على ما يبدو جاء طلب الولايات المتحدة الأميركية الأسبوع الماضي من مجلس الأمن تفعيل آلية فض النزاع "سناب باك" بهدف إعادة العقوبات الدولية المفروضة على إيران قبل توقيعها الاتفاق النووي عام 2015، ليخلط أوراق طهران ويدفع بها لإعادة حساباتها، فما هو آت قد يكون الضربة القاصمة لنظامها الذي عاث فساداً في المنطقة وضرب بعرض الحائط بنود اتفاق كان من الممكن أن يجلب الرخاء والنمو للشعوب في إيران.
في هذا السياق، وفي رضوخ واضح بعد تعنت، أعلن النظام الإيراني موافقته على طلب الوكالة الدولية للطاقة الذرية بتفتيش موقعين نوويين تشتبه الوكالة أن بعض الأنشطة السابقة فيهما ربما كانت جزءاً من برنامج لإنتاج الأسلحة النووية! هذان الموقعان كانت أيضاً قد كشفت عنهما الوثائق المتعلقة بأرشيف البرنامج النووي الإيراني والتي أعلنت إسرائيل تسريبها من جنوب العاصمة طهران، في نيسان (أبريل) 2018، والتي قيل حينها بأنها "نصف طن" من الوثائق والمستندات.
هذا وقد كان وصل رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافايل غروسي أمس إلى طهران في زيارة يلتقي فيها عدداً من كبار المسؤولين الايرانيين وفي مقدمهم الرئيس الإيراني حسن روحاني ورئيس منظمة الطاقة النووية الايرانية علي أكبر صالحي.
زيارة غروسي كان قد أعلن عنها المتحدث باسم منظمة الطاقة النووية الإيرانية بهروز كمالوند، يوم الأحد الفائت، والذي قال إن "من شأن هذه الزيارة أن تزيل القلق لدى الطرفين". وأضاف: "أنها تأتي ضمن الأمور البروتوكولية وفي إطار خطة العمل الشاملة المشتركة التي تعرف بالاتفاق النووي".
هل من خلاف بين الوكالة الدولية للطاقة الذرية وطهران؟
في اجتماع له في التاسع عشر من شهر حزيران (يونيو) الفائت، دعا مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية إيران للكف عن عدم السماح لمفتشي الوكالة بدخول موقعين قديمين يعودا إلى عام 2000، مطالباً طهران بالتعاون الكامل مع المفتشين الدوليين. قرار مجلس المحافظين هذا كان قد سبقه بعدة أيام اتهام رئيس الوكالة رافايل غروسي، إيران بمنع وصول مفتشي وكالته إلى مواقع نووية مشتبهة. وقال إنه قلق جداً لأن إيران ومنذ أربعة أشهر تمنع مفتشي الوكالة من الوصول لهذين الموقعين. ودعا غروسيحينها طهران إلى التعاون الكامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وطالبها بالسماح لمفتشي الوكالة بالوصول الى المواقع المشتبه بها فوراً.
بناءً على قرار مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، اجتمع وزراء خارجية كل من فرنسا وبريطانيا وألمانيا في برلين في اليوم ذاته لبحث مدى جدية إيران في التعاون مع الوكالة. وطالبالبيان الختامي لوزراء الدول الثلاث حينها طهران بالتعاون الفوري والكامل مع مفتشي الأمم المتحدة، والسماح لهم بالوصول إلى الموقعين اللذين حددتهما الوكالة الدولية.
إلا أن إيران ردت على لسان مندوبها لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، كاظم غريب آبادي، بأنها ترفض بشكل كامل هذه الدعوات وستتخذ إجراءً مناسباً للرد على هذه المزاعم الواهية وغير الصحيحة، متهماً إياها بأنها مزاعم أميركية وإسرائيلية تهدف إلى تدمير الاتفاق النووي.
بدوره، انتقد المتحدث السابق باسم وزارة الخارجية الإيرانية عباس موسوي، قرار الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وقال إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هو من يقف خلف هذه الادعاءات. وطالب الوكالة أن تعتمد على الأدلة الموثوقة، وأن تأخذ في الاعتبار التعاون الرفيع المستوى بين الوكالة وإيران، على حد قوله.
