البصق على المسيحيين... عادة لليهود المتشددين تعود إلى القرون الوسطى
توسع التمييز وتمدد مع الزمن الى أن وصل الأمر الى اعتبار ان الأغيار أنهم كاذبون في طبيعتهم، ولا تجوز مشاركتهم الطعام أو الزواج منهم أوالاحتفال بأعيادهم، ثم تحول الرفض الى عدوانية واضحة، فالتلمود اليهودي الذي هو المصدر الاول للشريعة اليهودية ويحتوي على التعاليم والاخلاق يدعو دعوة صريحة الى قتل الغريب حتى لو كان أحسن الناس خلقا.
تتبدى النزعة اليهودية المتطرفة في التمييز الحاد بين اليهود كشعب مختار (مقدس) يحل فيه الإله، من جهة، والأغيار (الغوييم) من غير اليهود، وهم الشعوب الأخرى التي تقع خارج دائرة القداسة.
ساهم حاخامات اليهود في تعميق هذا الاتجاه ووسعوا نطاقه، فأصبح ينطبق على جميع الأغيار من دون تمييز بين درجات عليا دينية وباقي الأشخاص، علماً أن لا موقف موحداً من الأغيار في الشريعة اليهودية (الهالاخا).
توسع التمييز وتمدد مع الزمن إلى أن وصل الأمر إلى اعتبار أن الأغيار كاذبون في طبيعتهم، ولا تجوز مشاركتهم الطعام أو الزواج منهم أو الاحتفال بأعيادهم، ثم تحول الرفض إلى عدوانية واضحة، فالتلمود اليهودي الذي هو المصدر الأول للشريعة اليهودية ويحتوي على التعاليم والأخلاق، يدعو دعوة صريحة إلى قتل الغريب حتى لو كان أحسن الناس خلقاً.
سببت هذه العدوانية اللاعقلانية كثيراً من الحرج لليهود أنفسهم، الأمر الذي دعاهم إلى إصدار طبعات من التلمود بعد استبدال كلمة مصري أو سامري بـ"مسيحي"، وأصبح التمييز ذا طابع أنتولوجي في التراث القبالي، خصوصاً منهج القبالاه بنزعتها المتطرفة، حيث ينظر إلى اليهود باعتبار أن أرواحهم مقدسة، فيما ينظر إلى الأغيار باعتبار أن أرواحهم من المحارات الشيطانية والجانب الآخر الشرير، والخيرون منهم لهم أجساد أغيار بأرواح يهودية لكنها ضلّت سبيلها.
تطوّر النّزعة المتطرّفة

يهود متطرفون في القدس
في الواقع جعل هذا التقسيم اليهود وكأنهم يقفون داخل دائرة القداسة، فيما يقف الأغيار خارجها، ووضع اليهودي فوق التاريخ وخارج الزمان، ما جعله يرى كل شيء على أنه مؤامرة موجهة ضده، أو من نظرة معاكسة، أن كل شيء موظف لخدمته، وتحول الأغيار إلى كل الآخرين في كل زمان ومكان، وبذلك يصبح كل البشر أشراراً مدنسين يستحيل الدخول معهم بعلاقة ومن الضروري إقامة أسوار عالية تفصل بين من هم داخل دائرة القداسة ومن هم خارجها.
مع إنشاء الحركة الصهيونية ودخول المشروع الصهيوني حيز التنفيذ بدءاً من وعد بلفور، ظهر التيار الصهيوني العنصري الذي يعتبر العربي على وجه العموم من الأغيار، وجعل من الفلسطينيين على وجه الخصوص، مسلمين ومسيحيين، من دون ملامح وقسمات، فمثلاً وعد بلفور أشار إلى الفلسطينيين على أنهم الجماعات "غير اليهودية"، ومع مرور الوقت انطلقت الصهيونية بمشروعها الاستيطاني الذي يهدف إلى إنشاء اقتصاد مغلق وإلى دولة يهودية لا تضم أغياراً.
