كانت لافتة "استفاقة" أنقرة المتأخّرة أمس على تصريحات للمرشّح الديموقراطيّ جو بايدن أدلى بها منذ تسعة أشهر. صحيح أنّ تلك التصريحات لقيت مؤخّراً انتشاراً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعيّ، لكنّ الإعلام التركيّ كان قد نشرها على صفحاته منذ أشهر. فهل كانت أنقرة منشغلة عن قراءة تحليلات الإعلاميّين الموالين لها والتي تحذّر من فوز بايدن؟ أم أنّها علمت بها في السابق لكنّ انتشارها الأخير اضطرّها إلى الردّعلى المرشّح الديموقراطيّ؟
كانت رئاسة دونالد ترامب إيجابيّة بالنسبة إلى "حزب العدالة والتنمية" إلى درجةٍ يُستبعد معها أن يستطيع أيّ رئيس آخر تأمين المزايا التي قدّمها الرئيس الحاليّ إلى تركيا. حتى العقوبات التي فُرضت على أنقرة في بعض مراحل ولايته كانت أقلّ ممّا أوصى بها الكونغرس.
ففي مسائل بالغة الحساسيّة لأمن الولايات المتّحدة و"حلف شمال الأطلسيّ" ككلّ، مثل شراء منظومة "أس-400"الروسيّة، لم تكفّ الإدارة الحاليّة عن مدّ الرئيس التركيّ رجب طيّب إردوغان بحبال نجاة. لكنّ الأخيرلم يُعرها كبيرَ اهتمام ربّما لإدراكه أنّ ترامب لن يذهب بعيداً في اتّخاذ إجراءات عقابيّة ضدّ بلاده. لكن مع بايدن "الرئيس"، من المتوقّع أن يطرأ تغيير كبير في ما يخصّ "التساهل" التي أبدته واشنطن مؤخّراً تجاه الحكم التركيّ.
تعهّدات جذريّة
بدأت ريبة الإعلام التركيّ من سياسة بايدن تجاه أنقرة تظهر منذ أشهر عدّة. في 9 آذار 2020، رصد علي شينار في شبكة "تي آر تي" أبرز مواقف بايدن خلال المناظرات التمهيديّة للحزب الديموقراطيّ. فقد أعلن النائب السابق لباراك أوباما أنّه سيعترف بالإبادة الأرمنيّة بينما انتقد تخفيض ترامب عدد القوّات الأميركيّة في سوريا قائلاً إنّ المقاتلين الأكراد تعرّضوا للخيانة من الإدارة الأميركيّة.
وأشار إلى أنّ الديبلوماسيّ السابق بريت ماكغورك الداعم للفصائل الكرديّة المقاتلة هو مستشار في حملة بايدن الانتخابيّة. واعتقد شينار بأنّ بايدن لن يقوم بأيّ تحرّك ضدّ مؤيّدي الداعية فتح الله غولن الذي تتّهمه أنقرة بالوقوف خلف الانقلاب، مضيفاً أنّ بايدن يعارض إبقاء الأسلحة النوويّة في قاعدة إنجرليك.
يثير مجرّد الحديث عن الاعتراف بالإبادة الأرمنيّة غضب أنقرة. فهي ترفض استخدام كلمة "إبادة" وتقول إنّ مجازر متبادلة حدثت بين الطرفين خلال حرب أهليّة. إنّ إيفاء بايدن بهذا الوعد يعني دقّ إسفين كبير في الروابط الثنائيّة. اعترف مجلس النوّاب الأميركيّ بالإبادة في تشرين الأوّل 2019 وبغالبيّة ساحقة. قال حينها بايدن إنّ القرار "يكرّم ذكرى الضحايا".وفي كانون الأوّل، تبنّى مجلس الشيوخ نصّاً "من أجل إحياء ذكرى الإبادة الأرمنيّة عبر الاعتراف بها رسميّاً".
عاود بايدن في 24 نيسان، وهو تاريخ يحيي فيه الأرمن وأقلّيّات أخرى ذكرى الإبادة، التعهّد "بدعم قرار يعترف بالإبادة الجماعيّة للأرمن" في حال فوزه بالانتخابات. وأضاف في بيان أنّه "إذا لم نعترف بشكل كامل بالإبادة، ولم نُحْيِ ذكراها ونُحدّث أبناءنا عنها، فكلمات ‘لن تتكرّر مجدّداً‘ تفقد معناها". ولطالما تفادى الرؤساء الأميركيّون ومن بينهم ترامب هذه الخطوة أو حتى استخدام هذا التوصيف في خطاباتهم.
