لا تزال التظاهرات الغاضبة بسبب طريقة وفاة المواطنة مهسا أميني مستمرة في إيران. حتى مساء الثلثاء، انتشرت التظاهرات في 19 محافظة إيرانية من أصل 31 وفقاً لتقدير مشروع "كريتيكال ثريتس" الأميركيّ. توفّيت أميني بعد اعتقالها من قبل شرطة الأخلاق لارتدائها الحجاب "بطريقة غير ملائمة". قالت عائلة أميني إنّها تعرضت للضرب في الفترة الزمنية التي فصلت بين إجبارها على دخول سيارة شرطة الأخلاق ونقلها إلى صف تعليم أهمية اللباس الإسلاميّ. في هذا الوقت، أعلن كبير المسؤولين الطبّيّين في محافظة هرمزغان إنّ السبب المرجّح لوفاة أميني هو تلقيها ضربة على الرأس، علماً أنّ بعض المسؤولين الإيرانيّين أرجعوا سبب الوفاة إلى نوبة قلبيّة.
"ملفتة للنظر"
قد تكون التظاهرات الحاليّة في إيران جديدة من حيث الموضوع. هي لم تنشأ بفعل مطالب اقتصاديّة أو اعتراضاً على تضييق الحرّيّات السياسيّة بل بفعل العنف الذي تتعرّض له النساء في إيران. "الاحتجاجات ملفتة للنظر في حجمها وضراوتها وطبيعتها النسويّة النادرة" تكتب مجموعة مراسلين في شبكة "سي أن أن".
تظهر صور ومقاطع فيديو فتيات يخلعن حجابهنّ ويقصصن شعرهنّ إعراباً عن استنكارهنّ لما تعرّضت له أميني وسط دعم من المتظاهرين بمن فيهم الرجال. اللافت في هذه التظاهرات تحديداً أنّها وصلت إلى مدن تعدّ مركز ثقل للمحافظين مثل مشهد وقم. كما تبيّن مقاطع الفيديو الشدّة التي يتعامل من خلالها المحتجّون مع عناصر الشرطة والأمن. مع ذلك، إنّ صور خلع الإيرانيّات للحجاب ليست جديدة. في كانون الأول (ديسمبر) 2017 رفعت فيدا موحد حجابها على عصا ونالت تلك الصورة انتشاراً واسعاً أيضاً. وهذا واحد من أمثلة عدّة على هذه الظاهرة.

طوال سنوات، لم تكن قضيّة الحجاب الإلزاميّ تتصدّر أولويّات الحركات الاحتجاجيّة في إيران. تمّ إعطاء الحقوق السياسيّة والمساواة بين الجنسين الأهمّيّة القصوى وفقاً لتقرير في صحيفة "النيويورك تايمز" سنة 2018. وصمّمت الناشطات النسويّات في إيران على إبعاد أنفسهنّ عن "الهوس" الغربيّ بالحجاب وفقاً للتقرير نفسه.
بالتالي، ثمّة فروقات بين النشاط النسويّ الغربيّ والنشاط النسويّ في إيران أقلّه لغاية اليوم. إذا كان هدف الأوّل التشديد على مركزيّة حقّ المرأة بالتصرّف بجسدها وفقاً لما يناسبها، فالثاني يركّز أكثر على إعطاء المراة حقّ التساوي مع الرجل والحماية من العنف الأسريّ. ويبدو أنّ الناشطات النسويّات في إيران يركّزن في قضيّة الحجاب على تساهل السلطات في تنفيذ القوانين الخاصّة به أكثر من المطالبة بقوانين تجعل ارتداءه اختياريّاً لا إلزاميّاً.
تحوّلات اجتماعيّة تسبق الحكّام
ترى السلطات الإيرانيّة في "تمرّد" النساء على إرشادات ارتداء الحجاب ملامح خروج على طاعة النظام الذي أرسته ثورة 1979. غير أنّ مشكلة السلطات الإيرانيّة، بحسب مراقبين، هي عدم القدرة على فهم التغيّرات الاجتماعيّة والديموغرافيّة التي تطرأ على المجتمع الإيرانيّ ككلّ والتي تجعل من هذا "التمرّد" أكثر انتشاراً وأكثر قابليّة للتمظهر.
