02-09-2023 | 05:28

فرنسا وانقلابات أفريقيا... العسكر لا ينفع والمطلوب عقيدة جديدة، لكن كيف؟

مسلسل الانقلابات يتواصل في أفريقيا. الغابون بعد النيجر في أحدث المَشاهد. ماذا يجري؟ لماذا كثُرت الانقلابات أخيراً؟
فرنسا وانقلابات أفريقيا... العسكر لا ينفع والمطلوب عقيدة جديدة، لكن كيف؟
Smaller Bigger
 
مسلسل الانقلابات يتواصل في أفريقيا. الغابون بعد النيجر في أحدث المَشاهد. ماذا يجري؟ لماذا كثُرت الانقلابات أخيراً؟ محمد بازوم رجل فرنسا الأول في الساحل الأفريقي أطيح من منصبه. رئيسة الحكومة الفرنسية كاترين كولونا أبقت على وصف ما جرى في النيجر بـ "محاولة الانقلاب"... والآن الغابون في الواجهة، فأين فرنسا؟ ما علاقتها؟ لماذا ثلثا الانقلابات في إفريقيا هي في مستعمرات فرنسية سابقة؟
 
"النهار العربي" حاور من باريس الكاتب والمحلّل السياسي الدكتور مصطفى الطوسة، لكن قبل ذلك، أي أهمية تكتسبها البلاد الواقعة في غرب وسط أفريقيا؟ 
 
الغابون إحدى أكثر دول أفريقيا ازدهاراً. يُطلق عليها وصف: "عملاق النفط الأفريقي". في مؤشر التنمية البشرية في أفريقيا جنوب الصحراء تحتل مرتبة متقدّمة. تبعاً لبيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية، تُعتبر الدولة هذه ضمن أكبر خمسة منتجين للنفط الخام في جنوب الصحراء الأفريقية، بعد اكتشاف العديد من رواسب النفط في مناطق مجاورة للعاصمة ليبرفيل عام 1993. النفط هنا يُعدّ مصدراً رئيساً للإيرادات الاقتصادية، لكنه لا يقلّل من أهمية موارد طبيعية أخرى كالغاز الطبيعي، وقد زاد إنتاجه بشكل ملحوظ -بحسب أوبك- ليبلغ 454 مليون متر مكعب في نهاية عام 2021، مقارنة بـ 80 مليون متر مكعب فقط عام 2010. إضافة إلى موارد أخرى مهمّة كالغابات المطيرة (تغطّي 85% من أراضيها) والمعادن والأسماك، وهي تلعب دوراً رئيساً في تعزيز الاقتصاد وتنميته.
 
علاقات تاريخية مع فرنسا
يحكي التاريخ مطولاً عن استقلال الغابون عن فرنسا عام 1960. بعد الاستقلال حكم الدولة الأفريقية هذه ثلاثة رؤساء فقط، بداية مع ليون مبا عام 1961 الذي اتُهم بتطبيق نظام حكم ديكتاتوري والترويج للمصالح الفرنسية. بعد وفاته عام 1967 تولّى الحكم عمر بونغو حتى وفاته عام 2009، ليخلفه ابنه علي بونغو حتى يومنا هذا. ولا غرابة في أن تكون اللغة الفرنسية هي اللغة الرسمية للغابون، ويتحدث بها بطلاقة نحو 80% من الغابونيين، إلى العديد من اللغات المحلية. 
 
الناطق باسم الحكومة الفرنسية أوليفييه فيران، أعلن أنّ باريس "تدين الانقلاب العسكري الجاري حالياً" في الغابون، مشيراً الى أنّ فرنسا "تراقب بانتباه شديد تطورات الوضع". الانقلاب أتى بُعيد إعلان النتائج الرسمية للانتخابات الرئاسية وفوز الرئيس علي بونغو بولاية ثالثة. فيران أكّد أهمية "احترام نتائج الانتخابات". 
 
لماذا تزداد الانقلابات في أفريقيا؟
كثرة الانقلابات العسكرية في بعض بلدان الساحل وأفريقيا، هي برأي مصطفى الطوسة "نتيجة وعي بدأ يتسرّب إلى مختلف الطبقات الأفريقية، سواءً كانت حاكمة أم لا، بأنّ هذه الدول لا تستفيد من خيراتها، فكيف يُعقل أن تكون الدول غنية كثيراً وأن يكون المواطن الأفريقي يعيش مستوى من الفقر والعوز بمستويات قياسية".
 
هذه الواقعة، يقول الطوسة، بدأت تظهر للرأي العام الأفريقي مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، ومع ظهور عيوب ما يمكن أن نسمّيه العولمة، وخصوصاً مع ظهور هذه الشركات الدولية المتعدّدة الجنسية التي تجثم على صدور هؤلاء الأفارقة وتستغل اقتصادهم وهم لا يستفيدون من ذلك. من هنا، كان هناك وعي هذه الطبقات الشعبية بأنّ خيراتها تُنهب. 
 
