يتمدّد الإرهاب في إفريقيا راهناً. سابقاً، عايش التطرّف هناك مواسم التقلّص، ويُعايش الآن مواسم الذروة. دول الساحل والصحراء الكبرى في عين الاستهداف، لكن، هل يقتصر المشهد على ذلك في قارة تحتضن حكومات هشّة وحدوداً متفلّتة، فقراً، فساداً، وتدخّلات دولية طامعة بالثروات الإفريقية؟ هل تبقى دول الشمال بمنأىً عن الإرهاب؟ تونس مثلاً؟ الجزائر؟ المغرب؟

"النهار العربي" نقل هذه الأسئلة إلى رئيس المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات في ألمانيا جاسم محمد.
بالحديث عن دول الساحل الإفريقي، يُلاحظ جاسم محمد، أنّ "هذه الدول أصبحت تواجه عدم استقرار سياسياً، وهو ما يؤثر من دون شك على الوضع الأمني. بدأت بتغيير الكثير من سياساتها بعدما فشلت سياسات دول أوروبا، فوجدت الحكومات المحلية أنّه ربما يمكنها المهادنة وحتى التحالف مع الجماعات المتطرّفة، خصوصاُ بعدما بدأت الجماعات الإرهابية تفرض سيطرتها على بعض المساحات في الدول الإفريقية".
يضيف، "من هنا، نجد أنّ الصفقة في مالي مع الجماعات الإرهابية تُعتبر كارثة أمنية وتراجعاً في جهود مكافحة الإرهاب ومحاربة التطرّف، وكذلك ضربة قوية للقوات الأوروبية، سواء كانت ضمن دول الإتحاد الأوروبي أو القوات الألمانية والفرنسية، ولذلك هناك ردّ فعل من قِبَل مالي وبعض هذه الدول نتيجة التدخّل العسكري، تحديداً الفرنسي. لكن هذه الدول مثل فرنسا وغيرها، مع الأسف لا تأخذ في الاعتبار حسابات المصلحة المحلية، والسكان والحكومات بقدر ما تنظر إلى مصالحها الخاصة. لذلك نلاحظ أنّ سياسات محاربة التطرّف والإرهاب تراجعت كثيراً بسبب غياب هذه الأطراف الفاعلة عن محاربتها، ووجدت هذه الدول، ومالي نموذجاً، أنّه لا بدّ من التحالف مع الجماعات المتطرّفة كونها أصبحت أمراً واقعاً تفرض أجنداتها على السكان المحليين وبعض المجتمعات".
خطر الصفقات؟
ألا تُشكّل هذه الجماعات خطراً مستقبلاً على الحكومات الإفريقية المحلية التي تعقد معها صفقات أمنية؟ نسأل جاسم محمد، فيجيب: "هذا خطأ من دون شك. سياسات مكافحة الإرهاب والتطرّف لا تسمح بالتحاور مع هذه الجماعات المتطرّفة كونها غير منضبطة ولا قواعد لديها، لا في الحوار ولا في التفاهمات. انقلاب الجماعات المتطرّفة على الحكومات المحلية أمر وارد، لكن ربما سياسات الأمر الواقع التي فرضتها هذه الجماعات بالقوة على المجتمعات التي تسيطر عليها، دفعت الحكومات للتحالف معها، وهذا يتعارض مع القواعد الأساسية لمحاربة التطرّف".
ّ
عناصر التجنيد
هل يتخذ الإرهاب في الشرق الأوسط بعداً دينياً أكثر من البعد الديني في إفريقيا؟ في منطقة الشرق الأوسط وتحديداً في سوريا والعراق، يلاحظ رئيس المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، أنّ تنظيم "داعش" صوّر نفسه أنّه يمثل طائفة معيّنة على حساب طائفة أخرى، وكذلك وضع نفسه نداً لبعض حكومات دول المنطقة من وجهة نظره، للدفاع عن طائفة معيّنة، لذا يتقدّم البعد المذهبي- الطائفي في دول منطقة الشرق الأوسط على العامل الاقتصادي، أكثر من دول إفريقيا".
في سياسات محاربة التطرّف والإرهاب دائماً ما يجري البحث عن جذور التطرّف والإرهاب، يتابع جاسم محمد، "فعدم الإستقرار الأمني والوضع الاقتصادي يلعبان دوراً كبيراً، لكن في التجنيد يبقى الموضوع الإيديولوجي مهمّاً، وهنا نلاحظ في أوروبا إلتحاق عدد من الشباب بالتنظيمات المتطرّفة، وكان من بين الأسباب عدم وجود هوية ثابتة لهؤلاء الشباب وكذلك العامل العقائدي، فالجماعات المتطرّفة تعمل على بث الدعاية المتطرّفة، وهي دعمت تنظيمي "داعش" و"القاعدة" كثيراً في عمليات التجنيد".
