موجات الحر الحالية دليل، برأي الباحثين، إلى "تسارع" محتمل في تغيّر المناخ. العلماء قلقون. درجات الحرارة سجلت أرقاماً قياسية... والمزيد من الارتفاعات متوقعٌ بعد خلال وقت لاحق من موسم الصيف الحالي، "وقد يستمر هذا لفترات غير مسبوقة"، على ما تقول لـ"النهار العربي" المستشارة السابقة لدى منظمات الأمم المتحدة لشؤون البيئة د. فيفي كلّاب.
"الإيكونوميست" نشرت تقريراً تناولت فيه موجات الحرارة الراهنة. سألت بالعريض: ماذا تعني موجات الحرارة المتتالية؟ المجلّة استهلت بعرض أمثلة من مناطق مختلفة في العالم. في "ديث فالي" في كاليفورنيا سُجلت درجة حرارة 54 مئوية. منطقة "توربان" في شينجيانغ في الصين، وصلت الحرارة فيها إلى أكثر من 52 درجة مئوية، ما أثار المخاوف، خصوصاً في المدن الكبرى حيث ملايين الأشخاص. دول أوروبية أعلنت حالة الطوارئ والتأهب القصوى، وتحدثت تقارير إعلامية عن خطر يتهدد أنماط الحياة للبشر والحيوانات على السواء.
ارتفاع درجات الحرارة تسبب في اشتعال الحرائق في كندا، كما في اليونان وبعض الدول. الصور ومقاطع الفيديو بيّنت عجز فرق الإنقاذ العاملة على مدار الساعة عن إخماد النيران، مع تداعيات كارثية طالت مئات المباني والمساحات الشاسعة.
فصول الصيف ستصبح أكثر حراً
استعرض تقرير "الإيكونوميست" رسماً بيانياً يُظهر ارتفاع درجات الحرارة منذ آذار (مارس) الماضي حتى الآن، لتُسجّل أعلى مستويات منذ عام 1975. أمور عدة وفق المجلة يمكنها إحداث "تسارع محتمل في المناخ"، أبرزها: التغيير في طبقة "الستراتوسفير" بسبب ثوران بركان هوننغا-هانغا هاباي، الذي يثور في المحيط الهادئ منذ كانون الثاني (يناير) 2022، حيث يعتبر هذا الثوران الأكبر على وجه الأرض منذ 1991. الأمر الآخر ارتفاع مستويات الميثان في الغلاف الجوي، التي تؤدي إلى مناخ أكثر دفئاً "للمناطق الجليدية"، والذي يترافق مع زيادة في استخدام الوقود الأحفوري، والزراعة، في آن معاً.
البعض يعتقد أن الفائض في نمو مساحة الأراضي الرطبة الاستوائية يزيد من إنتاج الغازات في الجو من النباتات التي تتعفن، وفق المجلة.
"إذا لم تكن هناك روابط مناخية بين مناطق العالم المختلفة، فإن التغيرات المناخية تغذي ظواهر الطقس المتطرف في كل أنحاء الكوكب، وتزيد وطأتها"، برأي مدير معهد "بيار سيمون لابلاس"، روبير فوتار، المتخصص بعلوم المناخ. ويقول: "بالنسبة لجنوب أوروبا على سبيل المثال، الأمر يتعلق بإعصار عكسي قوي للغاية عبارة عن مرتفع جوي ... وتحبس مناطق الضغط الجوي المرتفعة هذه الهواء الدافئ، ما يؤدي إلى ارتفاع درجات الحرارة. وهذا الأمر تغذيه رياح جنوبية على الجناح الغربي تجذب كتلاً هوائية حارقة من الصحراء".
عالم المناخ في جامعة كولومبيا، جيمس هانسن، قال للمجلة إن هذا "الصيف يحدث مرة واحدة في القرن... ولكنه أصبح حدثاً، مرةً كل خمس سنوات"، مرجحاً أن فصول الصيف ستصبح "شديدة الحرارة في كل مكان". العالِم يؤكد أن "معدل ارتفاع درجة حرارة العالم يمر بتغيير كبير منذ 2010"، في إشارة إلى تدفق الحرارة من المحيط الهادئ، والتغير في الطقس من سنة إلى أخرى.
من هنا وهناك
العالم، تكتب "الإيكونوميست"، أصبح في المتوسط أكثر دفئاً بنحو 1.2 درجة مئوية عما كان عليه سابقاً، "قبل أن يجعله البشر أشبه ببيت دفيئة زجاجي، حيث تنتج المزيد من الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي المترافق مع المزيد من الدفء الناتج من الشمس، ما يجعل غازات الميثان وأوكسيد النيتروز تصل إلى مستويات عالية".
