في العشرين من شباط (فبراير) 2022، اعترف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين باستقلال جمهوريتين أعلنتا انفصالهما عن أوكرانيا هما لوغانسك ودونيتسك.
وفي الرابع والعشرين من الشهر نفسه، قامت القوات المسلحة الروسية بغزو عسكري شامل للأراضي الأوكرانية، بدعوى أن ذلك جاء بناءً على دعوة وجهتها هاتان الجمهوريتان الانفصاليتان للنظام الروسي للدفاع عنهما.
أغرق ذلك الغزو العالم بسلسلة من التحديات الاقتصادية، وخلّف وراءه أزمة غذاء عالمية وصفها الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بالمأسوية.
التّضخم وارتفاع الأسعار
وتمثل الأزمة تحدياً للأمن الغذائي بالنسبة للعديد من البلدان منخفضة الدخل وذات الاقتصاد النامي، التي تعتمد على استيراد الغذاء.
وفي ظل التداعيات السلبية التي أفرزتها أزمة روسيا وأوكرانيا وقبلها بسنتين كورونا بالاضاقة لمشكلات المناخ، من نقص في الإمداد وسلاسل التوريد، ارتفعت نسبة التضخم وتحاول البنوك المركزية لجمها عن طريق رفع الفوائد، بدءاً من الاحتياطي الفدرالي في أميركا، وصولاً إلى المركزي الأوروبي.
وفي السياق، يشير الدكتور في العلاقات الدولية والاقتصادية علي حمّود في مقابلة مع "النهار العربي"، إلى أن "هذه المشاكل بالإضافة إلى التضخم أدت إلى ارتفاع الأسعار في الأسواق العالمية، بسبب تعطل صادرات الحبوب والأسمدة في أوكرانيا وروسيا والتهديدات التي تخص أمن الموانئ والسفن والممرات البحرية".

"تجنّب فاتورة باهظة"
وفي 22 من تموز (يوليو) الماضي، وقعت روسيا وأوكرانيا اتفاقية لتصدير الحبوب في اسطنبول بإشراف تركيا والأمم المتحدة، لتوفير ممر آمن لشحن الحبوب والمواد الغذائية العالقة في الموانئ الأوكرانية.
وفي 17 من تشرين الثاني (نوفمبر)، أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تمديد العمل بالاتفاقية 120 يوماً إضافياً، اعتباراً من 19 من الشهر ذاته.
وتلوح في الأفق مخاوف حول مستقبل الأمن الغذائي بالرغم من هذا الاتفاق المهم، فقد أكد غوتيريش أن تمديده ضروري للأمن الغذائي العالمي.
وتأتي هذه الاتفاقية بحسب حمّود، "لتجنب دفع فاتورة باهظة الثمن على الصعيد الاقتصادي عموماً والغذائي خصوصاً، ومنع توسع الحرب وصولاً إلى استعمال أسلحة دمار شامل... فالجميع يسعى لإنهاء الحرب بالطرق الدبلوماسية".
مصدر أساسي للحبوب
تشكل روسيا وأوكرانيا مجتمعتين ثلث صادرات القمح والشعير في العالم، فيمثلان 29 في المئة من صادرات القمح العالمية و62 في المئة من زيت عباد الشمس، وتُعد أوكرانيا خامس أكبر مصدر للقمح عالمياً باستحواذها على حصة 10 في المئة من السوق العالمية، ومصدراً مهماً للذرة ورائداً عالمياً في إنتاج "عباد الشمس"، وفقاً لحمود.
وتسببت الحرب الدائرة بخفض إمدادات الغذاء وارتفاع في الأسعار، فضلاً عن الأسمدة، بسبب ارتفاع أسعار الطاقة.

