"سيصاب مجلس النوّاب بالشّلل. نستطيع توقّع أسبوع تلو أسبوع من الاقتراعات غير المجدية (لانتخاب رئيس المجلس) بينما لا يمكن خوض أيّ عمل آخر. سيفرح الديموقراطيّون بالخلل الوظيفيّ الجمهوريّ وسيشعر الجمهور عن حق بالاشمئزاز. سوف ينتهي الأمر عندما يكون الديموقراطيّون قادرين على تجنيد تجمّع ضئيل من الجمهوريّين للانضمام إلى تحالف من أجل إنهاء المأزق...".
هذا ما قاله النائب الجمهوريّ عن كاليفورنيا توم ماكلينتوك قبل التصويت النهائيّ الذي أطاح برئيس مجلس النوّاب كيفن مكارثي من منصبه. لم يحظَ مكارثي بوقت كافٍ ليهنأ بطعم الفوز في كانون الثاني (يناير) الماضي والذي أتى بعد جهود مضنية: 15 دورة اقتراع متتالية. في إحدى النواحي، هذا ما جناه مكارثي على نفسه. خلال المقايضات التي أجراها لتولّي رئاسة المجلس بعد الانتخابات النصفيّة الأخيرة، قبِل مكارثي بإمكانيّة أن يطرح مجرّد نائب واحد الثقة به. ربّما لم يكن مكارثي يدرك أن مثل هذا الاحتمال سيتحقّق؛ على الأقلّ ليس بهذه السرعة. في النهاية، كانت ولاية مكارثي ثالث أقصر ولاية في تاريخ رئاسة المجلس النيابيّ الأميركيّ. لكن في ظلّ حزب جمهوريّ منقسم على نفسه، مع تصاعد لتيّار "ماغا" الترامبيّ، كان هذا الاحتمال ممكناً، إن لم يكن مرجّحاً.
طرح النائب الجمهوريّ المتشدّد عن ولاية فلوريدا مات غايتز مذكّرة تعتبر "منصب رئيس مجلس النوّاب شاغراً". صوّت لمصلحة المذكّرة غايتز وسبعة جمهوريّين آخرين إلى جانب جميع النوّاب الديموقراطيّين. أقيل مكارثي من منصبه بنتيجة موافقة 216 نائباً ومعارضة 211 آخرين. أغضب مكارثي الجناح المتشدّد في الحزب الجمهوريّ لأنّه توصّل إلى اتّفاق موقّت مع الديموقراطيّين بشأن الموازنة لتجنّب إغلاق حكوميّ من دون تخفيض كبير في نسبة الإنفاق.
Any word for these eight Republicans who voted to oust Kevin McCarthy?
— Simon Ateba (@simonateba) October 4, 2023
They are - Matt Gaetz (FL) - Nancy Mace (SC) - Andy Biggs (AZ) - Matt Rosendale (MT) - Eli Crane (AZ) - Ken Buck (CO) - Tim Burchett (TN) - Bob Good (VA) pic.twitter.com/7eH9AiUYzW
"الكاريكاتور الحيّ"
"إنّه ليس سوى رأس جبل الجليد الترامبيّ الذي اصطدمت به تيتانيك الحزب الجمهوريّ"، كما كتب ريكس هوبكه في صحيفة "يو أس أي توادي". هوبكه الذي وصف غايتز بـ"الكاريكاتور الحيّ" أشار أيضاً إلى الاتّهام الموازي الذي وجّهه ترامب إلى مساعدة القاضي الناظر في قضايا احتيال محتملة لدى ترامب ومفاده أنّها كانت على علاقة مع زعيم مجلس الشيوخ الديموقراطيّ تشاك شومر. استند الاتّهام إلى رواية موقع محافظ ساخر لم يعد فاعلاً منذ زمن. لاحقاً، انتقد ترامب ما حدث في مجلس النوّاب قائلاً إنّ الجمهوريّين يتقاتلون في ما بينهم بدلاً من مواجهة "الديموقراطيّين اليساريّين الراديكاليّين الذين يدمّرون بلادنا".
ربّما ترامب نفسه غير بعيد عمّا أصاب الجمهوريّين. باتت قاعدته الشعبيّة المتأثّرة بسلوكيّاته مناهضة للتسويات مع الديموقراطيّين مهما كانت غايتها. بإمكان غايتز القول الآن إنّه لم يتراجع عن مواقفه السابقة بعكس مكارثي. من جهته، رأى النائب الجمهوريّ دان كرينشو على موقع "أكس" أنّ هناك فرقاً بين "من يقاتل من أجلكم" و"من يقاتل من أجل الحصول على اهتمامكم" في انتقاد لسياسة غايتز.