برأي الطوسة، "ما زاد الطين بلّة، هو وجود قوى منافسة للعالم الغربي تصبّ الزيت على النار، وتحاول أن تستغل هذه الأوضاع الاقتصادية الصعبة، وهذه المحن التي تمرّ فيها هذه الدول الأفريقية، لكي تجيّش ضدّ المستعمرين السابقين، يعني فرنسا والشركات الأجنبية، لذلك نحن الآن أمام عدوى من الانقلابات مصدرها الأساسي الوعي بأنّ هناك شيئاً ما غير متوازن وغير طبيعي وغير موضوعي في طريقة استغلال ثروات البلاد. كان بالإمكان أن تُحلّ هذه الإشكاليات عبر صناديق الاقتراع والانتخابات الديموقراطية، لكن يبدو أنّ هذه البلدان لم تصل حتى الساعة إلى الوعي والنضج الضروري لتمرّ بمرحلة انتقالية عبر الانتخابات، وهي تمرّ الآن عبر هذه الانقلابات العسكرية". 
 
مَن الخاسر الأكبر؟
يرى الدكتور مصطفى الطوسة أنّه "بحكم أنّ فرنسا كانت المستعمر السابق، وكان لديها نفوذ اقتصادي وعسكري قوي في هذه البلدان، يمكن أن نقول إنّها هي الخاسر الأكبر في هذه القضية؛ مثلاً، في النيجر هناك رهانُ اليورانيوم، الذي هو من بين العوامل الأساسية التي تحرّك الماكينة العسكرية والديبلوماسية الفرنسية، ولذلك نلاحظ أنّ هناك تَفهّما لما يحدث في الغابون مع علي بونغو، والحزم القوي والسياسة الشديدة اللهجة تجاه النيجر، والإصرار الفرنسي على عودة محمد بازوم إلى السلطة، لدرجة أنّ الرئيس إيمانويل ماكرون هدّد باللجوء إلى الحلّ العسكري عبر الإيكواس". 
 
فرنسا إذاً هي الخاسر الأكبر، ومطروحةٌ عليها تحدّيات كثيرة، وهي "إعادة صوغ عقيدة فرنسية جديدة للتعامل مع هذه الدول، ليس فقط عبر الاستحواذ الكلي على خيراتها، بل عبر تقاسم أو تفاهمات رابح- رابح بينها وبين هذه الاقتصادات الأفريقية، لأنّه لا يمكن أن نتصور أنّ هذه الدول يمكن أن تتخلّى نهائياً عن علاقتها مع الغرب، مع فرنسا والاتحاد الأوروبي، لأنّها محتاجة لهذه البلدان لكي تستغل هذه الثروات وتستفيد منها". 
 
السؤال المطروح على فرنسا، يقول الطوسة، هو أي صيغة يمكن أن تتوصل معها هذه السلطات الانقلابية التي تسعى حالياً إلى الخروج بمرحلة انتقالية؟ أي صيغة يمكن أن تبلورها لإقامة علاقات جديدة بينها وبين مستعمراتها السابقة؟ 
 
انتهى مفعولها
قضية إيصال رجال موالين لفرنسا عبر انقلابات عسكرية أو عبر التدخّلات، "هي مقاربة ولّى عليها الزمن"، يقول الطوسة، فهي "كانت في الماضي ذات فعالية ويمكن أن تؤثر في الأحداث، أما الآن إذا أخذنا بالاعتبار أنّ فرنسا لا يمكن لها أن تتدخّل لوحدها مباشرة عبر طريق جنودها وعن طريق العسكر، فلو كان هذا ممكناً لقامت به في النيجر". هي دائماً بحاجة لأن تتدخّل تحت مظلّة إقليمية ودولية. عليه، إذا استثنينا فرضية التدخّل المباشر فلا أحد يمكنه أن يتصور أنّ بإمكان فرنسا أن تساعد هذا الفريق أو هذا الجنرال أو ذاك الحزب للوصول إلى السلطة عن طريق التدخّل العسكري. 
 
يختم الطوسة حديثه إلى "النهار العربي" من باريس بتأكيد الدخول في مرحلة التفاهمات السياسية الآن، والمفاوضات السياسية مع نخب هذه الدول، سواء كانت سياسية أم عسكرية، وهي النخب التي تحكم البلد عن طريق الانقلابات "التوصل إلى تفاهمات يمكن أن يعطينا نظرة عن ملامح المرحلة المقبلة والعلاقات الأفريقية - الفرنسية المقبلة". 
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

ثقافة 4/19/2026 8:10:00 PM
إيرادات "سوبر ماريو غالاكسي" تقترب من 750 مليون دولار عالمياً.
ثقافة 4/20/2026 10:31:00 PM
لماذا يبدو "سوبر ماريو" معاصراً؟
لبنان 4/22/2026 10:26:00 PM
ما حصل مع آمال خليل قبل الاستهداف: تسلسل يكشف "جريمة موصوفة" بحق صحافيين في الطيري
لبنان 4/22/2026 10:39:00 PM
السفارة الأميركية في بيروت تدعو رعاياها لمغادرة لبنان فوراً، محذّرة من مخاطر أمنية متصاعدة تشمل الإرهاب والخطف والاضطرابات.