"نسبة الاحتجاجات العمالية خلال السنوات الأخيرة في إيران فاقت نسبها في كل دول العالم"، بحسب التقرير المنشور في موقع "إيران آزاد"، ما يعكس القوة المتنامية لهذا الحراك.
لم تنقطع في السنوات الأخيرة مسيرة الاحتجاجات والإضرابات العمالية في إيران، من المعلمين والممرضين إلى موظفي الحكومة والمتقاعدين والكتّاب والمزارعين وغيرهم، سجلوا وقفات احتجاجية عبروا بها عن استيائهم مما هم عليه من ظروف اقتصادية، نتيجة تدني الأجور وساعات العمل الطويلة وعملية الخصخصة التي رأوا فيها اضطهاداً لمصالحهم وحقوقهم كعمال، وإضراراً بأمانهم الوظيفي.
حراك بالغ الأهمية اتفقت كل تيارات إيران السياسية والمراقبون للشأن الإيراني، وكذلك اتحادات العمال، ومنها اتحاد "اندستريال"، وهو أكبر اتحاد عمالي في العالم، على دوره المميز الذي قد يجعله نقطة انطلاق لتغييرات كبيرة على ساحة الحياة الاجتماعية في إيران.
هذا النشاط يرى فيه كثيرون تحدياً وجودياً للنظام الإيراني، ومنهم وزير خارجية إيطاليا السابق جوليو ترزي الذي صرح بأن "احتجاجات العمال، لا سيما في قطاع النفط، قد تقضي على النظام الإيراني".
كما أن هناك من يرى أن الحراك العمالي وحده من بيده عصا التغيير، فالمحلل السياسي سعيد رهنما يعتقد أن "القوة الوحيدة التي يمكنها إنقاذ إيران مما تمر به من تقهقر في مستوى الحياة المعيشية هو الحراك العمالي المنظم المدعوم بحراك الشعوب المضطهدة في جغرافية إيران، وحماة البيئة، والشريحة الفقيرة في العشوائيات".
ناشطو الحراك تحمّلوا شتى أنواع الضغوط من الفصل من العمل والسجن والمطاردة الأمنية، وتشير التقارير إلى قائمة طويلة من العمال المفصولين بسبب مشاركتهم في الاحتجاجات، وكذلك العديد من السجناء، وذلك على رغم تصريح مصادر عمالية ببذل قصارى جهدها للحيلولة دون حصول أي اصطدام مع القوات الأمنية.
تحوّل في طبيعة الحراك
وكان للنشاط العمالي دور بارز في تحولات تاريخ إيران الحديث، فمنذ عام 1911 أي منذ الثورة الدستورية حتى تأميم النفط في عام 1952 إلى محاربة شاه إيران، والمساهمة في ثورة عام 1979، كان للحراك العمالي أثر بالغ في ما شهدته إيران من حوادث وتغييرات.

مواجهات في كرمنشاه عام 2017
أما الموجة الجديدة من الحراك العمالي فكانت نتيجة لعملية الخصخصة، إذ بدأت إيران منذ عام 2005 الابتعاد عن نمط الاقتصاد الحكومي، وبسبب افتقار البلاد إلى البنى التحتية اللازمة، وغياب نظام الرقابة المتكامل، وانعدام الشفافية في أجهزة التنفيذ، تحوّلت هذه العملية إلى محاصصة بين العسكريين، وتحديداً "حرس الثورة" وأفراد العوائل الحاكمة، الأمر الذي أدى إلى اتساع الفساد الاقتصادي وإفلاس كبريات المصانع وتراجع الإنتاج الوطني وفقدان الأمن الوظيفي وتدني أجور اليد العاملة، وهي أسباب أدت باجتماعها إلى موجة جديدة من الحراك العمالي في تاريخ إيران الحديث.
الناشطة السياسية رقية دانشكري تعتقد أن "اقتصاد العصابات، ووجود القوى الموازية للمؤسسات الحكومية، وعدم شفافية النظام الاقتصادي، وكذلك تنافس المسؤولين على نهب الثروة العامة وتدهور العلاقات مع العالم الخارجي انتهت إلى حصول عجز في تلبية احتياجات الشعب، وارتفاع نبرة الاعتراضات العمالية".
وعلى رغم استمرار الاحتجاجات العمالية بين شدة وضعف خلال العقدين الماضيين، غير أن نظرة على الأخبار والتقارير المنتشرة في العام الأخير تبين أن ما تشهده إيران من تسارع في وتيرة الاحتجاجات هو ظاهرة غير مسبوقة، ففي الأسبوع المنتهي في 2021/12/4 وحده شهد إقليم الأحواز 16 وقفة احتجاجية للعمال، وهو معدل تكرر في كثير من المحافظات والمدن الإيرانية طوال العام المنصرم.
مطالب النقابات برفع الرواتب ودفعها في موعدها، والأمان الوظيفي ومعارضة الخصخصة لم تصمد كثيراً أمام الانغلاق السياسي والتعامل القمعي والعجز العميق للحكومة في تلبية المطالبات، فسرعان ما نعتها النظام الإيراني بالسياسية وقوبلت بأساليب أمنية.
