الولايات المتحدة
24-08-2024 | 11:50
مؤتمر الحزب الديموقراطي… مهرجان بهجة طويل لتقديم "القائدة الجديدة" إلى أميركا
مسرح يوم الخميس، الرابع والأخير، كان معداً بالكامل لكامالا هاريس نجمة وحيدة ستعلن باسم "الشعب" قبولها ترشيح حزبها الرسمي للانتخابات الرئاسية المقبلة
كامالا هاريس خلال المؤتمر الوطني الديموقراطي في شيكاغو (أ ف ب)
خاب أمل من كان ينتظر ظهوراً مفاجئاً للنجمة بيونسيه بعدما سرت شائعات بأنها ستغني في الليلة الأخيرة من المؤتمر الوطني للحزب الديموقراطي في شيكاغو.
فمسرح يوم الخميس، الرابع والأخير، كان معداً بالكامل لكامالا هاريس نجمة وحيدة ستعلن باسم "الشعب" قبولها ترشيح حزبها الرسمي للانتخابات الرئاسية المقبلة، قبل 75 يوماً على موعدها المقرر في الخامس من تشرين الثاني (نوفمبر).
نجوم الحزب الكبار أدوا واجبهم في الأيام الثلاثة السابقة. جو بايدن مرر إليها شعلة القيادة، وهيلاري كلينتون حملتها الوعد الذي عجزت عن تحقيقه بحمل لقب "أول رئيسة"، وبيرني ساندرز منحها بركة اليسار التقدمي في الحزب، و"الأوباماز"، ميشيل وباراك ألقيا خلفها ثقلهما كله، الشعبية الساحقة والقدرة الخطابية، والحنكة في استخدام السوشال ميديا لتهشيم صورة الخصم العنيد، إن مع ميشيل التي سألت دونالد ترامب إن كان يعلم أن المهنة التي يسعى إليها هي "سوداء" بدورها، أو مع باراك الذي حرك كفي يديه في إشارة "لئيمة" لشرح استغرابه من هوس ترامب بالأحجام، كبيرها وصغيرها.

نجوم السياسة هؤلاء، ومعهم عشرات الصاعدات والصاعدين من رفاقهم في الحزب والفنانين والناشطين، وصولاً إلى "الجنتلمان الثاني" دوغ إمهوف، تعاونوا جميعاً وبحماسة مطلقة على تركيب بازل صورة "القائدة" التي خرجت إلى الضوء في لحظة مصيرية، لتنقذ الحزب من الزلزال الذي أحدثه جو بايدن في مناظرة مشهودة سدد فيها اللكمات لنفسه وحزبه معاً وسقط في نهايتها بضربته الشخصية القاضية.
كان على الديموقراطيين التعامل مع المؤتمر بصفته ورشة عمل مكثفة لتقديم الوجه القديم - المتجدد للأميركيين. هاريس ليست معروفة كفاية على المستوى الوطني. قصتها وإرثها الماضي لم يسمعا بعد. انتخابات 2020 التي أوصلتها مع شريكها بايدن إلى البيت الأبيض كانت شبه افتراضية. المؤتمر نفسه جرى بين الشاشات وفي غرف الجلوس. يومها كان بايدن هو "القائد"، والمعركة تدور حول الخطر الداهم الذي يقطن في البيت الأبيض. وعلى الرغم من "تاريخية" ترشح امرأة، إلا أن هاريس بقيت في ظل رئيسها، وبقيت في الصف الثاني خلال الانتخابات وبعدها في المنصب. هكذا يكون نائب الرئيس في العادة، بخاصة خلال ولاية الرئيس الأولى. وهاريس مرت بسرعة على الانتخابات الرئاسية وأوقفت حملتها الرئاسية قبل انطلاق الانتخابات التمهيدية الديموقراطية لعدم كفاية التمويل. لم تسنح لها الفرصة لتقديم نفسها للأميركيين كرئيسة.
ومع أن انسحاب بايدن وتسميتها بديا معجزة أيقظت الديموقراطيين من موت سريري، إلا أن أميركا لا تعرفها كما تعرف دونالد ترامب المرشح للمرة الثالثة على التوالي. وفي دخولها المفاجئ إلى المعركة، كان على الديموقراطيين أن يشرحوا درس كامالا هاريس كي يطمئنوا الأميركيين أنها "جاهزة"، بعكس "الشكوك" التي راحت تتسرب من بايدن، خلال الفترة التي كان فيها مصراً على أنه الوحيد الذي يمكنه أن يهزم ترامب، والتي جاءت على صيغة استفسار بشأن "جهوزيتها"، أو حتى "أهليتها" للمعركة والمنصب.
