مردخاي فعنونو... الرجل الأكثر كرهاً في إسرائيل
مع تزايد الحديث عن القلق الإسرائيلي حيال تمكّن إيران من الوصول الى "دولة على عتبة النووي"، وتصريحات القادة العسكريين الإسرائيلين عن تسريع الخطط العملية للتعامل مع أي تصعيد أو تهديد نووي إيراني، يتجاهل الاعلام الحديث عن نشاط إسرائيل النووي وعملها بصمت وتكتم شديدين على توسيع منشآتها النووية في "مفاعل ديمونا" في صحراء النقب، حيث تم تصنيع المواد الانشطارية لترسانتها، في الوقت الذي تعلن فيه تل أبيب عن غضبها من استئناف طهران تخصيب اليورانيوم والذي اعتبر تجاوزاً صارخا للاتفاق النووي الذي تم ابرامه عام 2015 بين طهران والقوى العظمى.
مع تزايد الحديث عن القلق الإسرائيلي حيال تمكّن إيران من الوصول الى "دولة على عتبة النووي"، وتصريحات القادة العسكريين الإسرائيليين عن تسريع الخطط العملية للتعامل مع أي تصعيد أو تهديد نووي إيراني، يتجاهل الإعلام الحديث عن نشاط إسرائيل النووي وعملها بصمت وتكتم شديدين على توسيع منشآتها النووية في "مفاعل ديمونا" في صحراء النقب، حيث تم تصنيع المواد الانشطارية لترسانتها. وتعلن تل أبيب دوماً غضبها من استئناف طهران تخصيب اليورانيوم والذي اعتبر تجاوزاً صارخاً للاتفاق النووي الذي تم إبرامه عام 2015 بين طهران والقوى العظمى.
تنتهج إسرائيل سياسة "الغموض النووي" من دون أي نفي أو تأكيد، فيما يقدر اتحاد العلماء الأميركيين "أن لدى الدولة العبرية حوالى 90 رأساً حربياً نووياً مصنوعةً من معدن البلوتونيوم المنتج في مفاعل الماء الثقيل، وتشير توقعات إلى أنها بدأت انتاجها في وقت مبكر جداً من العام 2019 أو في أواخر العام 2018".
ويذكر أن اسرائيل قامت ببناء مفاعل ديمونا بمساعدة سرية وواسعة من فرنسا في أواخر الخمسينات من القرن الماضي، وفق موقع "غلوبال سيكيورتي" الأميركي. ولم توقع اسرائيل قط على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، وبالتالي لا تخضع لعمليات التفتيش أو تواجه خطر العقوبات من الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وذكرت هيئة البث الإسرائيلية "كان" في مطلع الشهر الجاري أن رئيس الوزراء الاسرائيلي نفتالي بنيت قرر أخيراً إرجاء نشر الوثائق الخاصة بـ"المفاعل النووي الإسرائيلي" أربعين عاماً اضافية، علماً أن القانون الإسرائيلي يجيز نشر الوثائق العسكرية والأمنية بعد 50 عاماً. وأشارت "كان" إلى أن قرار بنيت جاء ليحسم الخلاف بين اللجنة الإسرائيلية للطاقة الذرية وهيئة الأرشيفات في إسرائيل، والتي طالبت بنشر الوثائق التي يزيد عمرها على 50 عاماً. وفي المقابل ادّعت اللجنة "أن نشر مثل هذه الوثائق يسبّب ضرراً للأمن القومي والمصالح الإسرائيلية"، فطلبت استثناء الوثائق الخاصة بالمفاعل، ليحسم بنيت الأمر لمصلحة اللجنة ويقر تعديل القانون، ما يعني أن نشر هذه الوثائق سيتم فقط بعد مرور 90 عاماً عليها، وسيمنح إسرائيل مزيداً من الوقت للتكتم عن برنامجها النووي.
قبل 35 عاماً تجرّأ العالم النووي الإسرائيلي مردخاي فعنونو على كشف أهم سرّ في إسرائيل لصحيفة "الصنداي تايمز"، وكانت المقابلة التي أجراها قبل القبض عليه في روما كافية ليصبح الرجل الأكثر كرهاً في تاريخ اسرائيل، حيث أكد فعنونو كل الشكوك أنها تمتلك ترسانة نووية، كما أظهر أن البرنامج النووي الإسرائيلي أكثر تقدماً مما كان يُعتقد.
