"هذا الشباب (الإيرانيّ) يواجه معضلة: الاستقالة (من الحياة العامّة) أو الثورة، لكن بأيّ ثمن؟". لم تكن الباحثة في "معهد السلام والتنمية" التابع لجامعة ساحل العاج آفا آغاجاني تدرك أنّ أسابيع قليلة تفصل سؤالها عن اندلاع احتجاجات قلّ نظيرها في إيران ما بعد الثورة. كان واضحاً أنّ إيران تعاني من اضطرابات اجتماعيّة متراكمة خلال السنوات الأخيرة. ترافقت الزيادة في الاحتجاجات مع وصول الرئيس الأميركي دونالد ترامب وانسحابه من الاتفاق النووي سنة 2018 ثمّ فرضه حملة الضغط الأقصى لعزل طهران عن العالم. أرهقت هذه العزلة الاقتصاد الإيراني وتدهور مستوى معيشة الإيرانيين بشكل عام.
بدء دوران عجلة التظاهرات
بلغ استياء الإيرانيّين ذروته، أو هكذا بدا حينها، في تشرين الثاني (نوفمبر) 2019. نزل الإيرانيون سريعاً إلى الشارع بعدما رفعت الحكومة الدعم عن أسعار الوقود التي ارتفعت بين 50 و 200 في المئة، لكنّ طهران تمكّنت من قمع الاحتجاجات سريعاً. ذكرت وكالة "رويترز" في ذلك الوقت أنّ نحو 1500 شخص قتلوا. سمّي ذلك الشهر بـ"نوفمبر الدمويّ" بسبب العنف الذي استخدمته السلطات لسحق التظاهرات. لكنّ عقوبات ترامب لم تكن السبب الوحيد لهذه التظاهرات أو حتى السبب الأهمّ.

بدأت حركة الاحتجاجات الأحدث في تاريخ إيران الثورة أواخر سنة 2017 وانتهت مع بداية 2018. حينها لم يكن ترامب قد انسحب من الاتفاق النوويّ حتى. برزت تحليلات بأنّ تلك الاحتجاجات التي بدأت في مدينة مشهد شكّلت في حقيقة الأمر رسالة من المتشدّدين تجاه حكومة الرئيس السابق حسن روحاني بسبب خلافات حول الموازنة. لكنّ تلك الرسالة خرجت عن السيطرة. الجمرُ تحت الرماد كان حقيقيّاً ويبدو أنّه باغت السلطات الإيرانيّة في أكثر من مرّة منذ ذلك الحين أكان على المستوى السياسيّ أو النقابيّ.
بعد انتهاء أو إنهاء احتجاجات "تشرين الثاني" (نوفمبر)، قال روحاني إنّ إيران انتصرت على "الأعداء" في إشارة إلى أنّ المحتجّين كانوا أدوات بين أيدي قوى أجنبيّة وفي مقدّمها الولايات المتحدة. لم يتبيّن أنّ انتصار طهران كان موقتاً وحسب. لقد غابت أيّ قدرة لدى السلطات الإيرانيّة على تكييف نفسها مع التحوّلات العميقة التي كانت تعيد صياغة المجتمع الإيرانيّ بشكل تدريجيّ لكن متسارع.
الأرقام تفسّر حجم الغضب
حين تساءلت أغاجاني عن خيار الشباب الإيرانيّ في مواجهة المصاعب، استندت إلى أرقام تظهر وصول هذه الفئة إلى أفق مسدود. في 2016، مثّل الشباب الإيرانيّ (أقل من ثلاثين عاماً) أكثر من نصف المجتمع. وفي تشرين الأول (أكتوبر) 2021، وصل التضخّم إلى 39 في المئة وانخفضت قيمة الريال من نحو 32 ألفاً لكلّ دولار أواسط 2015 إلى 300 ألف أواخر 2021. في الفترة نفسها، وصلت البطالة إلى 23.7 في المئة للذين تراوح أعمارهم بين 15 و 24 عاماً، والأرقام الفعليّة قد تكون أكبر وفق الكاتبة. ونحو 700 ألف متخرّج جامعيّ سنويّاً لا يجدون عملاً مع مغادرة قرابة 180 ألفاً البلاد كلّ سنة بحثاً عن لقمة العيش. وتنتشر آفة المخدّرات بين الشباب بشكل كبير بسبب الأوضاع الاجتماعيّة حيث أنّ 62 في المئة من المدمنين هم من الفئات الشابّة.