هكذا جاء المؤتمر تتويجاً لجهد أسابيع في تقديم كامالا هاريس بصورها العديدة، وهي في الشكل والمضمون، النقيض التام لصور الملياردير الأبيض. في الجانب القصصي الذي يحبه الأميركيون، قدمها المتحدثون ابنة نموذجية للحلم الأميركي، تنتمي إلى عرقين "ملونين"، عملت إلى جانب دراستها في "ماكدونالدز" كما معظم مجايليها في الطبقة الوسطى، وحين صارت مدعية عامة استمرت بالدفاع عن طبقتها. الشابة التي جعلتها تجربة صديقتها ضحية الاعتداء الجنسي تختار القانون باباً لأخذ حقوق الناس، مدفوعة بالحس العميق بالتعاطف وبعنادها في سبيل تحقيق العدالة الاجتماعية. الشقيقة والخالة والصديقة والجارة والزميلة "الرائعة" دوماً وزوجة أب متفانية يناديها ابن دوغ وابنته "مامالا"، وتنشط والدتهما معهما في سبيل كامالا.
في الجانب الآخر، السياسي، هاريس تحمل خبرة عقود من العمل العام في ولايتها وفي الكونغرس وفي منصب نائبة الرئيس. وسؤال "قبول" أميركا للانتخابات أجابت عنه الموجة العارمة من الحماسة المستمرة منذ اليوم الأول لإعلانها ترشحها وصولاً إلى المؤتمر، وفي الأرقام القياسية للتبرعات لحملتها التي وصلت في شهر واحد إلى نصف مليار دولار.
فعل الحزب ما بوسعه من أجلها إذاً، ومن أجله بطبيعة الحال. آخر مؤتمر "شرعي" عقده كان في العام 2016، وصلت هيلاري كلينتون إلى ختامه ملأى برضوض الحرب الشرسة التي خاضتها مع يسار الحزب وكبيره بيرني ساندرز. وسمعت الكثير من صراخ الاستنكار يومها. شيكاغو في المقابل استقبلت هاريس بمهرجان فني طويل كان ترجمة للوصف الذي أطلقه نائبها تيم والز عن ترشحها وتحول إلى شبه شعار لحملتها: "البهجة". أصوات مندوبي الولايات التي تحدد الفائز بترشيح الحزب كانت تحفل في مؤتمرات سابقة بشجارات عنيفة ومفاجآت اللحظات الأخيرة وصفقات من تحت الطاولات وفوقها. في شيكاغو جرى التصويت في حفلة راقصة حرفياً، بمرافقة DJ وحضور رابر شهير، ومنافسة بين الولايات على إثارة الحماسة وإضحاك الموجودين والمشاهدين وتسليتهم.
هذه البهجة الشعبية المنقولة من الملاعب الرياضية إلى المؤتمر يحاول فيها الحزب نفي التهمة الملصقة به بأنه بات حزب الإيليت، كانت رداً على عبوس ترامب وتشاؤمه المطلق بشأن حاضر أميركا ومستقبلها في حال استمرت الإدارة الديموقراطية الحالية في الحكم.
وكما البهجة، كذلك كان "الأمل"، الشعار المستعار من حملة باراك أوباما التاريخية في العام 2008. الأمل المتعدد الغصون، بالحفاظ على حرية المرأة بحقوقها في ما يخص جسدها، التعددية العرقية والدينية والإثنية، حقوق الطبقة الوسطى، حقوق الأقليات والهويات الجندرية والميول الجنسية، استقلالية المدارس، ضبط التسلح بما يضمن إيقاف المآسي المتكررة بعد كل إطلاق النار الجماعي في مدرسة أو مجمع تجاري، حماية الديموقراطية في وجه خطر "مشروع 2025" اليميني المتطرف (الذي نفى ترامب مراراً علاقته به).