لو تحدّثنا عن إفريقيا، فإننا نلاحظ أنّ الوضع الاقتصادي يتقدّم على العامل الأيديولوجي، يقول جاسم محمد. ويضيف: "هناك في إفريقيا أيضاً العامل العرقي، فأسباب الانتماء لتنظيمات إرهابية في هذه القارة مختلفة، ولكنْ لها جذور حقيقية للتطرّف والإرهاب، وحتى العوامل المناخية كالتصحّر، الفيضانات والكوارث، تلعب دوراً، وتدفع السكان المحليين للهجرة التي تولّد الكثير من النزاعات المحلية والإقليمية وعبر الحدود، وفي النهاية تتحوّل إلى جماعات متطرّفة".
يشير جاسم محمد إلى وجود الجماعات الإرهابية في إفريقيا، ففي القارة السمراء، جماعات متطرّفة أبرزها "بوكو حرام"، تنظيم "داعش"، تنظيم "القاعدة" في بلاد المغرب، "جماعة نصرة الإسلام"، "حركة التوحيد والجهاد" في غرب إفريقيا، "المرابطون"، "وتقوم كلها ليس في تهديد الأمن المحلي، ولكن أيضاً في تهديد الأمن الإقليمي وتكون عابرة للحدود، وتصل حدّ تهديد أمن الطاقة".
دول أوروبا كان لها جهود ومساعٍٍ للحدّ من التطرّف، "ولكن مع الأسف لا توجد معالجات حقيقية. ولا ننسى أنّ الدول الإفريقية وما تشهده من انقلابات، تجعل منها دولاً هشّة، وهو ما يساهم في صعود الجماعات إلى الواجهة".
دولة خلافة في إفريقيا؟
هل يُعلن تنظيم إرهابي دولته في إفريقيا ويفرض فيها قوانينه؟ يُجيب جاسم محمد قائلاً: "يبدو أنّ تنظيم "داعش" أصلاً لم يعد في وارد إعلان الخلافة، كونه يرتّب على التنظيم الكثير من المسؤوليات، وأبرزها أنّه يقوم بحماية الأفراد والمجموعات التي تقع تحت سيطرته. وأجد أنّه برغم الوضع الأمني الهش في هذه الدول، والوضع السياسي غير المستقر، فإنّ تنظيم "داعش" اكتسب تجربة بعد إعلان ما يُسمّى الخلافة في العراق وسوريا، وهو لن يعود ربما ليكرّر هذه التجربة في إفريقيا، ولذلك أجد أنّه الآن يقوم بتحقيق أهدافه من خلال نشر الفوضى والحصول على مصادر تمويل، ويحصل على التجنيد، ولا أستبعد أنّه ممكن أن ينطلق بعمليات من دول إفريقيا لتهدّد الأمن الدولي".
المغرب والجزائر
هل يصل الإرهاب إلى الشمال الإفريقي؟ يجيب جاسم محمد: "هناك إمكان لأن تحصل بعض الهجمات، وأن تستغل الجماعات المتطرّفة الحدود المفتوحة والجغرافيا الصعبة ما بين هذه الدول، لكن أجد أنّ هذه العمليات الإرهابية محدودة وغير نوعية، ناهيك بأنّ هناك جهوداً تُبذل صراحة في شمال إفريقيا وبخاصة في المغرب، تونس والجزائر، وهي لديها إدراك جيد أنّ هناك مخاطر عابرة للحدود. قد يكون صعباً منع حصول عمليات في شمال إفريقيا، لكنها قد تكون غير واسعة".
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ثقافة
4/19/2026 8:10:00 PM
إيرادات "سوبر ماريو غالاكسي" تقترب من 750 مليون دولار عالمياً.
ثقافة
4/20/2026 10:31:00 PM
لماذا يبدو "سوبر ماريو" معاصراً؟
لبنان
4/22/2026 10:26:00 PM
ما حصل مع آمال خليل قبل الاستهداف: تسلسل يكشف "جريمة موصوفة" بحق صحافيين في الطيري
لبنان
4/22/2026 10:39:00 PM
السفارة الأميركية في بيروت تدعو رعاياها لمغادرة لبنان فوراً، محذّرة من مخاطر أمنية متصاعدة تشمل الإرهاب والخطف والاضطرابات.
نبض