أمّا رفض بايدن لوجود رؤوس نوويّة في محطّة إنجرليك فَيَشي ببروز "فالق زلزاليّ" في العلاقات بين الولايات المتّحدة وتركيا. إذا أمر بايدن "الرئيس" بسحب هذه الأسلحة من القاعدة العسكريّة التركيّة فدلالة ذلك أنّ ثقة واشنطن بأنقرة كحليف أطلسيّ قد انتفت تماماً. بالتالي، إنّ أيّ علاقة تحت المظلّة الأطلسيّة تصبح مجرّدة من أيّ مضمون. وقد تكون خطوة بايدن المحتملة سبباً مباشراً لتفكير تركيا جدّيّاً بالانسحاب من "حلف شمال الأطلسيّ".
لا "أيّام مشمسة"
مع مرور الوقت وارتفاع حظوظه بالفوز في انتخابات تشرين الثاني، ازدادت حدّة التعليقات في الإعلام التركيّ ضدّ بايدن. في 29 أيّار، كتب أستاذ التاريخ في جامعة سابانجي التركيّة الدكتور آدم ماكونيل أنّ بايدن سيواجه أنقرة على نطاق واسع من المسائل الخارجيّة.استرجع ماكونيل في "وكالة الأناضول" مقابلة بايدن مع صحيفة "نيويورك تايمس" في كانون الأوّل الماضي والتي تذكّرتها تركيا أمس.خلال تلك المقابلة، وصف بايدن إردوغان بأنّه "مستبدّ" واعداً بضرورة تعزيز دور المعارضة التركيّة كي تُسقِط الرئيس التركيّ "لا عبر انقلاب، بل عبر مسار انتخابيّ".
وعن التوغّل التركيّ في شمال سوريا والذي سمحت به إعادة انتشار مفاجئة قرّرها ترامب، قال بايدن إنّه يجب على إردوغان "أن يدفع الثمن". وأشار ماكونيل إلى مقطع آخر من الحديث، حيث شدّد بايدن على أهمّيّة "أن نجتمع مع حلفائنا في المنطقة والتعامل مع كيفيّة عزلنا لتصرّفاته في المنطقة، خصوصاً في شرق المتوسّط بما يتعلّق بالنفط ومروحة واسعة من الأمور الأخرى".
لم يكن ماكونيل الوحيد الذي اعتقد أنّ فوز بايدن لا ينبئ "بأيّام مشمسة" للعلاقات الأميركيّة-التركيّة. في الذكرى الرابعة للانقلاب الفاشل ضدّ إردوغان، استذكر باتو غوشكون في 16 تمّوز (يوليو) الماضي كيف جاء ردّ إدارة أوباما على محاولة الانقلاب فاتراً. فضّل غوشكون في صحيفة "دايلي صباح" التركيّة بشكل صريح انتصار ترامب في الانتخابات، مشيراً إلى أنّه والرئيس التركيّ يناديان بعضهما البعض ب "الصديق"، إضافة إلى أنّ ترامب يواجه "المؤسّسة" في واشنطن.
ورأى الكاتب نفسه أنّ بايدن يمثّل تلك "المؤسّسة" التي تملك نظرة عالميّة "لا يمكن مصالحتها" مع النظرة التركيّة، ومن بينها العلاقة الأمنيّة مع الفصائل الكرديّة والسماح لغولن وأتباعه بمواصلة "عمليّاتهم غير المشروعة" على الأراضي الأميركيّة. وتخوّف أيضاً من أن يقلب بايدن قرار ترامب في ما خصّ وقف العقوبات الأميركيّة على تركيا لشرائها منظومة "أس-400".
ضحيّة محتملة
إنّ مبرّرات قلق أنقرة من فوز بايدن مستندة إلى مواقف لا لبس فيها للمرشّح الديموقراطيّ.لقد وصف الباحثان أيكان إردمير وفيليب كوالسكي بايدن بأنّه سيكون "أكثر رئيس أميركيّ تأييداً للأكراد" وهذا وحده كافٍ لإيقاظ أسوأ مخاوف إردوغان.
ليس بالضرورة أن تُترجم هذه التصريحات، كلّيّاً أو جزئيّاً، عبر قرارات سياسيّة ضدّ أنقرة تتّخذها واشنطن تحت قيادته. ففي ظلّ الانقسام السياسيّ الأميركيّ الحادّ، يمكن أن يصبّ قسم من هذه المواقف في إطار المناكفات السياسيّة أو كسب بضع النقاط الانتخابيّة. لكن إذا كانت هذه التصريحات تمثّل حقّاً موقفاً مبدئيّاً لبايدن، فستتعرّض تركيا لضغط كبير من الولايات المتّحدة. وموقعها الإقليميّ سيكون ضحيّته المحتملة.
نبض