في خبر سارّ للغرب سبق انعقاد قمّة حلف شمال الأطلسيّ في فيلنيوس، أعلن أمين عام الحلف ينس ستولتنبرغ أنّ تركيا وافقت أخيراً على انضمام السويد إلى النادي الأطلسيّ. توقيت الخبر قبل الافتتاح الرسميّ لقمّة الناتو يعني سحب نقطة خلافيّة بارزة من جدول الأعمال. تبقى نقطة الاحتكاك الرئيسيّة علاقة أوكرانيا بالحلف، ومن غير المتوقّع أن تُصدر القمّة بياناً باستقبال كييف في أيّ وقت قريب. في الواقع، لم يترك الرئيس الأميركيّ جو بايدن خلال مقابلته الأخيرة مع شبكة "سي أن أن" هامش تفاؤل كبيراً لدى الأطراف المؤيّدة لدعوة أوكرانيا إلى الحلف. وثمّة نقطة مهمّة وإن أقلّ إشكاليّة تتعلّق بإعادة صياغة المفهوم الأمنيّ للحلف على خلفيّة الحرب وطريقة زيادة دوله للإنفاق الدفاعيّ.
تشير تقارير إلى أنّ ستولتنبرغ صاحب مساهمة وازنة في هذا الاختراق الديبلوماسيّ عبر وساطاته. كان من المفترض أن تنتهي ولايته في تشرين الأوّل (أكتوبر) 2022 لكنّها خضعت للتمديد بسبب الغزو. وأعيد تمديدها الأسبوع الماضي مرّة أخرى بعد غياب الاتّفاق على بديل، غيابٍ كاد يدخل بريطانيا وأميركا في مشكلة ديبلوماسيّة كبيرة قبل القمّة.
ما الذي حصلت عليه تركيا؟
من بين المكاسب التي يمكن أن يكون الرئيس التركيّ قد حصدها تعاونٌ أكبر لستوكهولم مع أنقرة بشأن ما تصنّفه الأخيرة كمجموعات إرهابيّة، وهي تشمل الأكراد الذين تربطهم تركيا بـ"حزب العمال الكردستانيّ". بما أنّ الحزب مصنّف على لوائح الإرهاب الأميركيّة والأوروبّيّة والبريطانيّة، قد لا تجد السويد مانعاً أمام التعاون مع أنقرة. لكنّ الالتباس يظهر عند تصنيف مدى ارتباط أو عدم ارتباط تلك المجموعات (أو الأفراد) بالحزب. وافق ستولتنبرغ على إنشاء "المنسّق الخاص لمكافحة الإرهاب" كمنصب جديد داخل الناتو، كما اتّفقت السويد وتركيا على "ميثاق أمنيّ ثنائيّ جديد" مع تقديم ستوكهولم "خارطة طريق كأساس لمواصلة حربها ضدّ الإرهاب بجميع أشكاله".
من جهة أخرى، وقبيل توجّهه إلى فيلنيوس، قال أردوغان الاثنين إنّ أنقرة ستوافق على استقبال الناتو للسويد مقابل موافقة بروكسل على فتح الباب أمام تركيا للانضمام إلى الاتّحاد الأوروبّيّ. وقال ستولتنبرغ إنّ السويد وافقت على مساعدة تركيا في "إعادة إحياء" محادثاتها للانضمام إلى الاتّحاد. لكنّ المستشار الألمانيّ أولاف شولتس لفت إلى أنّ طموحات تركيا الأوروبّيّة وعضويّة السويد الأطلسيّة "غير مترابطة". قد تكون تنازلات بروكسل بشأن الاتّحاد الجمركيّ ولبرلة التأشيرات، كما ذكرت "بلومبرغ"، حلّاً وسطاً يرضي الطرفين. والتقى أردوغان مساء الاثنين رئيس المجلس الأوروبّيّ شارل ميشال الذي وصف اللقاء بالإيجابيّ قائلاً إنّهما بحثا كيف يمكن إعادة "تنشيط العلاقات الثنائيّة" وإعادتها إلى الواجهة.
