنى من أهداف المحادثات في تركيا هو حل المشكلات الانسانية والأقصى هو التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار.
وأجبر الصراع حتى الآن حوالى 3,9 ملايين أوكراني على الفرار من بلادهم، بحسب الأمم المتحدة التي تسعى إلى "وقف إطلاق نار إنساني".
وقالت نائبة رئيس الوزراء الأوكرانية إيرينا فيريشتشوك إن أوكرانيا تأمل في فتح ثلاثة ممرات إنسانية لإجلاء المدنيين من البلدات والمدن المحاصرة اليوم.
وأضافت أن ذلك سيشمل محاولة فتح ممر آمن للسكان لمغادرة مدينة ماريوبول الساحلية الجنوبية المحاصرة في سيارات خاصة.
إعادة السيطرة
وأعلن وزير الداخلية الأوكراني دينيس موناستيرسكي الإثنين أنّ القوات الأوكرانية "حرّرت" بلدة إربين، الضاحية الشمالية الغربية للعاصمة كييف، من القوات الروسية.
وقال موناستيرسكي في تصريحات متلفزة: "في الحقيقة، يجري التالي بالتوازي: القوات المسلّحة تتقدّم والشرطة تتقدّم ويجري فورا تمشيط الشوارع بشكل تام... لذلك، فإنّ البلدة تحرّرت الآن".
وفي رسالة مصوّرة بثّت مساء أمس، قال زيلينسكي إنّ "المحتلّين يُطردون من إربين، يُطردون من كييف. لكن، من السابق لأوانه التحدث عن أمن في هذا الجزء من منطقتنا. المعارك مستمرة. القوات الروسية تسيطر على شمال منطقة كييف، ولديها موارد وقوى بشرية".
وقال مسؤول في وزارة الدفاع الأميركية إن الروس "في حالة جمود" حول كييف، مشيرا إلى أنهم "لم يتوقفوا عن التقدم نحو المدينة فحسب بل إنهم لا يبذلون أي جهد للتقدم" مكتفين بإطلاق الصواريخ.
وأوضح أنه في مناطق تشيرنيهيف وسومي وخاركيف ودونباس وجنوب أوكرانيا "ما زال الوضع متوترا في كل مكان".
وقالت هيئة الأركان العامة الأوكرانية بداية ليل الثلثاء إن قواتها "أعاقت تقدم العدو في منطقة تشيرنيهيف".
وكشف خلال حديثه عن وضع الجيش الروسي عموما أن "العدو ضعيف ومرتبك ومعظم (الجنود) ليس لديهم دعما لوجستيا وانقطعوا عن الجزء الأكبر من القوات".
وكانت معارك أخرى جارية في مناطق عدة حول العاصمة.
وقالت غانا ماليار نائبة وزير الدفاع للتلفزيون الأوكراني: "العدو يحاول تحقيق اختراق في محيط كييف وقطع الطرق". وأضافت أن "الدفاع عن كييف مستمر".
كذلك، اندلعت معارك عنيفة في الشرق خصوصا حول خاركيف، ثاني المدن الاوكرانية، قرب الحدود الروسية.
من جانبها، قالت وزارة الدفاع البريطانية الإثنين، إن في هذه المنطقة مرتزقة روس من مجموعة فاغنر، مشيرة إلى أن أكثر من ألف من هؤلاء الرجال قد يكونوا أحضروا للقتال في البلاد.
هجوم مضاد
واستعاد جنود أوكرانيون السيطرة على قرية مالا روغان الصغيرة في الريف على مسافة أربعة كيلومترات شرق خاركيف، بحسب فريق وكالة فرانس برس الذي رأى جثتين لجنود روس في ممرّ، ومدرّعات روسية مدمّرة.
وفي ميكولايف، استعاد السكان القليل من الأمل بعد أسابيع مروعة حاول خلالها الجيش الروسي بدون جدوى السيطرة على المدينة الواقعة على الطريق المؤدي إلى أوديسا أكبر مدن أوكرانيا الساحلية.
وتراجعت الجبهة بشكل كبير مع هجوم مضاد أوكراني على خيرسون، المدينة الرئيسية الوحيدة التي أعلن الجيش الروسي السيطرة التامة عليها منذ بدء الغزو في 24 شباط (فبراير)، وهي تقع على مسافة حوالى 80 كيلومترا جنوب شرق ميكولاييف.
وعلى مقربة منها، في شمال شبه جزيرة القرم التي ضمتها موسكو عام 2014، أكد المسؤول العسكري لمدينة كريفيي ريه مساء الثلثاء أن القوات الروسية "دفعت ما بين 40 و60 كيلومترا خارج المدينة".
من جهتها، أكّدت كييف أن لديها "أدلّة" على أنّ القوات الروسية استخدمت في اثنتين من مناطق جنوب أوكرانيا ذخائر عنقودية، الأسلحة المحظورة بموجب الاتفاقات الدولية.
حصار ماريوبول
وندد زيلينسكي مجدداً بالحصار التام لماريوبول، وهي مدينة ساحلية استراتيجية على بحر آزوف يحاول الجيش الروسي السيطرة عليها منذ نهاية شباط (فبراير). وقال رئيس بلدية المدينة فاديم بويتشنكو إن حوالى 160 ألف شخص ما زالوا عالقين فيها.
وقال زيلينسكي، أمام البرلمان الدنماركي في خطاب عبر الفيديو، إنّ "ما تفعله القوات الروسية بماريوبول هو جريمة ضد الإنسانية، وهو أمر يحدث على مرأى العالم حاليا".
وقالت مستشارة الرئاسة الأوكرانية المكلفة حاليا ملف الممرات الإنسانية تيتيانا لوماكينا: "دُفن حوالى خمسة آلاف شخص (في ماريوبول) لكن عمليات الدفن توقّفت قبل 10 أيام بسبب القصف المتواصل".
وأضافت أن عدد القتلى الفعلي قد يكون وصل إلى 10 آلاف شخص، نظرا إلى تقدير عدد الأشخاص العالقين تحت الركام.
وسيبحث الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون اليوم مع نظيره الروسي مسألة "تأمين العملية الإنسانية في ماريوبول" كما أعلن على هامش رحلة إلى ديجون (فرنسا)، مشيرا إلى أن الهدف هو إطلاق هذه العملية "خلال أيام المقبلة".
وقال: "اليوم، هناك عدم احترام من الجانب الروسي للقانون الدولي الإنساني".
وحذّرت منظمة العفو الدولية خلال تقديمها في جوهانسبرغ تقريرها للعام 2021-2022 من أنّ الغزو الروسي لأوكرانيا هو "تكرار" للحرب في سوريا، مشيرة إلى أن النزاع المستمرّ منذ أكثر من شهر في الجمهورية السوفياتية السابقة يشهد "تزايدا في جرائم الحرب".