22-09-2021 | 08:00

علي أرباش من رئيس للشؤون الدينيّة التركيّة إلى "شيخ الإسلام"

يثير تعاظم دور رئيس الشؤون الدينية التركي علي ارباش في المشهد السياسي في البلاد قلق السياسيين والصحافيين الأتراك المنتمين الى "تيار الجمهورية" الذين يرون في تحركات ارباش الأخيرة محاولة جديدة من الحزب الحاكم لتقويض أسس مبادئ العلمانية وقواعد الجمهورية التي أوجدها ورسخّها الزعيم مصطفى كمال أتاتورك وبقيت "صامدة" لنحو قرن من الزمان.
علي أرباش من رئيس للشؤون الدينيّة التركيّة إلى "شيخ الإسلام"
Smaller Bigger
يثير تعاظم دور رئيس الشؤون الدينية التركي علي أرباش في المشهد السياسي في البلاد قلق السياسيين والصحافيين الأتراك المنتمين الى "تيار الجمهورية"، الذين يرون في تحركات أرباش الأخيرة محاولة جديدة من الحزب الحاكم لتقويض أسس مبادئ العلمانية وقواعد الجمهورية التي أوجدها ورسخّها الزعيم مصطفى كمال أتاتورك، وبقيت "صامدة" لنحو قرن من الزمان.
 
ومن حقوق المثليين إلى قانون الرقابة على مواقع التواصل الاجتماعي، ومن رفع أسعار الفائدة أو تخفيضها في المصرف المركزي إلى أزمة القيمة النقدية وارتفاع أسعار الفواكه، غدت تصريحات أرباش المطابقة لخطاب الرئيس رجب طيب أردوغان تتصدّر عناوين الصحف الموالية الداعمة له، والأخرى المعارضة المطالبة بإعادة المؤسسة الدينية التي أسسها أتاتورك منذ أول أيام الجمهورية التركية إلى حجمها الطبيعي و"الدستوري".
فما هي خلفيات تصاعد دور الشؤون الدينية التركية "ديانت" في البلاد، وفي هذا التوقيت بالذات؟

"أرباش" وعقد الولاء مع أردوغان
قبل أيام جدد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان "الثقة" برئيس هيئة الشؤون الدينية "ديانت" علي أرباش لولاية أخرى، مدعّماً فرضية تأدية الأخير دوراً غير تقليدي في عرف مؤسسته الحكومية، التي حوّلها أداة سياسية في خدمة السلطة التركية.
جوهر الاتفاق بين الرئيس التركي ورئيس الشؤون الدينية يقوم على غض السلطات التركية النظر عن العلاقة الوثيقة التي كانت تجمع أرباش بالأكاديمي عادل أوزكسوز، أحد مخططي الانقلاب الفاشل في 15 تموز (يوليو) 2016، والموصوف بـ"إمام القوى الجوية التركية" في جماعة فتح الله غولن، والمطلوب للسلطات التركية بموجب نشرة أنتربول (الشرطة الدولية) حمراء، إذ تعتبر الاستخبارات التركية أوكسوز صندوق الانقلاب الأسود.
 
غفر أردوغان لأرباش هذه العلاقة الوثيقة، إذ كان أحد المشرفين على رسالة نيل أوكسوز درجة الدكتوراه، بل أغدقه هو ورجالاته بعدد كبير من السيارات الفارهة وحتى الطائرات الخاصة، مقابل تنفيذ الأخير أجندة الرئيس التركي وتشكيل قاعدة شعبية مؤيدة لقراراته عبر إلباسها الثوب الديني أو تبريرها بمعطيات دينية.
 افتتح أرباش ولايته الثانية بخطبة جمعة اقتصادية، حاول خلالها المساهمة في مكافحة التضخم الذي وصل إلى مستويات غير مسبوقة في عهد "العدالة والتنمية"، وبات بهدد بزوال الطبقة المتوسطة أو انكفائها، وذلك من خلال "إخافة" التجار والمسوّقين من "غضب الله".

تصريحات جدليّة
ليست هذه المرة الأولى التي يلقي فيها أرباش خطبة اقتصادية، فقد سبق تذكيره قبل عام بأن "الفقراء سيكونون في الجنة في مرتبة أعلى من الأغنياء بـ 7 درجات"، وذلك خلال الأزمة الاقتصادية الخانقة التي مرت بها تركيا العام الماضي، بسبب تزامن إجراءات الحد من السفر والسياحة العالمية بسبب كورونا مع المقاطعة التي فرضتها الدول الخليجية على المنتجات التركية.
 