في عدد آب/أيلول (أغسطس/سبتمبر) من مجلة "ديبلوماسي" الفرنسيّة، تسلّط أستاذة العلوم الاجتماعية ومديرة مركز تعليم وتوثيق وأبحاث الدراسات النسويّة في جامعة باريس آزاده كيان الضوء على بعض هذه التحوّلات: أكثر من 75 في المئة من سكان إيران البالغ عددهم 83 مليون نسمة يقطنون في المدن. ومعدّل النموّ السكاني بين 2011 و 2016 بلغ 1.24 مقابل 3.8 سنة 1988. العائلات التي تعيش في المنزل الواحد أصبحت تتألف من النواة الأساسيّة وحسب (الأهل والأولاد فقط) فيما بلغ الحد الأدنى من عمر الزواج لدى الفتاة الإيرانيّة 24 عاماً. كما بلغ معدّل معرفة القراءة والكتابة لدى الإيرانيّات 84 في المئة سنة 2016 و 92 في المئة بالنسبة إلى اللواتي تتراوح أعمارهنّ بين 6 و 49 عاماً. كما أنّ غالبيّة مرتادي التعليم العالي من أصل نحو 4 ملايين طالب هي من النساء.
تفسّر هذه الأرقام أيضاً سبب ارتفاع "تمرّد" النساء الإيرانيّات على أحكام وقوانين النظام. فما كان يمكن تطبيقه بالقوّة منذ ثلاثة عقود لم يعد متاحاً اليوم لأسباب عدّة. إلى جانب التشدّد في تطبيق فروض ارتداء الحجاب، تعاني النساء الإيرانيّات من العنف المنزليّ بسبب قوانين تعهّدت حكومة روحاني، وقبلها حكومة محمد خاتمي، بتعديلها، لكن من دون نجاح. ومع عيش نحو 40 في المئة من الإيرانيين تحت خطّ الفقر، يصبح تحمّل النساء للأوضاع التي يواجهنها أكثر صعوبة. ويشير التقرير نفسه إلى أنّ هنالك 35 ناشطة نسويّة في السجون الإيرانيّة. تراكمُ هذه العوامل يوضح لماذا تتسبّب وفاة مواطنة إيرانيّة بالغة من العمر 22 عاماً بهذا الحجم من الاضطرابات. وما يفاقم حدّة الغضب الشعبيّ هو أنّ أميني لم تكن ناشطة نسويّة ولا حتى سياسيّة.
عامل آخر
بطبيعة الحال، يتقاطع أكثر من مستوى في مقاربة الاحتجاجات المندلعة عقب وفاة أميني. فإلى جانب كونها امرأة، تتحدّر أميني من بلدة سقز في محافظة كردستان. إذاً، ثمّة عامل إثنيّ آخر يدخل المعادلة حيث يتعرّض الأكراد للتهميش الاجتماعيّ وفقاً لـ"مشروع معلومات وأبحاث الشرق الأوسط". وتقول المنظّمة غير الربحيّة إنّ المنطقة الكرديّة هي "الأكثر تعسكراً في إيران" منذ الثورة؛ واستشهدت بالمقرّر الأمميّ الخاص عن حقوق الإنسان في إيران جويد رحمن الذي أكّد سنة 2019 أنّ نحو نصف السجناء السياسيين في إيران هم ناشطون أكراد بالرغم من أنّ هؤلاء لا يشكّلون سوى 10 إلى 15 في المئة من مجموع الإيرانيين.
سيترقّب العالم الطريقة التي ستنتهي بها تلك الاحتجاجات وما إذا كانت تشبه سابقاتها. هل تقطع إيران الإنترنت قبل أن تبدأ حملة قمع موسّعة ضدّ المحتجّين كما حصل سنة 2019؟ وإذا امتنعت طهران عن استخدام العنف، ولم تهدأ التظاهرات في أي وقت قريب، هل بوسعها تحمّل خضّة كبيرة في وقت يكثر الحديث عن تهيئة المرشد الأعلى نجله مجتبى كي يستلم منصبه في المستقبل؟
نبض