15-08-2020 | 13:33

ماذا يخفي قناع كامالا هاريس بالسياسة الخارجية ؟

كامالا هاريس ما زالت مجهولة دوليا. لكنها قد تكون أول سيدة تدخل الى البيت الابيض لتحكم من خلال منصبها. ولهذا، يود كثيرون بشدة ان يروا هذا الوجه عن كثب
ماذا يخفي قناع كامالا هاريس بالسياسة الخارجية ؟
Smaller Bigger
 

بخلاف المرشح الديموقراطي للرئاسة الاميركية جو بايدن، فان نائبته التي اختارها قبل أيام كامالا هاريس لا يحمل سجلها ما يعكس خبرة وحنكة في التعامل مع قضايا السياسة الخارجية، لكن ذلك لا يمنع محاولة رسم ملامح أولى لتوجهاتها على صعيد قضايا الشرق الاوسط والعالم، وفهمها. 

وبالنظر الى سنواته الطويلة في البيت الابيض الى جانب باراك اوباما، وتوليه العديد من ملفات السياسة الخارجية، بما في ذلك الملف العراقي والوجود العسكري الاميركي فيه، فان بايدن يبدو أكثر الماما بقضايا العالم مقارنة بنائبته التي يبدو انها اختيرت بسبب "جاذبية" عملها على صعيد ملفات اميركية داخلية، أكثر من كونها ضليعة بأزمات العالم وصراعاته الساخنة. 

واذا كان بايدن سينحو الى الاتكال على كامالا هاريس أكثر من المعتاد بتولي مهمات واعباء كثيرة نيابة عنه، بالنظر الى كبر سنه النسبي، فمن المرجح ان تضطر هاريس الى الخضوع لأضواء الاعلام والاهتمام العالمي اذا ما قدر لها ان تنفذ تكليفات خاصة باسم البيت الابيض على المشهد الدولي. 

كما انها ستخضع لاختبارات مبكرة حول مدى المامها بشؤون العالم خلال الثمانين يوما التي تفصلنا عن موعد الانتخابات، ومن المحتمل جدا ان تكون ثغرة خطيرة في حملة بايدن، أمام دونالد ترامب الذي يتفنن في لدغ خصومه الداخليين في نقاط ضعفهم. 

اذا، فهم كامالا هاريس يصبح أكثر من ملح. لكن التدقيق الأولي، يشي بأن هذه السيدة لا يمكن تصنيفها الان ضمن ايديولوجيا محددة. مبهمة في مواقف كثيرة، عمومية هي أكثر مما يجب. لا تنتمي مثلا الى التيار التقدمي المتصاعد داخل الحزب الديموقراطي، أي حزبها، لكنها قريبة منه ويمكنها استقطاب بعض شرائحه. وهي بالتأكيد ليست يسارية (بالمعنى الاميركي)، وفي الوقت نفسه لا تنتمي الى اليمين التقليدي، ولا الى "تيار اوباما" الذي ما زال حاضرا في مفاصل الحزب والحياة السياسية الاميركية. 

لكن كل ذلك قد لا يكون مهما. سبق لكامالا هاريس ان اتخذت مواقف محددة في قضايا تتعلق بشؤون العالم والمنطقة العربية. ومن خلالها، يمكن القاء الضوء على بعض افكارها، مع العلم ان ما يتخذه السياسيون من مواقف خلال عملهم التشريعي، او الحزبي، او خلال مراحل ما قبل الصراعات الانتخابية، لا تتطابق بالضرورة مع أولويات عملهم ونهجهم السياسي في ما بعد الوصول الى مناصبهم سواء في الكونغرس او في البيت الابيض او وزراة الخارجية وغيرها. 

يتم تداول خطاب لكامالا هاريس القته امام مؤتمر "ايباك" قبل عام، تشهر فيه بعض المواقف "المستفزة". تقول هاريس "دعم اميركا لأمن اسرائيل يجب ان يكون صلبا كالصخر ... وبينما تطلق ايران صواريخها الباليستية وتسلح حزب الله، يجب علينا ان نقف الى جانب اسرائيل ...وفيما تسيطر حماس على غزة وتطلق صواريخ على حدود اسرائيل الجنوبية، علينا ان نقف الى جانب اسرائيل... وفيما تزعزع داعش والحرب الاهلية في سوريا، استقرار المنطقة وتشرد ملايين الناس وتهدد المصالح الامنية المشتركة، علينا ان ندعم هؤلاء الذين يتأثرون بالعنف والارهاب القائم، ويجب ان نقف الى جانب اسرائيل". 

وتتابع هاريس "علاقتنا العسكرية مهمة لكلا الدولتين. ولهذا ادعم التزام الولايات المتحدة بان تقدم ال38 مليار دولار كمساعدة عسكرية لاسرائيل خلال العقد المقبل" مشيرة ايضا الى تأييدها للدعم الاميركي الكامل لانظمة الصواريخ والانظمة الصاروخية المضادة لاسرائيل لانقاذ الارواح.. وابقاء اسرائيل متفوقة عسكريا". 

تخلص الى انه "ينبغي ألا تكون إسرائيل قضية حزبية على الإطلاق". سألتها صحيفة "نيويورك تايمس" الاميركية العام الماضي عما إذا كانت تعتقد أن إسرائيل ملتزمة بمعايير حقوق الإنسان، قالت "بشكل عام، نعم". 

كأن هاريس "هيلاري ثانية، ببشرة سوداء"!