وبعض الأوضاع أسوأ في 2022. على سبيل المثال، بلغ التضخّم في إيران 54 في المئة في تموز (يوليو) قبل أن يرتفع إلى 60 في المئة شهر آب (أغسطس) وفقاً للرئيس الإيرانيّ ابراهيم رئيسي الذي أدلى بتلك المعلومة التي كان يفترض أن تظلّ سرّيّة. وشهد الريال الإيرانيّ مزيداً من الانخفاض، إذ وصل السبت إلى 370 ألفاً مقابل الدولار بعدما كان 332 ألفاً أوائل حزيران (يونيو). بشكل أكثر تفصيلاً، خسرت العملة الإيرانيّة نحو 13 في المئة من قيمتها منذ بدء التظاهرات في أيلول (سبتمبر) الماضي.

كانت هذه التحوّلات الاجتماعيّة تتراكم بانتظار شرارة. طوال هذه الفترة، لم تنقطع الاحتجاجات في إيران. تظاهرتا 2017-18 و2019 لم تكونا الوحيدتين. فالإضرابات الدوريّة لعمّال وموظّفين في قطاعات إنتاجيّة بارزة كالنفط والتعليم والنقل تركت بصمتها خلال السنوات القليلة الماضية. وتمّ تسجيل بعض التظاهرات الساخطة بسبب تطوّرات أمنيّة غير مرتقبة مثل إسقاط "الحرس الثوري" طائرة ركّاب أوكرانيّة تحمل على متنها 176 راكباً من طريق الخطأ حين ظنّها صاروخاً أميركيّاً سنة 2020. وأطلق سقوط مبنى في عبادان شهر أيار (مايو) الماضي وتسبّبه بمقتل أكثر من أربعين شخصاً موجة احتجاجيّة جديدة مع اتّهام السلطات بالإهمال وانتقاد رأس الدولة المرشد الأعلى علي خامنئي.
حين بدا أنّ طهران منتصرة
على وقع هذه التطوّرات، لم تتأخّر "شرطة الأخلاق" في توفير شرارة الانفجار الكبير. أثار مقتل الفتاة الإيرانيّة - الكرديّة مهسا أميني في حجز تلك الشرطة بسبب ارتداء للحجاب بطريقة "غير ملائمة" الاحتجاجات الأوسع والأكثر جرأة في البلاد. عبّرت نهاية مهسا المأسوية عن تقاطع مظالم فئات عدّة: الشباب والنساء والأقلّيّات. بذلك، لم يعد يمثّل نطاق تلك الاحتجاجات وديمومتها أيّ مفاجأة. في الواقع، ربّما تشكّل الاحتجاجات الحاليّة نقطة مفصليّة في تاريخ النظام. في السابق، كانت قدرة طهران على قمع التظاهرات أمراً مفروغاً منه إلى حدّ بعيد. اليوم، ثمّة شكّ كبير في مواصلة طهران التمتّع بالإمكانات نفسها. بعد ثلاثة أشهر على انطلاق انتفاضتهم، لا يبدو أنّ المحتجّين في طريقهم لمغادرة الشوارع. الصورة العامة في نهاية 2022 تناقض إلى حدّ كبير تلك التي سادت بين أواخر 2020 وأواخر 2021.
بينما غادر ترامب البيت الأبيض، كانت طهران تلتقط أنفاسها مراهنة على أنّ إدارة بايدن ستكون أكثر تساهلاً معها. بالفعل، قدّمت الإدارة تنازلات كثيرة لطهران عبر تخفيف تنفيذ بعض العقوبات خصوصاً النفطيّة منها. ومع أنّ الرئيس الأميركيّ لم يقبل مطلب إيران برفع "الحرس الثوري" عن قائمة الإرهاب أو وقف تحقيق الوكالة الدولية للطاقة الذرية في بعض نشاطاتها التخصيبيّة السابقة، أدّى التساهل في تنفيذ العقوبات إلى إعادة ملء خزائن طهران بشكل كبير وكان ذلك كافياً بالنسبة إليها. حتى أوائل 2022، بدت طهران فعلاً منتصرة. وكلاؤها في المنطقة يسيطرون إلى حدّ بعيد على أربع عواصم، الأميركيّون بقيادة بايدن ومعهم الأوروبيون يبدون يائسين لإحياء الاتفاق النووي، إضافة إلى هرولة الإدارة الأميركيّة للخروج من المنطقة كما حصل في أفغانستان والعراق. ظهر أنّ النظام الذي يوسّع برنامجه النوويّ بات قريباً من الانتصار النهائيّ وبالتالي يصبح أكثر استقراراً. لكن كما كتب الباحث البارز في "مركز كارنيغي للسلام الدولي" كريم سدجدبور في شباط (فبراير) الماضي، كان الانتصار "أجوف".