العديد من الدول حول العالم شهد حالة من التطرف في درجات الحرارة، تقول المجلة، حيث ضربت الأمطار الغزيرة المناطق الوسطى والجنوبية في كوريا الجنوبية منذ الأسبوع الماضي. وسقط 14 قتيلاً في نفق بمدينة تشونجو. وفي مقاطعة شمال كيونغ سانغ بجنوب شرق البلاد، لقي 22 شخصاً حتفهم، كثير منهم بسبب الانهيارات الأرضية والسيول.
في الهند، تسببت الفيضانات وانهيارات أرضية وحوادث متعلقة بالأمطار الغزيرة في مقتل أكثر من 100 شخص شمال البلاد منذ بداية موسم الرياح الموسمية في الأول من حزيران (يونيو) الماضي، حيث ارتفع معدل هطول الأمطار 41 في المئة عن المتوسط. وامتدت مياه نهر جمنة إلى أسوار مجمع تاج محل في أغرا لأول مرة منذ 45 عاماً، لتغمر أيضاً بضعة معالم تاريخية، والحدائق المحيطة بالضريح الذي يعود تاريخه للقرن السابع عشر. وغمر النهر نفسه أجزاء من العاصمة الهندية، بما في ذلك الطرق المحيطة بالقلعة الحمراء التاريخية وراجغات، النصب التذكاري للمهاتما غاندي.
وفي مقاطعة شينجيانغ، غرب الصين، تحدى السياح الذين يعتمرون قبعات ويحتمون بمظلات كبيرة الحر اللافح لالتقاط صور ذاتية "سيلفي" مع "ترمومتر" عملاق يظهر حرارة الأسطح عند 80 درجة مئوية.
ملاحظة وحوار
"عدد موجات الحر المتزامنة في نصف الكرة الشمالي زاد ستة أضعاف منذ الثمانينات من القرن الماضي، وليس هناك أي مؤشر على أن هذا المنحى سيتراجع"، وفق العلماء. "تغير المناخ يزيد من مدة موجات الحرارة وشدتها ومن مدى انتشارها الجغرافي كذلك".
عام 2024، بحسب التوقعات هو العام الذي سيتجاوز فيه معدل درجات الحرارة مقدار الدرجة ونصف درجة. بالنسبة للعلماء هذه "علامة فارقة في تاريخ الكوكب"، وهي "نقطة تحول تاريخية"، فهل في هذه التوصيفات بعض المبالغة؟ "النهار العربي" سأل المستشارة السابقة لدى منظمات الأمم المتحدة لشؤون البيئة د. فيفي كلاب، فقالت إن "الدراسات أثبتت منذ بداية القرن العشرين إلى اليوم أنه إذا وصلت هذه التحولات إلى درجتين، فعندها ستكون نقطة لا رجوع عنها. الأحوال التي نشهدها، سواء بالطقس أو الفيضانات والتأثيرات الاقتصادية والاجتماعية والصحية وكل المجالات، تثبت ضرورة وأهمية العمل على منع مزيد من الارتفاعات في دراجات الحرارة".
"طريقة مقاربة المشكلات التي تحدث عالمياً، خصوصاً ما بين الولايات المتحدة والصين، تقول د. كلّاب، تجعلنا نستشف أنه يصعب الإبقاء على ارتفاع بنسبة درجة ونصف درجة. فباعتبارهما أكبر ملوثين في العالم، لم نلمس لغاية اللحظة نقلة فعلية إيجابية في مقاربة صانعي السياسات في بكين وواشنطن للاحترار الحراري العالمي. نسمع عن التقنيات النظيفة ولكنها لا تكفي وحدها، ولا تحد من الاحترار العالمي. نحن بحاجة لاختراعات تقنية جديدة". تضيف د. كلاب: "الارتفاع بنصف درجة فوق الدرجة ونصف ليست نسبة بسيطة، فنحن نتحدث عن ارتفاع بدرجة حرارة الكوكب مع ما يستدعيه من ذوبان للثلوج وأعاصير وفيضانات وجفاف. لذا يجب رفع مستوى طموحاتنا لمحاولة تحقيق استقرار معين بدرجة الحرارة".
المستشارة السابقة لدى منظمات الأمم المتحدة تختم مؤكدة أن "كل المؤشرات تدل إلى أن درجة الحرارة سترتفع فوق الدرجة ونصف، ونتمنى أن تكون توقعاتنا خاطئة ...".
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ثقافة
4/19/2026 8:10:00 PM
إيرادات "سوبر ماريو غالاكسي" تقترب من 750 مليون دولار عالمياً.
ثقافة
4/20/2026 10:31:00 PM
لماذا يبدو "سوبر ماريو" معاصراً؟
لبنان
4/22/2026 10:26:00 PM
ما حصل مع آمال خليل قبل الاستهداف: تسلسل يكشف "جريمة موصوفة" بحق صحافيين في الطيري
لبنان
4/22/2026 10:39:00 PM
السفارة الأميركية في بيروت تدعو رعاياها لمغادرة لبنان فوراً، محذّرة من مخاطر أمنية متصاعدة تشمل الإرهاب والخطف والاضطرابات.
نبض