23-08-2023 | 17:44

لماذا تنهار أرقام ديسانتيس؟

في وقت يسخر الجمهوريّون من تقدّم بايدن في السنّ، سيكون خيار ديسانتيس، 44 عاماً، أكثر منطقيّة من خيار ترامب الذي سيدخل عامه الثامن والسبعين الصيف المقبل. مع ذلك، تنذر الاستطلاعات العامّة للناخبين الجمهوريّين بنتيجة قاتمة لديسانتيس.
لماذا تنهار أرقام ديسانتيس؟
Smaller Bigger

"ترامب من دون العبء". هذا ما يوصف به حاكم ولاية فلوريدا رون ديسانتيس، وما أهّله ليكون محطّ أمل جمهوريّين ملّوا من "دراما" الرئيس السابق. ديسانتيس محافظ - بالتأكيد أكثر اعتناقاً للفكر والسلوك المحافظ من ترامب، على سبيل المثال، هو تزوّج مرّة واحدة ولم يتطلّق - كما أنّه ناجح في إدارة ولايته ونقلها من ولاية متأرجحة انتخابيّاً إلى أخرى جمهوريّة صلبة. يكفي أنّه تغلّب على منافسه الديموقراطيّ في انتخابات الحاكميّة الأخيرة بـ 20 في المئة من الأصوات تقريباً.

 

ولا يمكن نسيان الصفة التي يبحث عنها الجمهوريّون في الآونة الأخيرة: "المقاتل". قاتل ديسانتيس أفكار "اليقظة" التي روّج لها اليسار الهويّاتيّ الجديد من التعليم إلى الإعلام. في أحد الفيديوهات الترويجيّة للحاكم، يمكن سماع كيف أنّ "الله خلق مقاتلاً". يكاد شخص بمثل هذه الصفات أن يكون مثاليّاً بالنسبة إلى ناخبين مفترض أنّهم يبحثون عن شخص يعيد إليهم نكهة الفوز بعدما خسر حزبهم ثلاثة انتخابات عامّة متتالية. وفي وقت يسخر الجمهوريّون من تقدّم بايدن في السنّ، سيكون خيار ديسانتيس، 44 عاماً، أكثر منطقيّة من خيار ترامب الذي سيدخل عامه الثامن والسبعين الصيف المقبل. مع ذلك، تنذر الاستطلاعات العامّة للناخبين الجمهوريّين بنتيجة قاتمة لديسانتيس.

 

سقوطٌ شبه حرّ

لا يزال معدّل الاستطلاعات بحسب "ريل كلير بوليتيكس" يضع ديسانتيس في المرتبة الثانية بعد ترامب، وبفارق كبير جدّاً. في الواقع، لا ينفكّ هذا الفارق يتوسّع لمصلحة الرئيس السابق، إلى درجة أنّ مرشّحين جمهوريّين آخرين بالكاد جمعوا بضع نقاط مئويّة في الأشهر الماضية بدأوا يقتربون منه. في نيو هامشير مثلاً، يتأخّر ديسانتيس عن ترامب بـ 30 نقطة مئويّة (13.3 مقابل 43.3) لكنّ كريس كريستي الداخل حديثاً إلى السباق بات على بعد 5.3 نقاط مئويّة عن ديسانتيس. وفي الاستطلاعات العامّة بين الجمهوريّين يبتعد ديسانتيس عن ترامب بأكثر من 41 نقطة مئويّة، بينما لا يتقدّم على المرشّح الجمهوريّ فيفيك راماسوامي بسوى 7.1 نقاط مئويّة. على سبيل المقارنة، تقلّص الفارق بين ترامب وديسانتيس في آذار (مارس) إلى نحو 10 نقاط مئويّة فقط. هذا يعني أنّ ترامب وسّع الفارق مع منافسه بنحو أربعة أضعاف. تثير كلّ هذه الأرقام بالتالي السؤال البديهيّ: ما الذي حصل مع ديسانتيس؟

 

المقاتل المتردّد

بالرغم من أنّ حاكم ولاية فلوريدا يحبّ أن يصف نفسه بـ"المقاتل"، يبقى أنّ ثمّة حدوداً للأشخاص الذين يرغب بقتالهم. هو يتفادى إلى حدّ بعيد توجيه أيّ انتقاد لترامب إلّا إذا كان الأخير هو البادئ. حتى هذه القاعدة عرفت الكثير من الاستثناءات في السابق. بدأ ترامب بمهاجمة منافسه حتى قبل الانتخابات النصفيّة الأخيرة حين وصفه برون "ديسانكتيمونيوس" (أو مدّعي الرفعة الأخلاقيّة). تخلّى ديسانتيس أخيراً عن هذا التردّد. على سبيل المثال، أعلن في وقت سابق من هذا الشهر، أنّ ترامب خسر "بالطبع" انتخابات 2020 الرئاسيّة. وحين انتقد الرئيس السابق الأوضاع في ولاية فلوريدا بسبب سياسة "كوفيد-19" ردّ ديسانتيس مستغرباً انتقال عائلة ترامب بأكملها من نيويورك للعيش في فلوريدا خلال حاكميّته. الجواب منطقيّ لكن يبدو أنّه لم يساعده كثيراً على مستوى الأرقام.

 
 

قلّة قليلة من المرشّحين الجمهوريّين تريد الاصطدام مباشرة بترامب. يخشى بعضهم أن يفقد حظوظه سريعاً، ليس بالوصول إلى الرئاسة، بل بالخدمة في إدارة ترامب لو فاز مجدّداً. ليس واضحاً ما إذا كان لديسانتيس طموح كهذا. على أيّ حال، حذّر الخبير في الحملات السياسيّة كيث نوتون حاكم فلوريدا من التأخّر بمهاجمة ترامب، لأنّ ذلك سيُظهره ضعيفاً. جاء هذا التحذير في آذار (مارس) الماضي، ويبدو أنّه مصيب إلى حدّ كبير في أحد الجوانب على الأقلّ.