سبق لها ان التقت بنيامين نتنياهو العام 2017. صوتت في مجلس الشيوخ على قرار يحتفل بالذكرى الخمسين ل"توحيد القدس". صوتت ايضا لصالح قرار في مجلس الشيوخ يعارض قرارا لمجلس الامن الدولي (2334) يوجه ادانة لاسرائيل بسبب سيياسة الاستيطان في الضفة الغربية. القرار تم تمريره في مجلس الامن الدولي بدون "الفيتو" الاميركي. أوباما وبايدن كانا في البيت الابيض وقتها. 

 

وفي المقابل، وكغالبية الديموقراطيية، عارضت خطط اسرائيل لتطبيق سياسة الضم على اجزاء من الضفة الغربية، وانما على قاعدة ان الخطوة "احادية.. وتلحق ضررا باسرائيل". وقد كتبت ذلك لترامب نفسه موضحة بعد التأكيد على "دعمها الثابت لامن اسرائيل"، انه تشعر "بقلق عميق إزاء تحذيرات بعض أبرز قادة الدفاع والاستخبارات الإسرائيليين السابقين بشأن الضم الذي يعتقدون أنه قد يؤدي إلى صراع خطير وانهيار إضافي للتعاون الأمني مع قوات الأمن الفلسطينية، وتشويش العلاقات السلمية بين إسرائيل وجاريها الأردن ومصر". 

وفي السياق، عندما تعرضت النائبة الاميركية الهان عمر لانتقادات اتهمتها بمعاداة السامية بسبب موقفها الايجابي من قضية فلسطين، كانت كامالا هاريس من بين القلة في المشهد السياسي الاميركي الذيين تجرأوا على الدفاع عنها وقالت ان احترام النقاش ضروري وان انتقاد السياسات والسياسيين شيء ومعادة السامية شيء آخر. 

في أول مؤتمر صحافي لها بعد اختيار بايدن لها، سخرت من ترامب لانه يستخدم "تويتر" للاعلان عن السياسات الخارجية قائلة "لا يمكننا إدارة سياستنا الخارجية من خلال التغريدات"، مؤكدة انه في الأمور العسكرية "علينا التشاور مع قادتنا العسكريين او على الاقل التواصل مع حلفائنا في جميع أنحاء العالم". 

هذ مؤشر ربما من جانب هاريس للتمرد على نزعة ترامب الفردية في اتخاذ القرارات، والميل نحو العمل التشاوري على مستوى قضايا العالم. قبل ثلاثة اعوام، نقل عنها قولها مثلا "المساعدات الخارجية ليست صدقة ... إنها في مصلحتنا". 

هي من مؤيدي انسحاب القوات الاميركية من افغانستان بعد 20 سنة على الغزو الاميركي لهذا البلد، ومع ايجاد حلي سياسي للقضية الافغانية. وهي من معارض حرب اليمن ايضا. وهي في الوقت نفسه من مؤيدي نظرية اتهام روسيا بالتدخل في نتائج الانتخابات الاميركية واسقاط هيلاري كلينتون في العام 2016 مساعدة لترامب. تنتقد ايضا خروج اميركا من اتفاق باريس للمناخ وتريد العودة اليه، وترفض السلوك الصدامي لترامب مع حلفاء الناتو، وما تراه تقاربا بينه وبين فلاديمير بوتين في روسيا. 

وهي من منتقدي مسائل حقوق الانسان في الصين وفي هونغ كونغ تحديدا. وعلى الرغم من انها انتقدت سابقا سياسات الصين الاقتصادية التي تلحق ضررا بالمصالح الاميركية الا انها انتقدت أيضا الحرب التجارية التي اعلنها ترامب عليها، وتعارض اجراءاته لفرض رسوم عقابية على الصادرات الصينية. 

في سوريا، وبعد اثارة اتهامات للنظام باستخدام اسلحة كيميائية في خان شيخون العام 2017، نقل عنها قولها ان الرئيس السوري بشار الاسد "ليس فقط ديكتاتوراً وحشياً ضد شعبه، بل مجرم حرب، لا يمكن للمجتمع الدولي أن يتجاهله"، داعية ترمب إلى وضع استراتيجية مع الكونغرس حول سوريا بالتنسيق مع الحلفاء. 

اما حول ايران، فانها من "جماعة اوباما" المؤيدين للاتفاق النووي الذي أبرمه مع طهران قبل خمسة اعوام، وتعتبر ان انسحاب ترامب منه، اضر بالمصالح الاميركية والأمن القومي ويثير مخاوف من اندلاع "صراع كارثي" في الشرق الأوسط. اتهمت ترامب بانه بخروجه هذا "عزل أميركا عن أقرب حلفائنا". 

ذهبت أبعد من ذلك. عندما قتلت طائرة اميركية قائد قوة القدس قاسم سليماني، تحركت في مجلس الشيوخ لمحاولة اصدار قرار يمنع ترامب من استخدام اموال وزارة الدفاع من اجل شن حرب على ايران، معتبرة ان على الكونغرس تولي مسؤولياته الدستورية لمنع زعزعة استقرار المنطقة. 

وكما يبدو من ملامح أولية، فان كامالا هاريس تقف في مناطق رمادية في ما يتعلق بقضايا السياسة الخارجية. ستظهر الايام والشهور المقبلة تباعا، الخطوط العريضة لمواقفها الاقليمية والخارجية، لكنها لن تكون بمثابة "انجيل مقدس"، ذلك ان سياسيي الانتخابات الاميركية يتلونون بحسب ما تقتضي المنازلات الانتخابية والمصالح الحزبية وضغوط اللوبيات ثم آراء الناخبين أنفسهم. 

كامالا هاريس ما زالت مجهولة دوليا. لكنها قد تكون أول سيدة تدخل الى البيت الابيض لتحكم من خلال منصبها. ولهذا، يود كثيرون بشدة ان يروا هذا الوجه عن كثب. سنرى.