لماذا وافقت طهران على زيارة رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية؟
يعتقد المسؤولون في إيران أن زيارة رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى طهران قد تعيد الثقة المفقودة بين طهران والوكالة، وأنها ستحسن من مواقف إيران في مجلس الأمن في ظل الخلافات المتصاعدة مع الولايات المتحدة في أعقاب مطالبة الأخيرة بتفعيل آلية فض النزاع (آلية الزناد) وإعادة العقوبات على طهران.
واتسمت مواقف طهران تجاه الوكالة بالتشكيك وعدم الثقة واتهام طهران الدائم للوكالة بمحاولة إيجاد أزمات لا حاجة لها في طريق التعاون الثنائي بين الطرفين، مطالبة إياها بالتزام حدود صلاحياتها وتنفيذ مهامها بشكل مهني ومستقل وحيادي، وعدم إتاحة الفرص من خلال التقارير والمواقف لمن لديه أجندة سياسية مناهضة لإيران، وأن تكون ممتنة لتعاون إيران معها!
في المقابل، وبالرغم من الموقف الإيراني تجاه الوكالة، تسعى طهران في واقع الأمر لشراء المزيد من الوقت تجنباً لإدانتها في اجتماع اللجنة المشتركة للاتفاق النووي الذي من المقرر أن ينعقد في فيينا مطلع الشهر المقبل، والذي من شأنه أن يؤثر سلباً على موقف إيران في مجلس الأمن الدولي الذي ينظر حالياً في طلب الولايات المتحدة في تفعيل آلية فض النزاع وإعادة العقوبات الدولية المفروضة قبل توقيع الاتفاق النووي عام 2015 على طهران.
أهداف الزيارة؟
تأتي زيارة رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافايل غروسي، إلى طهران وهي الأولى له منذ توليه رئاسة الوكالة، قبل أسبوع فقط من اجتماع اللجة المشتركة للاتفاق النووي في فيينا في الأول من أيلول (سبتمبر) القادم، حيث من المفترض أن يحضر هذا الاجتماع ممثلون عن الدول الأوروبية الثلاث، بريطانيا وفرنسا وألمانيا، إضافة إلى كل من روسيا والصين وإيران.
إعلان طهران الذي سبق زيارة غروسي بأن الأخير سيلتقي كبار المسؤولين الإيرانيين وأن من شأن هذه الزيارة أن تعيد الثقة التي تصدّعت بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية، وأن طهران لن تسمح للآخرين بإدارة العلاقات بين الوكالة وإيران، خصوصاً في ظل الوضع الحساس الحالي، كان في الواقع مجرد إعلان بروتوكولي يخفي وراءه الهدف الحقيقي من هذه الزيارة، وهو مناقشة الأنشطة النووية السرية لإيران في أكثر من موقع نووي كانت طهران قد أخفته عن أعين المفتشين الدوليين منذ عام 2000.
ونظراً إلى توقيت هذه الزيارة وتزامنها مع الاجتماع المرتقب للجنة المشتركة للدول الأعضاء المشاركين في خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) في الأول من أيلول (سبتمبر) المقبل في فيينا، وكذلك طلب الولايات المتحدة من مجلس الأمن تفعيل آلية فض النزاع، يبدو أن إيران لم يكن أمامها خيار آخر سوى الموافقة على زيارة غروسي أملاً منها في تحسين وضعها التفاوضي أكان في ظل خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي)، أو في مجلس الأمن الدولي الذي سيشهد صراعاً قوياً في قادم الأيام بين كل من إيران وداعميها الروسي والصيني من جهة، والولايات المتحدة وداعميها الخليجيين؛ المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، من جهة ثانية. لكن السؤال الأبقى هنا، هل ستكشف جولات المفتشين الدوليين عن قُطب مخفية في برنامج إيران النووي السري؟!
نبض