17-08-2020 | 10:00

بوتين أو الثورة ... لوكاشينكو بين نارين

لم تعد الاضطرابات التي تعيشها بيلاروسيا مجرد مسألة مرتبطة بالانتخابات الرئاسية وخلافاتها. هناك الان نار مشتعلة على أبواب موسكو
بوتين أو الثورة ... لوكاشينكو بين نارين
Smaller Bigger
 

 
لم تعد الاضطرابات التي تعيشها بيلاروسيا مجرد مسألة مرتبطة بالانتخابات الرئاسية وخلافاتها. هناك الان نار مشتعلة على أبواب موسكو، وفي قلب المشروع الأوراسي، والكسندر لوكاشينكو حائر ما بين "العشق المستحيل" مع فلاديمير بوتين، والنجاة من الثورة. 
 
وبخلاف الصورة المعممة اعلاميا الان بان الكسندر لوكاشينكو هو "رجل بوتين" في مينسك، فان العلاقة التي تجمعهما ليست بأحسن أحوالها. بوتين يطمع سياسيا بمزيد من الاندماج، ولوكاشينكو يطمع بمكاسب اقتصادية أكبر. 
 
ولهذا، فان لوكاشينكو في موقف لا يحسد عليه. اذ يبدو ان بوتين يستغل حركة الاحتجاج التي انفجرت في وجه رئيس بيلاروسيا بعد اعلان فوزه في الانتخابات الرئاسية، لانتزاع المزيد من التنازلات من لوكاشينكو، او تركه يواجه مصيره منفردا، وانما بشرط استراتيجي بالنسبة الى الكرملين : عدم السماح للغرب بالتوغل أمنيا واقتصاديا في "الفضاء الاوراسي". وفي الوقت نفسه، لا يستطيع لوكاشينكو التفلت من شباك بوتين التي تربطهما والذهاب الى أحضان "الناتو". 
 
اذا، لن يجلس بوتين مراقبا، وهو يشاهد الغرب يطرق أبواب موسكو من مسافة 500 كلم فقط، ويشدد الطوق من جهة حدود روسيا الغربية، بعدما أخرج جورجيا وأوكرانيا من من يدي موسكو، أو بشكل مفجع أكثر، استدرج الكرملين الى حربين في البلدين الجارين. ولن يكون بوتين سعيدا لمشاهدة أمور لا تقل خطورة، فخروج بيلاروسيا من عباءة نفوذه، يعني أيضا قطيعة جغرافية أكبر مع جيب كالينينغراد الروسي على بحر البلطيق، ويعني أيضا فقدان منافع مركزين عسكريين حيويين تستأجرهما موسكو للرصد الأمني والصاروخي في "بارانوفيتشي"و "فيليكا".
 
ومن هنا تكمن أهمية الاتصال الهاتفي الذي جرى بين بوتين ولوكاشينكو قبل يومين، حيث ذكر رئيس بيلاروسيا بعدها انهما تشاورا حول اتفاقات التعاون العسكرية المشتركة، التي ربما يأمل لوكاشينكو من خلالها بتذكير خصومه الداخليين أو المحرضين على "الثورة الملونة" ضده، بأنها تقتضي تدخلا عسكريا روسيا لانقاذه! 
 
مثل هذا الدعم العسكري الروسي محدد في سياق حماية بيلاروسيا من تدخل عسكري خارجي. ولهذا، فان لوكاشينكو ركز خلال الايام القليلة الماضية على اتهام المتظاهرين ضده بأنهم مدفوعين من "الخارج" لاسقاط الحكم، مستنجدا بذلك بجاره الصعب بوتين. 
 
وهناك بالفعل معاهدة لاقامة اتحاد بين الدولتين موقع منذ العام 1997، وتحول هذا الاتحاد في العام 2000 إلى "دولة الاتحاد -روسيا وبيلاروسيا"، بينما تحتفل موسكو ومينسك بيوم وحدة الشعبين الروسي والبيلاروسي في 2 نيسان (ابريل) من كل سنة. لكن بوتين كان يجد صعوبة أحيانا كثيرة في تعميق هذا الاندماج في الوقت الذي كان لوكاشينكو يحاول من جهته احيانا الرقص على حبال جبهتين متضادتين : الروابط الحتمية مع موسكو، والمنافع المحتملة للعلاقة المغرية مع الغرب. 
 
اذا، يجلس بوتين الان للقيام بحركة قطعة شطرنج حاسمة لمصالحه. لوكاشينكو "محشور" ومأزوم داخليا والتظاهرات تتجمع مجددا، فيما وعود الغرب لجيرانه الاخرين في جورجيا واوكرانيا، الغارقتان في أزماتهما اتضح انها ليست براقة ابدا. اللحظة مؤاتية لبوتين لجلب لوكاشينكو أخيرا الى بيت الطاعة بالكامل.