حصول تركيا على مقاتلات "أف-16" الأميركيّة مسألة أخرى قيد التكهّن. رحّب الرئيس الأميركيّ جو بايدن يوم الاثنين بخطوة أنقرة قائلاً إنّه "مستعدّ للعمل مع الرئيس أردوغان وتركيا لتعزيز الدفاع والردع في المنطقة الأورو-أطلسيّة". ومن المتوقّع أن يلتقي الرئيسان على هامش القمّة مساء اليوم الثلاثاء. ولعبت الإدارة الأميركيّة نفسها دوراً كبيراً في المفاوضات، حيث اتّصل وزير الخارجيّة الأميركيّ أنتوني بلينكن بنظيره التركيّ هاكان فيدان ثلاث مرات في غضون خمسة أيام، من ضمنها يوم الاثنين، كما ذكرت "سي أن أن".
أسباب للشكّ؟
ستمرّ أيّام أو أسابيع، قبل معرفة المزيد عن الاتّفاقات/المقايضات بين تركيا والسويد من جهة، وتركيا وبروكسل من جهة أخرى. الأكيد أنّه بعد العاشر من تموز، أصبحت السويد أقرب إلى الناتو. ما هو أقلّ تأكيداً المدى الزمنيّ المتبقّي لتحقيق السويد هدفها. فالمشكّكون يدعون إلى التمهّل.
من ناحية، لا تزال السويد بحاجة إلى موافقة المجر التي تملك روابط إيجابيّة مع روسيا. لكن لا يتوقّع المراقبون فرض بودابست عقبة في هذا الشأن. قالت المجر الأسبوع الماضي إنّها ستوافق على انضمام السويد بمجرّد أن تقدم تركيا على هذه الخطوة. لا تزال المخاوف من عقبة محتملة تكمن في أنقرة نفسها. كريستوفر سكالوبا من "أتلانتيك كاونسيل" يذكّر بالفرحة التي انتشرت على هامش قمّة مدريد الأطلسيّة السنة الماضية، بعدما انضمّت تركيا إلى الناتو في دعوة السويد وفنلندا للحصول على العضويّة. المطبّات الديبلوماسيّة التي تلت القمّة طوال اثني عشر شهراً معروفة. "أريد أن أكون متفائلاً، لكنّني قلق من كوني شاهدت هذا الفيلم من قبل"، يضيف سكالوبا.
حوّل أردوغان الكرة إلى ملعب البرلمان التركيّ. "حزب الشعب الجمهوريّ" الذي يعدّ أكبر حزب معارض أعلن خلال الانتخابات العامّة الأخيرة أنّه سيسرّع انضمام السويد إلى الحلف. نظريّاً، يصعب تصوّر أن تتراجع أنقرة عن الموافقة. ولا يتعلّق الأمر فقط باستقرار آليّة عمل الديبلوماسيّة التركيّة. يحتاج أردوغان إلى الاستثمارات الأجنبيّة، ومن بينها الغربيّة، لدعم الاقتصاد التركيّ المتعثّر. يمكن تحليل خطوة أرودوغان الإيجابيّة الأخيرة كاستكمال لخطوات داخليّة أخرى مثل تعيين المصرفيّ السابق في "وول ستريت" محمد سيمسيك وزيراً للماليّة. إنّ تراجع أردوغان بطريقة أو بأخرى عن تسريع انضمام السويد إلى الناتو سيزعزع ثقة المستثمرين بتركيا. كما أنّ تأخير انضمام السويد إلى الحلف ارتبط جزئيّاً بالأجواء الانتخابيّة في تركيا وقدرة الرئيس على استثمار الموضوع لتعزيز قاعدته القوميّة-الإسلاميّة لحشد الأصوات في ما وُصف بأوّل تحدّ حقيقيّ للرئيس التركيّ طوال فترة وجوده في السلطة. الآن لم يعد أردوغان بحاجة إلى هذه الورقة كما قال الزميل البارز في "مؤسّسة راند" الأميركيّة ويليام كورتني في حديث إلى "سي أن بي سي" الأميركيّة.
في إشارة إلى ثبات الموقف التركيّ، تحدّث ستولتنبرغ عن أنّ أردوغان قدّم "التزاماً واضحاً" بالمضيّ قدماً في قضيّة الانضمام. حاليّاً، يُتوقّع أن تكون علاقة أوكرانيا بالناتو القضيّة الأكثر إشكاليّة بعد القمّة إذا لم تخرج بتسوية مرضية للجناح الشرقيّ للحلف. وفي جميع الأحوال، مع أو بدون التوصّل إلى هذه التسوية، لن يكون الناتو مسروراً بعودة محتملة إلى نقطة الصفر في قضيّة السويد.
نبض