إضافة إلى إنكار اليهود مجيء السيد المسيح، وشماتتهم خلال محاكمته ومن ثم صلبه، التي تظهر جلياً في نصوص التلمود وكتابي "هزوه"، "عيتس هاحييم"، تطور الفكر الصهيوني مع مؤسس الحركة الصهيونية الاستيطانية المعروفة بـ"الصهيونية الدينية" الحاخام أبراهام كوك الذي كتب آراءه حول المسيحية، ومن بين ما كتب "في صغري كنت أشعر بنتانة المرحاض في أماكن الصلاة التابعة للغوييم، على الرغم من أنها كانت نظيفة جداً في الظاهر، وتقع في حديقة مزروعة بالأشجار".
أما ابنه الحاخام تسفي يهودا كوك فهو من بلور أيديولوجيا الحركة الاستيطانية "غوش إيمونيم"، التي خرّجت البنية الفكرية للأحزاب الاستيطانية التي تحكم إسرائيل اليوم.
ربط الحاخام كوك بين التوبة والخلاص بالصهيونية، وركز على أن مجيء السيد المسيح لن يمنح اليهود الخلاص بل إنه الاستيطان في "أرض إسرائيل" من خلال الصهيونية، بما أن الحاخام أو الراف كوك لم يكن مجرد حاخام بل كان منظّراً ومفتياً ومن أهم حاخامات العالم.
يُعتبر الحاخامان كوك الأب والابن من أهم المرجعيات الدينية التي تستند إليها الصهيونية الدينية وأتباعها اليوم، بخاصة من الطلاب الذين يرتادون بعض المدارس الدينية للمتشددين "الحريديم" والمتدينين القوميين، ومما لا شك فيه أن أدبياتهم الصهيونية وآراءهم ما زالت تؤثر في الكثير من المتشددين القوميين الذين يستوطنون مدينة القدس وأحياءها خاصة والضفة الغربية عامةً.
وهو ما جعل أحد أبرز المتطرفين في الضفة الغربية والمشتبه به بقتل الفتى الفلسطيني في قرية برقة قرب رام الله قصي معطان قبل شهرين، أليشع يارد العضو في المجموعة المتطرفة "معسكر التلال" والمتحدث السابق لعضو الكنيست الإسرائيلية ليمور سون هار ميليخ عن حزب "عوتسما يهوديت-القوة اليهودية" بزعامة وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير، أن يستشهد بإحدى الفقرات الواردة في كتاب الحاخام كوك "عرفليي طوهر" من أنه الوقت المناسب للإشارة إلى أن "عادة البصق بالقرب من الكهنة والكنائس، هي عادة يهودية منذ أمد طويل".
وتابع يارد أن هناك "نعمة خاصة في الشريعة اليهودية (الهالاخا) تأتي لتسبيح الله الذي يلوم سيئات الأجانب وأعمالهم ولا يعاقبهم على الفور، ربما نسينا إلى حد ما تحت تأثير الثقافة الغربية، ما هي المسيحية، لكنني أعتقد أن الملايين من اليهود الذين خاضوا الحروب الصليبية في المنفى، والتعذيب في محاكم التفتيش والمؤامرات الدموية والمذابح الجماعية لن ينسوا أبداً، وهذا ما كتبه الحاخام كوك عن دور العبادة في مدينته".
لماذا يبصق اليهود على المسيحيين؟
بحسب المؤرخين اليهود "لا يؤمن اليهود بأن المسيح هو ابن الله، فيما يعتبر المسيحيون رفض اليهود لألوهية السيد المسيح تكبراً، والكنيسة دأبت على مدى عصور على تحميل اليهود مسؤولية صلب المسيح من دون إدراك أن الرومان هم تسببوا في قتله وصلبه، لأن بعض قادتهم رأى في المسيح تهديداً لسلطتهم، لذلك كان اليهود ضحية أفكار مسبقة وآراء شائعة وتعرضوا لقسوة جسدية، وتمت مصادرة ممتلكاتهم، وأصبح اليهود يشعرون بعزلتهم عن بقية الشعوب في القارة الأوروبية المسيحية، بينما سعوا للحفاظ على ديانتهم وتقاليدهم، بخاصة في الوقت الذي أصبح فيه الدين جزءاً من الهوية، ويؤثر مباشرةً على الحياة العامة والخاصة".