تخلل مهرجان البهجة الفائضة الكثير من التهويل من مخاطر ترامب، كما تخللته فسحات لتجارب مواطنين عاديين إن مع شركات الأدوية أو قصص شخصية مؤثرة روتها نساء كان الإجهاض مسألة حياة أو موت بالنسبة لهن في ولايات تحجب عنهن حقهن. لكن، وبينما سُمح لأفراد عائلة يهودية لأميركي مخطوف في غزّة بالتحدث، لم يعط الصوت الفلسطيني الأميركي أي فسحة لشرح المأساة المستمرة منذ عشرة أشهر، حتى لو اقتصرت على الجانب الإنساني كما مع العائلة اليهودية، مع أن الاحتجاجات السلمية لم تنقطع للحظة خارج المؤتمر. فضل الحزب إسكات الصوت الفلسطيني، ولم تتطرق كل الكلمات إلى الحرب التي تقسم قواعد الحزب، وترك الكلمة الأخيرة للقائدة الجديدة، على ما بدا.

هاريس تحدثت في القسم الأخير من خطابها عن الحرب. ببضعة أسطر مدروسة، قالت إنها ستدعم دائماً حق إسرائيل بالدفاع عن نفسها، لكنها ضد التهجير وخسارة "العديد من الأبرياء" أرواحهم، كما أنها مع حق "الفلسطينيين بالعيش بكرامة وحرية"، أي أنها لم تقل شيئاً مفيداً أو جديداً، في مقابل حماستها بالدفاع عن أوكرانيا والعلاقة مع الحلفاء الأوروبيين وإبقاء القوات المسلحة الأميركية "السلاح الأكثر فتكاً في العالم".
الدقائق السبع والثلاثون التي خاطبت فيها كامالا أميركا للمرة الأولى من منبر مرشحة رسمية للرئاسة، كان الجانب الدولي فيه ثانوياً ومن مجمل تقديمها نفسها في سعيها للحصول على الوظيفة المرموقة: أنها قادرة على حماية مصالح أميركا وصورتها كزعيمة للعالم الحر، بعكس غريمها. خطابها في الأصل بني على التناقض بينها وبين ترامب. تطرح نفسها ممثلة للتنوع والتعدد والتسامح والقانون، ويمكن إيلاؤها الثقة بالدفاع عن الشعب الذي أمضت حياتها كمدعية عامة "تترافع باسمه"، وستكون "رئيسة لكل الأميركيين وليس لجزء منهم"، وهذه عبارة لم يتفاداها مرشح للانتخابات منذ جورج واشنطن على الأرجح.
ما لم تأت كامالا هاريس على ذكره مباشرة هو أنها "امرأة" مرشحة، أو أنها من الأقليات العرقية، مع أنها تجمع في هاتين الصفتين رفيقيها هيلاري كلينتون وباراك أوباما. لكنها تركت لسيرتها الذاتية التي عرضتها أن تروي قصتها عنها، ابنة المهاجرة الهندية المطلقة التي رأت كيف عوملت بسبب لونها ولكنتها الصارخة ومع ذلك واجهت ونجحت.
مضمون خطابها حكى قصتها وأضاء على صفاتها التي تريد تسويقها لأميركا، ولم يخل من نقاط عامة تتعلق ببرنامجها الانتخابي. لكن الحكم الأول والأخير عليها كان في شكل إعلان نفسها نجمة جديدة في حزب يزدحم بالنجوم. ومن تفاعل الحاضرين الهستيري معها، ومن غبطة الإعلام الليبرالي الشديدة بها وبلحظتها "التاريخية" يمكن القول إنها نجحت في وضع القطعة الأخيرة من بازل صورة القائدة التي عمل الحزب على تركيبها خلال الأسابيع القليلة الفائتة. لم يشعر أحد بأي نقص بعد تخلف بيونسيه عن تلبية الإشاعة والغناء في مهرجان البهجة الديموقراطي.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
العالم العربي
3/11/2026 12:05:00 AM
أفيخاي أدرعي يرد على باسيل بعد تحميله إسرائيل مسؤولية الحرب
لبنان
3/10/2026 9:10:00 AM
أسعار المحروقات تشهد ارتفاعاً كبيراً
لبنان
3/11/2026 5:36:00 AM
"الجماعة الإسلامية" تنفي استهداف مكاتبها أو كوادرها بالغارة الإسرائيلية في بيروت
نبض