GOP learns the hard way: Turning the base up too high blows out your Speaker
— Lee Drutman ⚙️🏛 (@leedrutman) October 3, 2023
في مقابل هذا التخبّط الجمهوريّ بين تيّار "معتدل" وآخر "ترامبيّ"، علماً أنّ الحدود ليست دائماً واضحة بين التيّارين، ثمّة أسئلة عن سبب قبول الديموقراطيّين طلب غايتز بإسقاط مكارثي. لقد قام الأخير في مرّتين على الأقلّ بتسوية مع منافسيه في مجلس النوّاب كما حصل في قضيّة تفادي الإغلاق ورفع سقف الدين. من المرجّح أن يكون إعلان مكارثي فتحَ تحقيق لاتّهام الرئيس الأميركيّ جو بايدن الشهر الماضي أحد الأسباب البارزة لتلك الخطوة. واتّهم الجمهوريّون بايدن بالاستفادة من منصبه في نيابة الرئاسة (2009-2017) لإثراء ابنه هانتر. لكن ثمّة ما هو أبعد من قضيّة التحقيق.
"قطعوا رؤوسهم"
يبدو أنّ الديموقراطيّين راغبون بتحقيق استفادة قصوى من الفوضى الجمهوريّة في عام انتخابيّ حاسم. في ظلّ استطلاعات رأي بدأت تلمّح أكثر إلى فوز ترامب على بايدن في حال تواجها مجدّداً سنة 2024، حتى ولو بفارق واقع ضمن هامش الخطأ، بإمكان الديموقراطيّين تسليط الضوء على الفوضى الجمهوريّة كمثل عمّا ينتظر الناخبين لو صوّتوا لترامب في الانتخابات الرئاسيّة. هذا إلى جانب أنّه حتى ذلك الحين، سيتحوّل مركز الثقل في مجلس النوّاب أكثر باتّجاه اليسار طالما أنّ الديموقراطيّين أكثر تماسكاً، كما توقّع ماكلينتوك، النائب الجمهوريّ عن كاليفورنيا.
الأكيد أنّ الديموقراطيّين هم الأكثر استفادة على المستوى الانتخابيّ من كلّ ما يحصل، أو بالتحديد، بحسب افتتاحيّة صحيفة "وول ستريت جورنال"، من "قطع الجمهوريّين رؤوسهم". لكن ماذا على المستوى الوطنيّ؟ هنا تصبح الصورة أكثر قتامة. وهذا التوصيف ليس لجمهوريّين وحسب بل أيضاً لمحسوبين على التيّار الليبيراليّ.
مات لويس من موقع "دايلي بيست" كتب أنّ ما قام به الديموقراطيّون عبر ترفيع "أكثر الجمهوريّين جنوناً" (غايتز)، يمكن أن يكون فعّالاً، "لكنّه استراتيجيّة خطيرة حين تكون المخاطر بهذه الشدّة". من جهته، كتب كارل هولس في صحيفة "نيويورك تايمز" كيف تسنّت فرصة للديموقراطيّين كي يتصرّفوا بحسّ وطنيّ. أمكن لهم أن يقولوا بعد إنقاذ مفترض لمكارثي: "نحن فوق هراء حرب الثقافة، ولن نمتثل لانقلاب من قبل مات غايتز. لم يطلب أحد منّا إنقاذ مكارثي، لكنّنا فعلنا. هذا ما تفعله القيادة المسؤولة. تذكّروا أنّه في المرّة المقبلة التي يقول فيها الجمهوريّون إنّنا نحن المشكلة".
عن إشعال النار
المفارقة أنّ لويس وهولس كتبا عن الديموقراطيّين ليسوا مسؤولين عن إشعال النار، لكنّهم مسؤولون عن تأجيجها. وسأل هولس: "ألا تستحقّ أميركا حزباً راشداً واحداً على الأقلّ؟".
حتى بالنسبة إلى الديموقراطيّين، ليس كلّ المشهد عبارة عن مكاسب محتملة. "غياب الرشد" يمكن أن يفرض أيضاً أثماناً باهظة. بحسب "وول ستريت جورنال"، قد يفتقد الديموقراطيّون لمكارثي إذا أدّت الفوضى إلى إغلاق حكوميّ أو إلى رئيس جمهوريّ للمجلس أكثر تشدّداً من سلفه، أو حتى إلى إخفاق في تمرير المساعدات إلى أوكرانيا.
بهذا المعنى، ربّما باتت أميركا كلّها أشبه بسفينة "تايتانيك"، لا الحزب الجمهوريّ وحده.
نبض