17-08-2023 | 05:50

طيف أفغانستان يطارد بايدن في أوكرانيا

سيؤثّر ذلك على حظوظه الانتخابيّة
طيف أفغانستان يطارد بايدن في أوكرانيا
Smaller Bigger

أسوأ الذكريات السياسيّة للرئيس الأميركيّ جو بايدن يستحضرها شهر واحد. حين أمر بايدن قوّاته بالانسحاب من أفغانستان في نيسان (أبريل) 2021، لم يكن يعلم أنّ جميع التداعيات السلبيّة لقراره ستتكثّف في آب (أغسطس) من السنة نفسها: سيطرة "طالبان" على البلاد في بضعة أسابيع، وإعادة مشاهد فوضى الانسحاب من فيتنام لكن هذه المرّة مع نقل مباشر، ومقتل 13 جندياً أميركياً بعد تفجير انتحاريّ في كابول.

 

ببساطة، سقطت جميع وعود بايدن الإعلاميّة في أقلّ من 31 يوماً. لقد كان آب 2021 المحطّة التي دفعت صافي تأييد بايدن الشعبيّ إلى النطاق السلبيّ، ولمّا تتعافَ هذه الأرقام منذ ذلك الحين. لكنّ بايدن لم يدفع ثمن قراره من الرصيد الشعبيّ وحسب.

 

يشير كثر إلى أنّ الانسحاب من أفغانستان قد يكون العامل الأهمّ الذي شجّع الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين على غزو أوكرانيا. في الواقع، كان هذا رأي غالبيّة من الأميركيّين في فترة من الفترات. المعادلة واضحة: من يعجز عن تحمّل إبقاء ولو قوّة صغيرة في بلد كان مقرّ التخطيط لهجمات 11 سبتمبر فسيكون أعجز عن الاهتمام بدولة أقلّ محوريّة للأمن القوميّ الأميركيّ كأوكرانيا.

 

فرصة للتّعويض

بعد الغزو، اندلع جدل في الولايات المتحدة عمّا إذا كان الغزو الروسيّ لأوكرانيا سيحصل لو ظلّ دونالد ترامب رئيساً للبلاد. يفترض الجمهوريّون أنّ ذلك ما كان ليحدث بما أنّ ترامب أقدر من بايدن على توجيه إشارات تحذيريّة صارمة إلى خصوم الولايات المتحدة. بصرف النظر عن مدى صحّة هذا التقييم، يبقى أنّه لو أصرّ ترامب على قراره بالانسحاب من أفغانستان فمن المرجّح أن تكون النتيجة مماثلة.

 
 

(بايدن يلقي كلمة عن قراره بشأن أفغانستان - أ ب)

 

منح بوتين بايدن فرصة للتعويض عبر دعم أوكرانيا. لكن في البداية، لم يرغب الرئيس الأميركيّ بانتهازها. عرض بايدن على الرئيس الأوكرانيّ فولوديمير زيلينسكي نقله إلى خارج البلاد. لكنّ زيلينسكي لم يكن أشرف غني. "أريد ذخيرة لا رحلة"، قال الرئيس الأوكرانيّ. ومع صمود أوكرانيا الذي خالف توقّعات العالم أجمع خلال الأيام القليلة الأولى، اقتنع بايدن بأنّ دعم كييف عسكرياً هو الخيار الأمثل، إن لم يكن الخيار الوحيد المتاح أمامه. لكنّ اعتناق هذا الخيار جاء ملتبساً.

 

التردّد القاتل

لا تزال إدارة بايدن بطيئة في دعم أوكرانيا عسكرياً وسياسياً. هذا التباطؤ علامة من علامات الضعف التي يبني عليها بوتين حساباته لخوض معركة طويلة المدى مع أوكرانيا. حتى بعد موافقة واشنطن على نقل بعض الأسلحة التي طلبتها أوكرانيا، لم تصل إلى كييف كامل الكمّيّة التي وُعدت بها في بعض الأحيان. وأظهر تقرير حديث لصحيفة "واشنطن بوست" كيف أنّ معظم التحصينات الروسيّة في الشرق الأوكرانيّ بنتها القوّات الروسيّة خلال الفترة التي كانت الولايات المتحدة تستغرق وقتها لدراسة ما يجب إرساله إلى كييف. قمّة فيلنيوس كانت مثلاً آخر على تردّد بايدن في منح كييف العضويّة الأطلسيّة التي انتظرتها فترة طويلة.

 

واضحٌ أنّ بايدن يريد تجنّب "استفزاز" روسيا كي لا يدخل في صدام مباشر معها. لتحقيق هذا الهدف، يعتمد سياسة إسقاط "الخطوط الحمراء" لموسكو بالتدرّج وعلى فترة زمنيّة طويلة. هذه السياسة ناجحة تماماً لغاية اللحظة. لكنّ نجاحها مكلف. ما دام الدعم الأميركيّ لأوكرانيا مشروطاً بـ"عدم استفزاز" روسيا ستظلّ الأخيرة قادرة على إدارة المعركة وفق توقيتها: إرسال الأسلحة بالتدرّج إلى كييف يعني أنّ لدى موسكو هامشاً زمنياً مريحاً لتدميرها. وهذا ما أثبتته التطوّرات الميدانيّة للهجوم الأوكرانيّ المضادّ.