الإمارات هي النموذج... لا إيران
شبّه سدجدبور قوّة طهران بناطحة سحاب ذات أسس مهترئة وبالقوّة الظاهريّة للاعب كمال أجسام يعاني من انهيار أعضائه الداخليّة. ويشير إلى أنّ إيران استثمرت في إمكاناتها المحدودة لتحقيق طموحاتها اللامحدودة بتغيير النظام الدوليّ، ربّما أكثر ممّا استثمرت الصين وروسيا. بذلك، تجاهلت رفاه شعبها وجعلته أفقر وأقلّ أماناً. وأضاف الكاتب أنّ إيران صدّرت نموذج حكمها إلى بعض الدول العربيّة (يصف "محور المقاومة" بـ"محور البؤس") ففشل خامنئي بكسب عقول وقلوب الشعوب العربيّة والإسلاميّة. أكّد الكاتب أنّ النموذج الذي يطمح إليه اليوم معظم العرب هو نموذج الإمارات العربيّة المتّحدة الليبيراليّة اجتماعيّاً والمندمجة عالميّاً والمزدهرة اقتصاديّاً، لا نموذج إيران الخمينيّة. ويذكر استطلاعات رأي تقول إنّ ثلثي الشباب العربيّ ينظرون إلى إيران كعدوّ ونصف الشيعة العرب يحتفظ بنظرة غير إيجابيّة حيال إيران.

لم يستبعد سدجدبور أن تنهار "ناطحة السحاب" بسبب الإنفاق الهائل على الموارد والقمع الداخليّ. "في نهاية المطاف، الاستراتيجيّة الكبيرة للجمهوريّة الإسلاميّة ستهزم لا من قبل الولايات المتحدة أو إسرائيل بل من قبل الشعب الإيرانيّ، الذي دفع أغلى ثمن لذلك".
التوقّعات تتحقّق
بدأ توقّع سدجدبور يتحقّق تدريجيّاً مع الاحتجاجات الشعبيّة في إيران التي طاولت المدن المحافظة، كما فئة تجّار البازار المحافظين الذين أغلقوا محالّهم التجاريّة استجابة للدعوات إلى إضراب عام. ليس بالضرورة أن يحصل انهيار "ناطحة السحاب" دفعة واحدة. لقد مرّ نظام الحكم في إيران باضطرابات اجتماعيّة في السابق وتمكّن من تجاوزها. لغاية اليوم، وبحسب الأرقام المتوافرة، لا تزال أعداد القتلى الإيرانيّين أقلّ من الأعداد التي سقطت سنة 2019، علماً أنّ حدّة التظاهرات حينها بلغت ذروتها في أسبوع. تدرك طهران أنّ العالم يراقبها اليوم أكثر من أيّ وقت مضى، لذلك يمكن أن يكون ثمّة حدود لنطاق القمع العنيف الذي تمارسه. بالمقابل، تبدو الاعتقالات حاليّاً أوسع حجماً من اعتقالات 2019 (7 آلاف مقابل نحو 18 ألفاً اليوم). ولا تزال التظاهرات من دون قيادة الأمر الذي يؤثّر سلباً في طموحاتها. لكنّ نجاحاً محتملاً في إخماد الاحتجاجات الحاليّة لا يحجب واقع أنّ النظام لا يمكنه الاستمرار بالسلوك نفسه الذي مارسه طيلة أربعة عقود من الزمن.

بالفعل، جاء إعلان المدّعي العام الإيراني محمّد جعفر منتظري حلّ شرطة الأخلاق كتنازل أوّليّ للمتظاهرين. بطبيعة الحال، لا يصدّق مراقبون كثر هذا الإعلان الذي نفاه لاحقاً التلفزيون الرسميّ. على الأرجح، أتت هذه الخطوة كجسّ نبض للشارع الإيرانيّ وربّما للعالم كي يخفّف الضغط عن إيران. وإذا كان النظام جادّاً في طرحه، حتى ضمن محاولة التفافيّة تلغي عنف الشرطة لا العقوبات الماليّة على الارتداء "غير اللائق" للحجاب، فهذا يعني أنّه اضطرّ لتقديم تنازل ينظر إليه عادة كنقطة ضعف تستدعي حلقة مفرغة من المطالب الإضافيّة. في جميع الأحوال، ومهما تكن نتيجة الموجة الحاليّة من التظاهرات، كشفت سنة 2022 أنّ أسس النظام ليست قويّة كما تبدو عليه في الظاهر. السؤال عن تصدّعها قد يبدأ بالأداة الاستفهاميّة "متى" لا "هل".
نبض