تحذير من أزمة غذائية أخرى
ويضيف حمّود حول هذا الموضوع: "في الوقت الراهن، تعتمد دول كثيرة مثل البرازيل والأرجنتين وبنغلادش ودول أفريقية على الأسمدة الروسية التي تساهم في زيادة الإنتاج والمحاصيل بمستويات تتراوح بين 20 إلى أكثر من 70 في المئة".
ويتابع: "الحرب الروسية الأوكرانية ألقت بظلالها أيضاً على الأغذية بأكملها، بما فيها علف الحيوانات والوقود المستخدم للآلات الزراعية".
وفي تقرير للـ"فاو" صدر في 25 آذار (مارس) الماضي، فإن روسيا وأوكرانيا مسؤولتان معاً عن 14 في المئة من إمدادات القمح و10 في المئة من إمدادات الشعير في العالم و4% من إمدادات الذرة، ويعتمد عليهم نحو 50 بلداً لتأمين نحو 30 في المئة من إمدادت القمح.
ويؤكد الدكتور في العلاقات الدولية والاقتصادية في حديثه: "زادت أسعار الأسمدة من تكاليف إنتاج الأغذية بارتفاع غير مسبوق، وهو المنتج الذي لا غنى له... فإن تقليل الأسمدة يؤدي إلى تراجع معدلات الإنتاج، وبالتالي تفاقم أزمة الغذاء مجدداً".
لبنان... سعي لتعويض النقص
ومن بين الدول المتأثرة من هذه الحرب، لبنان، الذي يسعى جاهداً لتعويض النقص المتوقع في القمح، لأن أوكرانيا تُوفر له 60 في المئة من الإمدادات، ونحو 20 في المئة من روسيا.
وحالياً، يجري لبنان محادثات مع الولايات المتحدة والهند وكندا لإيجاد مصادر أخرى، بالإضافة إلى مساعدات من البنك الدولي ومنظمات دولية أخرى.
وكما سائر البلدان، تأثرت الأسعار ارتفاعاً في لبنان تماشياً مع صعودها عالمياً، ما أدى إلى زيادة منسوب الخوف لدى المواطنين من انقطاع الزيت وغلاء الطحين والقمح، فذهب البعض للتخزين، ما فاقم الأزمة أكثر فأكثر.

إدارة الأزمة
إلى ذلك، يشير حمّود إلى أن "تحديات الأمن الغذائي تأتي بسبب إدارة الأزمة، فمثلاً روسيا قيّدت صادرات الحبوب منذ اندلاع الحرب، ما سبّب ارتفاعاً في الأسعار بالأسواق العالمية (كما فعلت كذلك دول أخرى)، فالأكثرية شددت على عدم تصدير بعض المواد... وينطبق ذلك على أوكرانيا وأدت إلى النتيجة نفسها".
ويتابع: "كان هناك أطراف فاعلة ومنتجة من ناحية الغذاء، وقد اتخذت إجراءات تؤدي إلى خلخلة معادلة الأمن الغذائي العالمي، منها قرار الهند بحظر صادراتها من القمح، كما فُرِض على الصين تلبية مطالب الاتحاد الأوروبي بالإفراج عن جزء من احتياطي الحبوب من أجل تهدئة الأسعار في السوق العالمية".
ويشدد حمّود على أن "الصراع الحالي سيكون له تداعيات سلبية على النظام الاقتصادي العالمي في كل مكوّناته... فمثلاً أميركا تسعى صوب "الحمائية" عن طريق التخفضيات الضريبية لتشجيع المنتجات المحلية".
ويقول في ختام حديثه: "على الجميع إعادة حساباته، خاصة في قضية شديدة الأهمية مثل الأمن الغذائي... وفي ظل هذه الصراعات الدولية للسيطرة على موارد الآخرين سيبقى الغذاء السلعة الاستراتيجية التي لا يمكن الاستغناء عنها، فمن دونها يفنى البشر".
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
العالم العربي
4/27/2026 9:12:00 PM
يمثل علي الزيدي نموذجاً لقيادة تجمع بين الخبرة العملية والرؤية المستقبلية في العراق.
ثقافة
4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
ثقافة
4/26/2026 7:28:00 PM
"سوبر ماريو غالاكسي" أول فيلم في 2026 يحقق هذا الرقم.
سياسة
4/28/2026 6:22:00 PM
هزّة على الحدود الجنوبية للبنان بعد تفجير الجيش الإسرائيلي نفقا بـ570 طناً من المتفجرات
نبض