 

رمز جديد

لا ترهق السياسة الأميركيّة القوّات الأوكرانيّة من الناحيتين الماديّة والبشريّة فقط. درّب الغرب الأوكرانيّين على العقيدة القتاليّة الأطلسيّة التي تعتمد على التفوّقين الجويّ والناريّ، لكنّه لم يؤمّن عناصرهما للأوكرانيّين. اضطرّت أوكرانيا لإعادة تعديل خططها بعدما خسرت وقتاً ثميناً خلال الاستعداد للهجوم المضاد، كما بعد إطلاقه في أوائل حزيران (يونيو). يضاف إلى كلّ ذلك التوتّر الناجم عن سوء التفاهم بين الطرفين. هذا ما حصل مثلاً حين انتقد الجيش الألمانيّ الأوكرانيّين لحصر الوحدات المهاجمة بعشرين إلى ثلاثين شخصاً، وهو رقم غير كافٍ لتحقيق نتائج ملحوظة.

 
 
 

(قصف أوكراني على مواقع روسية في باخموت - أب)

 

بعد آب 2021، لم تعد أفغانستان ترمز فقط إلى الوحول التي أغرقت آلاف المقاتلين السوفيات والأميركيّين، علماً أنّ وضع القوّات الأميركيّة خلال الأعوام الأخيرة التي سبقت الانسحاب لم يكن سلبياً إلى حدّ كبير: نحو عشرين قتيلاً سنوياً بين 2015 و2019. بشكل أخطر، مثّلت أفغانستان مرادفاً لتآكل قدرتي أميركا على التحمّل واتّخاذ قرارات جريئة حتى ولو خدمت أمنها القوميّ في المدى البعيد. وهذه كلفة إضافيّة قد يدفع ثمنها بايدن السنة المقبلة.

 

في آب 2024، ستكون أفغانستان في مقدّمة الملفّات التي يلوّح بها الجمهوريّون لتذكير الناخبين بضعف القيادة الأميركيّة على المستوى العالميّ في عهد الإدارة الحاليّة. سيردّ بايدن وفريقه على الأرجح بأنّ القيادة الأميركيّة تجلّت في توحيد الغرب ودفعه إلى توفير دعم عسكريّ غير مسبوق لأوكرانيا. لكنّ هذا النجاح لن يحجب المأزق الأفغانيّ. وقد لا يحجب أيضاً مأزقاً آخر في المدى المنظور.

 

حاجة ماسّة

إنّ الدعم العسكريّ لأوكرانيا، بهذه الطريقة المتدرّجة، ربّما يوصلها إلى حائط مسدود. لا يزال أمام أوكرانيا نحو شهرين ونصف شهر في أفضل الأحوال لتحقيق اختراق نوعيّ يتمثّل بالوصول إلى مدن مهمّة مثل ميليتوبول أو حتى توكماك. ثمّ سيتعيّن عليها الاستراحة في الشتاء وإعادة تشكيل ألوية جديدة، إذا كانت قادرة على ذلك. لكن في تلك الأثناء، ستحصّن روسيا خنادقها أكثر مع الدفع بقوّات روسيّة جديدة بعد إعلان محتمل عن تعبئة أخرى. نظرياً، ستكون مهمّة المدافعين، أي الروس في هذه الحالة، أسهل من مهمّة المهاجمين، على الأقلّ قياساً بتطوّرات الشهرين الماضيين. بذلك، إنّ احتمال سلوك أوكرانيا مساراً تنازلياً من حيث القدرة على حشد المقاتلين والعتاد بعد أشهر قليلة هو احتمال واقعيّ.

 
 

(قصف روسيّ على ميكولاييف - أ ب)

 

حينها، قد يأتي انسداد الأفق أمام أوكرانيا أقسى وقعاً بما أنّه أعقب مرحلة من التفاؤل الكبير في إمكانيّة دحر القوّات الروسيّة عن كامل الأراضي الأوكرانيّة. وقد يكون ترامب المشكّك في تسليح أوكرانيا أوّل من يلوّح بورقة البطء الديموقراطيّ في نقل الدعم العسكريّ إلى كييف. والدليل إلى ذلك أنّ هذا ما قاله ترامب في المرحلة الأولى من الحرب.

 

بطبيعة الحال، تمتلك أوكرانيا لغاية اليوم زمام المبادرة في الهجوم. بالرغم من انطلاق العدّ التنازليّ، لا يزال الوقت متاحاً أمامها لتحقيق أيّ اختراق نوعيّ، خصوصاً مع إدخال مقاتلات "أف-16" ودبابات "أبرامز" وربما صواريخ "توروس" الألمانيّة إلى الميدان السنة المقبلة. سيكون بايدن بحاجة ماسّة إلى مثل هذا الاختراق لتقديمه أمام الرأي العامّ الأميركيّ في النصف الثاني من 2024. بدونه، سيبدو طيف أفغانستان أكبر وأثقل.

 

الأكثر قراءة

النهار بيديا 10/29/2026 7:32:00 PM
عُيّن الأمير هاشم بن الحسين مستشاراً للعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني اعتباراً من 29 تشرين الأول/أكتوبر 2026، بعد مسيرة عسكرية وأكاديمية.
المشرق-العربي 10/28/2026 8:00:00 PM
"أدى مراسم الزيارة والصلاة داخل الصحن الشريف، واطلع بعدها على معالم المرقد".
اقتصاد وأعمال 10/29/2026 2:35:00 PM
يشكل اجتماع باريس خطوة تحضيرية لتوحيد الأرقام وتحديد الخيارات القابلة للتطبيق، قبل مناقشتها مع صندوق النقد الدولي.
أوروبا 10/29/2026 10:18:00 PM
من بريطانيا وفرنسا إلى ألمانيا ودول الشمال الأوروبي والولايات المتحدة والهند وأستراليا، تتعدد توصيات الاستعداد للأزمات، من تخزين الطعام والمياه لعدة أيام إلى تجهيز حقائب الطوارئ تحسباً لتعطل الخدمات الأساسية والكوارث.