كان فعنونو قد عمل لتسع سنوات في المفاعل النووي في منشأة "ماشون 2" المبنية تحت الأرض والمخصصة حسب قوله "لإنتاج مواد البلوتونيوم والليثيوم ديوترايد والبريليوم التي تدخل في صناعة القنابل النووية".
فعنونو المولود لأبوين من أصول مغربية هاجر مع عائلته الى إسرائيل عام 1963 من مراكش وله 11 شقيقاً وشقيقة. خلال خدمته العسكرية تخصّص بإزالة الألغام، وكان يطمح للالتحاق بالقوات الجوية الإسرائيلية. بعدها درس الفيزياء، وفي عام 1976 بدأ العمل كفني في المفاعل واقتصر عمله على مراقبة نسب الإشعاعات حتى عام 1985. خلال فترة عمله نجح في تهريب كاميرا الى داخل المفاعل الذي يمنع إدخال الكاميرات، بل أنه يمنع على المصورين الاقتراب منه أو التصوير حتى يومنا هذا، لكن فعنونو نجح يومها بتصوير أجزاء من مرافق المفاعل، وفي الاستيلاء على فيلمين مصنفين تحت بند "سري للغاية" يشرحان جانباً من الأعمال التي تجري في المفاعل والمعدات التي تستخدم بما فيها المواد الإشعاعية المخصصة للإنتاج العسكري ونماذج معملية للأجهزة الحرارية.

بعيداً من عمله في المفاعل النووي بدأ فعنونو بدراسة الفلسفة في إحدى الجامعات وكانت نقطة التحول في حياته أنه أصبح أكثر تعلقاً بالسياسة، وانخرط في صفوف الحركة المناهضة للحرب في لبنان والتي تتألف من أعضاء غالبيتهم من الطلاب العرب المنتمين للحزب الشيوعي، فاعتنق الأفكار المؤيدة للحق الفلسطيني، وأصبح أكثر ميلاً الى اليسار وحتى اليسار الراديكالي. كان فعنونو معجباً بشدة بأفكار أستاذه ايفرون بولاكوف ذي الاتجاه الراديكالي الذي رفض الخدمة في الجيش الإسرائيلي أثناء اجتياحه لبنان وتم سجنه، وخلال هذه الفترة بدأ فعنونو يشعر بتأنيب الضمير وبدأت معاناته بسبب عمله في المفاعل النووي الذي ينتج أسلحة نووية في الخفاء. وبعدما علم رؤساؤه بأفكاره اليسارية المعارضة تم فصله، فقرر أن يجول في العالم، وذهب في رحلة الى الشرق وزار نيبال وميانمار وتايلاند قبل أن يحط في أستراليا.
في أستراليا وتحديداً في مقاطعة كينغز كروس تقرب من الكنيسة الأنغليكانية "سانت جونز". اعتنق في عام 1986 المسيحية وغير اسمه الى جون كروسمان ما أدى الى ابتعاد عائلته عنه. خلال إحدى المحاضرات عن "السلام وخطر انتشار الأسلحة النووية" تحدث عن أسرار كان يعرفها وصلت الى صحافي كولومبي مستقل يدعى أوسكار غيريرو الذي اتصل به وأقنعه ببيع كل المعلومات لديه للصحافة. حاول غيريرو في البداية بيع المعلومات للصحافة في أستراليا لكنه لم ينجح بذلك، ووصل الى صحيفة "الصنداي تايمز"، وفي صيف 1986 التقى فعنونو في مدينة سيدني بالصحافي بيتر هونام الذي أوفدته الصحيفة للتأكد من القصة، وعرض المعلومات والوثائق التي في حوزته والصور التي التقطها خلال فترة عمله.