 

"رجل آليّ"

يشير مراقبون إلى أنّ ديسانتيس يفتقر للكاريزما. الأستاذ في جامعة برينستون ديفيد بيل لفت في موقع "أنهيرد" إلى أنّ ديسانتيس أظهر أنّه "ترامب من دون الكاريزما". فهو يفتقر لتواصل ترامب السهل مع عواطف الجمهور: لا يستطيع الاسترخاء، وصوته ممزوج بالتوتّر إلى جانب عدم تمتّعه بحسّ الدعابة. وفي لحظات حسّاسة، إمّا يبتعد ديسانتيس فجأة عن الجمهور أو يطلق "ضحكة مجنونة في محاولة محرجة" للتواصل معه. في الواقع، لم يستبعد بيل أن ينسحب ديسانتيس من السباق حتى قبل إجراء أوّل انتخابات تمهيديّة في 2024.

 

لم يكن بيل أوّل من يذكر افتقار حاكم فلوريدا لهذا النوع من الكاريزما ولن يكون الأخير على الأرجح. في 30 تشرين الثاني (نوفمبر) 2022، نقلت مجلّة "أتلانتيك" عن عدد من معارف ديسانتيس شكوكهم بإمكانيّة نجاحه في بناء روابط شخصيّة مع الناخبين. زميله الأسبق في الكونغرس (ديسانتيس كان نائباً بين 2013 و2018) كارلوس كوربيلو سأل: "هل سترغب بتناول البيرة معه؟". وأضاف: "كلّ الصفات الأخرى متوفّرة لديه. إنّه ذكيّ وكفوء وملتزم بعقيدته. عليه فقط أن يؤنسن نفسه" ويتخلّص من "هذه الصفة الروبوتيّة". لكن حتى لو تخلّص منها، فقد لا يكون قادراً على تخطّي ترامب.

 

الحصار لا الانتصار

لم يولّد ترامب مجرّد ترابط عاطفيّ مع جمهوره. لقد كان ذلك التعاطف جسراً نحو بناء مجتمع خاصّ بهؤلاء الناخبين تقوده صورة أبويّة في عالم مثير للارتباك على ما أوضحه الكاتب في صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانيّة جَنان غانيش. "لم أعد واثقاً بأنّ الناخبين الشعبويّين يريدون الفوز بالحرب الثقافيّة. مجرّد الوجود فيها يعطيهم المعنى. إذا كان ثمّة قاعدة، فهي أنّ ثمة المزيد من هويّة الجماعة في الخسارة، المزيد من التضامن تحت الحصار بالمقارنة مع الانتصار".

 

يفسّر كلّ ذلك جزءاً وازناً من سرعة تراجع شعبيّة ديسانتيس. يبدو أنّ الجمهور الواسع من المحافظين لا يهتمّ بالتفاصيل التقنيّة التي يغرق فيها حاكم فلوريدا، كما أنّ الاتّهامات الموجّهة إلى ترامب "تؤكّد"، بحسب تصوّر هؤلاء، وجود "حصار" على هذا المجتمع. يشدّد استطلاع تلو الآخر على أنّ الاتّهامات لا تعجز عن خفض شعبيّة ترامب وحسب، بل هي تزيدها في بعض الأحيان (دائماً بين الجمهوريّين).

 
 

لا يزال من المبكر الحديث عن فشل ديسانتيس أو عن حسم فوز ترامب في الانتخابات التمهيديّة. يشير البعض حتى إلى أنّ الجمهوريّين قد لا يختارون أيّاً منهما. لكن لغاية الآن، يمكن الإشارة إلى أنّ مسار حاكم فلوريدا الانتخابيّ تنازليّ لا تصاعديّ. بحسب ما يتبيّن، ليست الفاعليّة في الحكم أهمّ من إقامة روابط عاطفيّة مع الناخبين. أحياناً ترتدّ الخبرة التكنوقراطيّة أو البيروقراطيّة على أصحابها مهما كانوا أكفّاء. من يجد صعوبة في إدراك هذا الواقع فليس عليه سوى التأمّل بحال شعبيّة إيمانويل ماكرون.

 

الأكثر قراءة

النهار بيديا 10/29/2026 7:32:00 PM
عُيّن الأمير هاشم بن الحسين مستشاراً للعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني اعتباراً من 29 تشرين الأول/أكتوبر 2026، بعد مسيرة عسكرية وأكاديمية.
المشرق-العربي 10/28/2026 8:00:00 PM
"أدى مراسم الزيارة والصلاة داخل الصحن الشريف، واطلع بعدها على معالم المرقد".
اقتصاد وأعمال 10/29/2026 2:35:00 PM
يشكل اجتماع باريس خطوة تحضيرية لتوحيد الأرقام وتحديد الخيارات القابلة للتطبيق، قبل مناقشتها مع صندوق النقد الدولي.
أوروبا 10/29/2026 10:18:00 PM
من بريطانيا وفرنسا إلى ألمانيا ودول الشمال الأوروبي والولايات المتحدة والهند وأستراليا، تتعدد توصيات الاستعداد للأزمات، من تخزين الطعام والمياه لعدة أيام إلى تجهيز حقائب الطوارئ تحسباً لتعطل الخدمات الأساسية والكوارث.