النيجر... عدوى الانقلابات. عنوان بالعريض على غلاف "ليبراسيون" الفرنسية. صورة مرفقة للانقلابيين، عسكر مصطفّ، بيانٌ يُتلى لقائد الانقلاب، وتعليق مختصر للصحيفة على صدر صفحتها الأولى: "بعد مالي وبوركينا فاسو، انقلاب النيجر مؤشر إلى تراجع الديموقراطية في دول الساحل وتراجع النفوذ الفرنسي". عليه، السؤال يُطرح: لماذا يضعف نفوذ باريس؟ أين مكمن قلقها مما يجري؟ "النهار العربي" سأل الكاتب والأكاديمي الفرنسي بيار-لوي ريمون.
يُعدّ رئيس النيجر محمد بازوم، الرجل الأول لفرنسا في دول الساحل الأفريقي، في منطقة تتعايش والانقلابات العسكرية كقدر محتوم. الانقلاب الأخير أتى عقب محاولتين فاشلتين في عام 2021، قبل تولي بازوم السلطة بأيام قليلة، وفي آذار (مارس) 2023، خلال زيارة خارجية للرئيس. أبعد من النيجر، الانقلاب هو السابع في منطقة غرب أفريقيا ووسطها، منذ عام 2020.
لإنقاذ البلاد؟
العقيد أمادو عبد الرحمن، المتحدث باسم اللجنة الوطنية لإنقاذ الشعب في النيجر، قال إن عزل الرئيس بازوم جاء لحماية الوطن وتفادياً للاقتتال، مع استمرار تدهور الوضع الأمني وسوء إدارة البلاد، اقتصادياً واجتماعياً.
النيجر دولة حبيسة بين سبعة بلدان. لا منافذ بحرية لها. تميُّزُها بتنوّعِ مواردها الطبيعية كاليورانيوم، الألماس، الذهب والفحم، لم يكن مصدر غنى، فهي، وفق مؤشر الأمم المتحدة للتنمية البشرية، تُعد واحدة من أفقر دول العالم. عام 2015 احتلت المرتبة الأخيرة بين 188 بلداً. التقارير الرسمية الصادرة عن وزارة الداخلية في النيجر تُشير إلى أنّ قرابة 43% من سكانها يعيشون حالةَ الفقر المدقع.
تاريخ من الانقلابات
مُذ استقلت عن فرنسا عام 1960، شهدت النيجر أربعة انقلابات في تاريخها المعاصر وعدداً من محاولات الانقلابات الفاشلة. الانقلاب الأخير، لقي إدانات واسعة، لكنه في الداخل قد يكون مُبرَّراً لمن يعرف طبيعة التباينات بين فئات المجتمع النيجري. التباينات العرقية هذه، بدأت تبرز أكثر مع تولي محمد بازوم منصب الرئاسة عام 2021. الرجل هو أول رئيس للنيجر من الأقلية العربية. نسبة الأقلية هذه لا تتخطى الـ2% من سكان البلاد. عليه، لم يكن حكمُ رئيس من أصول عربية لسكان النيجر المسلمين، ممن ينتمون إلى قبائل غير عربية، عادياً أو عابراً. شخصيات مُعارضة اتهمت بازوم مثلاً خلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة بتزوير جنسيته النيجرية.
كان ما كان؟
يُعدّ محمد بازوم رجل فرنسا الأول في غرب أفريقيا. لم يكن مستغرباً تعميق علاقاته بباريس، بما وجّه إليه كثير الانتقادات بـ"الارتماء في حضن فرنسا". من هنا، تُفهم التنديدات الفرنسية بالانقلاب على بازوم، فباريس، ومعها واشنطن، متخوفتان من استثمار هذه الخطوة من جانب روسيا، الساعية لتعميق نفوذها في القارة الأفريقية. باريس، تخشى خسارة النيجر بعد خسارة مالي وبوركينا فاسو.
بعد انسحاب قواتها من مالي، ركزت باريس استراتيجيتها الجديدة تجاه أفريقيا على النيجر. الأرقام تبيّن ذلك، فالنيجر تحتل المركز الرابع عالمياً في إنتاج اليورانيوم، "وهي تُضيء فرنسا باليورانيوم، بتغطيتها 35% من الاحتياجات الفرنسية من هذه المادة، وتساعد محطاتها النووية على توليد 70% من الكهرباء".
وعسكرياً، ثمة قواعد عسكرية فرنسية في الأراضي النيجرية. "لباريس نحو 1500 جندي فرنسي في النيجر. استقرار النيجر وموقعها الجغرافي، يُساعدان الجيش الفرنسي على مراقبة الحدود مع ليبيا، ومكافحة الهجرة غير الشرعية"، وفق "فايننشال تايمز".
حوار
برأي الأكاديمي والكاتب الفرنسي بيار-لوي ريمون، ثمة "عنصران، أساسيان، متلازمان لا يمكن أن ينفصلا عن بعضهما بعضاً"، يحكمان العلاقة الفرنسية مع النيجر، هما العنصر الاقتصادي والعنصر الدبلوماسي.
ويقول لـ"النهار العربي": "من المعروف أن منطقة الساحل منطقة نفوذ تقليدية لفرنسا. وبعد انسحاب وحدة "بركان" من مالي، والتراجع العسكري الفرنسي الذي تعرفه في الساحل والذي يُجمع عليه المراقبون، رغم أنها برأيي أبلت البلاء الحسن، من حيث إنها كوّنت وحدات عسكرية في منطقة الساحل، بطبيعة الحال، بقيت النيجر تُعتبر المورد الأساسي لمادة اليورانيوم، الذي يزوّد المفاعلات الفرنسية، بالتالي، العنصر الأساسي استراتيجي - اقتصادي".
عناصر مُساعِدة في "الاستقرار ومكافحة الفساد تراها القوى الغربية في شخصية محمد بازوم، فضلاً عن معرفة بازوم العميقة بحجم التهديد الإرهابي الذي لا يزال يحيط بالمنطقة والقابل للعودة إلى الساحة في كل وقت"، يقول بيار-لوي ريمون. من هنا يبدو الانقلاب مقلقاً جداً لفرنسا "التي في الوقت الراهن ترفض أن تسمي العملية بعملية انقلاب بل تسميها محاولة انقلاب، بمعنى أن ارتباط فرنسا بشخصيات نيجرية محورية من شأنه أن يمكنها من مواصلة التفاوض مع القوى الانقلابية، والأمل لا يزال باقياً".
يختم الكاتب والأكاديمي الفرنسي قائلاً لـ"النهار العربي" إن "فرنسا تريد الحفاظ على منطقة نفوذها بغرض اقتصادي وأمني. والدبلوماسية تتم على أساس هذين العنصرين اللذين تعتبرهما فرنسا هدفين مصيريين لا يمكن أن يصار إلى تحقيقهما إلا بواسطة قيادة محمد بازوم الذي يُعتبر رجل ثقة".
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
اقتصاد وأعمال
4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي
4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي
4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا
4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.
نبض