لكن محاولات الصحيفة البريطانية التأكد من صحة المعلومات وصلت الى شبكات الاستخبارات الإسرائيلية، فأرسل جهاز "الموساد" عناصر من العملاء السريين إلى أستراليا وبريطانيا. بحثوا عن فعنونو ووجدوه في لندن. هنا أرسل الموساد "سيندي" على انها سائحة أميركية إلى فعنونو فأخبرته بمدى إعجابها الشديد به وانتقاده الدائم لإسرائيل، علماً أن هونام حذره منها وقال له "قد تكون عميلة للموساد". لكن فعنونو لم يشك بها قط. في حينها لم يرغب رئيس الحكومة شمعون بيريس بإغضاب الحكومة البريطانية ولا تخريب العلاقات الحساسة مع الاستخبارات البريطانية، لذلك طلب من "الموساد" أن تتم العملية في روما، فطلبت "سيندي" من فعنونو التوجه الى روما لقضاء عطلة نهاية الأسبوع حيث تقيم اختها، وعند وصولهما الى الشقة وبمجرد دخولهما قام شخصان بتقييد فعنونو وحقنه بمخدر. وفي 30 كانون الأول (ديسمبر) عام 1986 وصل فعنونو الى إسرائيل بعدما تم تهريبه على متن سفينة.
في الخامس من تشرين الأول (أكتوبر) عام 1986 نشرت "الصنداي تايمز" المعلومات والصور التي قدمها فعنونو مرفقة بمخطط ورسم للمفاعل، وبيّنت امتلاك إسرائيل ترسانة نووية متقدمة جداً تحوي ما بين 100 إلى 200 رأس نووي، وأنها تقوم بجزء من عملها تحت الأرض، وصنفت إسرائيل سادس أكبر قوة نووية في العالم، كما أوضحت أن المفاعل طور أكثر من مرة لزيادة قدرته الانتاجية، وذكرت قصصاً عن كيفية خداع الخبراء الأميركيين الذين زاروا المفاعل في الستينات من القرن الماضي ولم يلاحظوا المصاعد المخفية أو الجدران الزائفة الأمر الذي أخفى عنهم حقيقة وجود 6 طوابق كاملة تحت الأرض.
أمضى فعنونو 18 عاماً في السجن بعد اتهامه بالخيانة والتجسس، وبعد إطلاق سراحه سكن في يافا ثم انتقل الى القدس حيث سكن في الكنيسة الانجيلية "سانت جورج" في القدس الشرقية. كان فعنونو يتجوّل في القدس ويمضي أوقاته بحضور الندوات والأمسيات الثقافية شرق المدينة، والجلوس في "الجيروزاليم هوتيل"، ويتحدث باللغة الإنكليزية فقط وهو مبتسم. كان يبتعد قدر الإمكان عن الناس، وعيناه تعكسان مدى ذكائه. كان ممنوعاً عليه الحديث مع الأجانب أو دخول السفارات أو القنصليات، لكنه خالف هذه التوصيات 22 مرة وألقي القبض عليه في مناطق السلطة الفلسطينية. في عام 2017 عرضت النروج على فعنونو الانتقال للعيش فيها بعدما تزوج صديقته كريستين يواخيمسن.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
اقتصاد وأعمال
4/3/2026 6:20:00 AM
"النهار" تلقي الضوء على تفاصيل المشروعات السورية الخمسة لربط الخليج بالبحر المتوسط وأوروبا، وأهميتها والتكلفة الاستثمارية لها، والتحديات التي تواجه هذه المشروعات، والعائد الاقتصادي لهذه المشروعات سواء على الاقتصاد السوري أو على اقتصادات الخليج
النهار تتحقق
4/4/2026 11:36:00 AM
تظهر الصورة رجلاً معصوب العينين، مقيداً بكرسي يشبه قفصاً، في غرفة رفع فيها العلم الايراني.
اسرائيليات
4/2/2026 6:02:00 PM
ظاهرة لافتة في تل أبيب تمثّلت في تحليق كثيف لأسراب الغربان، بالتزامن مع استمرار الحرب والهجمات الصاروخية
اسرائيليات
4/3/2026 9:21:00 AM
الجيش الإسرائيلي: مخطط لإطلاق صاروخ مضاد للدروع نحو أراضي دولة إسرائيل
نبض