الباحثة الإسرائيلية يتسكا هاراني قالت في حديث إلى هيئة البث الإسرائيلية "كان" إن "تقليد بصق اليهود على المسيحيين تعود جذوره إلى القرون الوسطى، وكان مبرره آنذاك الانتقام من الاضطهاد الذي مارسه رجال الدين المسيحيون ضد اليهود في أوروبا، وهو سلوك يتبعه الأطفال والشبان والرجال والنساء من اليهود المتشددين "الحريديم"، وكذلك من التيار الديني القومي الاستيطاني".
وأكدت هاراني أن الشرطة الإسرائيلية تمتلك كاميرات مراقبة أمنية في أرجاء مدينة القدس، تحديداً في البلدة القديمة، وبإمكانها كشف هوية المعتدين، كما أن لديها توثيقاً مصوراً لتلك الاعتداءات لكنها لا تفصح عنها.
نظرة واحدة تكفي لاكتشاف الاضطهاد الذي يتعرض له الكهنة والرهبان المسيحيون في مدينة القدس على أيدي المتطرفين اليهود، فظاهرة البصق وتوجيه الشتائم أصبحت جزءاً من يومياتهم خلال الأعياد اليهودية وفي الأيام العادية، يتعقبون الكهنة ورجال الدين المسيحيين يبصقون على ثيابهم وعلى وجوههم وعلى يمينهم وعلى يسارهم ويصرخون في وجووهم يا شيطان.. يبصق اليهود المتدينون ثلاث مرات ... كلما رأوا صليباً ويتلون من الإصحاح السابع الآية 26 من سفر التثنية أحد الأسفار الخمسة لـ"التاناخ" التوراة اليهودية "لا تدخل رجساً إلى بيتك لئلا تكون محرماً مثله، تستقبحه وتكرهه لأنه محرم مثله"، في إشارة إلى الصليب.
يتسللون تحت جنح الظلام إلى المقابر المسيحية والأديرة، يحطمون شواهد القبور ويقومون بتدنيسها وخط الكتابات المسيئة والعنصرية.
من الحيل الطريفة التي يذكرها التاريخ أن ملك بوهيميا تشارلز الرابع، ولدفع اليهود للكف عن البصق على الصليب الذي شيده في مدينة براغ خلال القرن الرابع عشر، فرض عليهم كتابة كلمة "أدوناي" أحد أسماء الله في اليهودية على الصليب، بعدما أخبره مستشاروه بأن اليهود في المدينة لا يكفون عن البصق على الصليب.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
العالم العربي
5/16/2026 11:00:00 PM
ماذا جرى قُرب بيت شيمش في القدس؟
الولايات المتحدة
5/17/2026 12:57:00 PM
مستشار المرشد الإيراني: تهديدات ترامب التي تؤججها تل أبيب تُمثّل فخاً استراتيجياً
لبنان
5/17/2026 9:48:00 AM
غارات إسرائيلية متواصلة على قرى جنوب لبنان والبقاع الغربي
لبنان
5/18/2026 12:00:00 AM
تحدثت معلومات ديبلوماسية عن أنّ لبنان تبلّغ عبر سفارته في واشنطن طرحاً يرتبط بمساعٍٍ لتحقيق وقف تام وشامل لإطلاق النار خلال 24 إلى 48 ساعة من منتصف ليل السبت - الأحد بين "حزب الله" وإسرائيل...
نبض