عرف أرباش خلال السنوات الماضية بتصريحاته المثيرة للجدل، ففي كتابه "يوميات رمضانية"، الذي نشره على حساب الهيئة، زعم رئيس "ديانت" أن إلقاء تحيات من قبيل صباح الخير ومساء الخير أو عبارات ليلة سعيدة ويوم سعيد، هي عادات جاهلية كانت تستخدم في ذلك الوقت للترحيب بالضيوف، يجب تجنّبها واستبدالها بالتحية الإسلامية المتمثّلة بجملة السلام عليكم.
كما سبق أن أصدر فتوى مثيرة للجدل، حرّم فيها أكل الجمبري والحبّار والسلطعون وبلح البحر والكركند وغيرها، بداعي أنها "لا تصنف ضمن فصيلة الأسماك، وبالتالي فإن أكلها ليس حلالاً".

موازنة مفتوحة لـ"ديانت"
ولتحقيق أجندة "العدالة والتنمية"، خصص الرئيس التركي لهيئة الشؤون الدينية موازنة هي الأكبر في تاريخ المؤسسة أيضاً، وتفوق مخصصات 7 وزارات، بما في ذلك وزارات الداخلية والخارجية والرئاسة بقيمة 16 مليار ليرة تركية (1.8 مليار دولار تقريباً) عام 2022، لتصبح 18 مليار ليرة في العام التالي، و20.7 مليار ليرة عام 2024. 
 
يصف الإعلامي التركي المخضرم أوغور دوندار تحركات أرباش الأخيرة برغبته في مزاولة العمل السياسي، داعياً إياه إلى شلح عباءته والانخراط في صفوف "العدالة والتنمية"، لأن "من يريد مزاولة النشاط السياسي عليه شلح بزته العسكرية إن كان ضابطاً، ومريوله إن كان قاضياً، وعباءته إن كان رجل دين"، وإلا فإن لغته الأخيرة التي تساهم في "رفع حدة الاستقطاب والتعسكر" ستزيد من الصراع داخل المجتمع التركي، وتسيء إلى السلطة ذاتها قبل أي طرف آخر.
 
ويرى الصحافي التركي المعارض والنائب عن حزب "الشعب الجمهوري" أنيس بربر أوغلو، أن "أرباش يؤدي دوراً مناطاً به من قبل العدالة والتنمية الذي بات غير قادر على تطمين المجتمع في ما يخص الأمور اليومية، بسبب وضعه المتأزم في السياسة الخارجية والاقتصاد، لذا فهو يحاول رفع معنويات هذا المجتمع بخطب دينية جوفاء، مستغلاً المؤسسة الدينية كأهم ورقة، لذلك فالسلطة استنجدت بعلي أرباش لإنقاذها".

أرباش ثالث أقوى شخصيّة في تركيا اليوم
التغيير في مهام المؤسسة الدينية ليس في خطب وتصريحات رئيسها فقط، بل انعكس أيضاً على موقعها البروتوكولي والمالي داخل الحكومة.
فقد حقق رئيس "ديانت" في احتفالية "عيد النصر" في 30 آب (أغسطس) المنصرم تقدّماً ملحوظاً في التسلسل البروتوكولي المعتمد في مثل هذه المناسبات، حينما صعد من المرتبة 54 التقليدية بالنسبة الى مؤسسته إلى المرتبة 14 بين المدعوين، مقابل وجود قيادة الجيش التركي، الذي ينسب إليه العيد في المرتبة 40 ضمن تسلسل جلوس المدعوين.
 
من حضور الاستعراض العسكري لمناسبة عيد النصر، وترؤس الدعاء قبل بدء العرض في الصالة، والدعاء إلى جانب رئيس المحكمة العليا وأردوغان في افتتاح مبنى المحكمة الجديد، بات أرباش الرجل الثالث في منظومة الحكم التركية بعد الرئيس أردوغان ومسؤول الإعلام في الرئاسة التركية فخر الدين التون.
 
وأعلن أرباش في خطبته السابقة دعمه خطط الحكومة للسيطرة على وسائل التواصل الاجتماعي، فيما أثارت مشاركته في مراسم افتتاح كنيسة "آيا صوفيا" أمام المصلّين بعد تحويلها إلى جامع، حاملاً السيف كرمز للغزوات العثمانية، انتقادات بالجملة داخل البلاد وخارجها. 
 
في ظل الحديث عن انتخابات مبكّرة وشيكة، تحاول سلطة التحالف التركية اليوم بين "العدالة والتنمية" والحركة القومية تعويض خسائرها في الأصوات، وكسب جزء من هيبتها المهدورة عبر الخطاب والاستقطاب الديني، و"تديين" كل قطاعات الحياة اليومية للمجتمع التركي.
 
في المنظومة الحالية، وضمن سياسات العثمانية الجديدة التي يتّبعها الرئيس التركي، أصبح رئيس "ديانت" تركيا أشبه بـ"شيخ الإسلام" في القصر السلطاني العثماني، الذي يدلي بدلوه في كل الأمور، ولديه ما يقوله في جميع الملفات، مؤدياً دوراً سياسياً سلطوياً بعيداً كل البعد من حدود مؤسسته ومهامها القانونية والدستورية.