اعتقال 27 عاملاً من المساهمين في احتجاجات مشروع قصب السكر المعروف بـ"القوماط أو هفت تبه" قبل بضعة أيام، قد يكون أحدث نبأ في هذا الصدد، كما أن هناك من بين نشطاء الحراك العمالي من لا يزالون يقبعون في السجون، وقد تكون أشهرهم سبيده قليان المحكومة بالسجن لخمس سنوات، والتي ورد اسمها ضمن تقرير الأمين العام للأمم المتحدة عن حقوق الإنسان.
وأكد مدير المشاغل في وزارة العمل كريم باوي المضايقات الأمنية للنشطاء العماليين، بقوله إن "ملف بعض نشطاء الحراك العمالي تحول إلى أجهزة الأمن، ولا يسع وزارة العمل مساعدتهم بأي شيء".
المعلمون في الصدارة
الدعوات الإحدى عشرة التي أصدرتها نقابة المعلمين خلال العام المنصرم لباها المعلمون، فعمت الاحتجاجات العارمة 150 مدينة في إيران، الأمر الذي وضع المعلمين في مقدمة الحراك العمالي في البلد.
وفضلاً عن الاعتراض على تدني الرواتب، كانت مطالب سائر فئات المجتمع كمحاربة الفقر، والاختلاسات المتكررة، والفساد المستشري، والقمع الحكومي، وحتى إحقاق حقوق المرأة والطفل وتعميم التعليم المجاني ضمن قائمة مطالبات المعلمين الذين أصبح حراكهم يمثل المجتمع الإيراني بكل شرائحه.
العضو في الشورى المركزي لنقابة المعلمين رسول براقي الذي أطلق سراحه بعد أشهر من السجن، أجاب رداً على سؤال: "يريدون من المعلم أن يخرس أمام تحويل مؤسسة التربية والتعليم إلى جهاز أيديولوجي، وأن يتخذ الصمت أمام تحريف الحقائق التاريخية، وأن يقنع بحياة دون خط الفقر، وليس لديهم لتحقيق مآربهم سوى القمع والسجن، وأنا على ثقة بأن الاحتجاجات لن تقتصر على المعلمين وسوف تعم المجتمع بأسره".
قاطرة التحوّل
تختلف موجة الحراك العمالي الجديدة عن سابقاتها، وقد يكون حضور المرأة من أهم الفروق، ففي معظم الاحتجاجات تتقدم المرأة الصفوف وتعتلي المنصات لتمثل الآلاف من المحتشدين، وكذلك حضور المتقاعدين الملحّ ووقفاتهم الاحتجاجية في كل يوم أحد، والتي لم تنقطع لأكثر من عام مشكلة ميزة لهذا الحراك، وكانت سبباً في ديمومته.
تعتقد الناشطة السياسية رقية دانشكري "أن الحراك العمالي أخذ يقترب من مبتغاه، فمن مرحلة المساهمة في الانتخابات والإرغام على اختيار السيئ هروباً من الأسوأ، وصل الحراك إلى رفع شعارات منددة بسياسات النظام ومخاطبة المرشد الأعلى للثورة بأشد العبارات".
يعتقد المحلل السياسي سعيد رهنما أنه "على الرغم مما يشوب الحراك العمالي من ضعف في التنظيم، إلا أن هذا الحراك يسير في مقدمة كل الشرائح والنقابات والتيارات الفكرية والسياسية، وتحول إلى صوت عال يصدح للدفاع عن كل فئات الشعب، فكل القضايا المجتمعية، بدءاً بالتهاون الحكومي في تدارك جائحة كورونا، مروراً بجرائم الشرف بحق المرأة، وضرورة الدفاع عن حرية الفكر، وصولاً إلى المطالبة بحق التعلم والعلاج لعموم الناس… حظيت بحيّز من بيانات هذا الحراك، الأمر الذي جعل من الحراك العمالي نقطة التقاء بين جميع شرائح المجتمع، وقاطرة بإمكان قوتها الخارقة أن تنطلق بقطار التحولات".
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
النهار بيديا
10/26/2026 7:57:00 PM
توفي يشاي زيمرمان عن 93 عاماً، بعدما ارتبط اسمه بالاستيلاء على طائرة مدنية من مطار بيروت خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان، في واقعة انتهت باعتراضه بمقاتلتَي "إف-16" واتهامه بالنهب.
المشرق-العربي
10/28/2026 8:00:00 PM
"أدى مراسم الزيارة والصلاة داخل الصحن الشريف، واطلع بعدها على معالم المرقد".
صحة وعلوم
10/28/2026 4:48:00 PM
وزارة الصحة أقفلت مطعماً ومستودعاً للّحوم وسط بيروت، عقب تأكيد تسجيل أربع إصابات بمرض "داء الشعرينات" الناتج عن تناول لحوم غير مطهوة.
نبض