"سِجِلُّ هذه الإجراءات (العقابيّة) هو أنّها تفشل، ثمّة دوماً حلول التفافيّة". بدا أستاذ العلوم الاقتصاديّة التطبيقيّة في جامعة جونز هوبكينز ستيف هنكه واثقاً بفشل العقوبات الغربيّة على روسيا خلال حديث لمجلّة "تايم" في شباط (فبراير) 2022.
مع ذلك، يبقى السؤال عمّا إذا كانت هذه "الحلول الالتفافيّة" وفيرة لدى روسيا، والأهمّ فعّالة في حمايتها من الغرب، أقلّه حتى تحقيق أهدافها العسكريّة المتقلّبة إلى حدّ ما، حتى قبل خسارتها معركة اقتحام كييف. لم يكن جميع المراقبين الغربيّين متفائلين تجاه فاعليّة العقوبات على روسيا. مجلّة "تايم" في التقرير المذكور توقّعت ألّا تنجح تلك العقوبات. مجلّة "إيكونوميست" وصفتها بـ"غير المسبوقة". مع ذلك، هي حذّرت من نتائجها العكسيّة على الغرب.
لتقييم العقوبات على روسيا ثمّة حاجة لمعرفة أهداف الغرب من خلفها. على الأقلّ، يبرز هدفان واضحان. هو يريد خنق الاقتصاد تدريجيّاً حتى يضغط المجتمع الروسيّ على الكرملين لوقف الحرب. من جهة ثانية، هو يسعى إلى ضرب قدرة الجيش الروسيّ على استدامة آلته العسكريّة. فهل تحقّق الهدفان؟ بالتأكيد ثمّة ملامح إجابة على السؤال.
مؤشّرات ماكرو-اقتصاديّة
تفادى الغرب فرض عقوبات على ما يمكن أن يطال أساسيّات عيش المواطنين الروس. فقطاعات الصحّة والدواء والزراعة والغذاء مستثناة من العقوبات. تبقى المجالات التي تؤثّر بطريقة غير مباشرة على مستوى معيشة الروس.
خلال منتدى الاقتصاد العالميّ، قال وزير خارجيّة المجر بيتر زيجارتو إنّ العقوبات أثّرت على اقتصاد الاتحاد الأوروبّيّ أكثر ممّا أثّرت على روسيا. وأشار إلى أنّ هذا التقييم عمليّ لا آيديولوجيّ إذ إنّ مكمن الفشل جليّ من خلال عجز الغرب عن "تركيع" الاقتصاد الروسيّ وعن إنهاء الحرب في أيّ وقت قريب.

البنك المركزي الروسي (أ ف ب)
وبرز تقييم مشابه في كانون الأوّل من خلال تقرير لبادي هيرش في موقع "الإذاعة الوطنية العامة" إذ كتب أنّ العقوبات لمّا تؤثّرْ على الاقتصاد الروسيّ بعد. فالتوقّعات في الربيع كانت تشير إلى انخفاض الناتج المحلّيّ الإجماليّ بما يتراوح بين 7 و 11 في المئة فلم ينخفض إلّا بنحو 3.3 أو 3.4 في المئة، (وثمّة أرقام أدنى من ذلك)، كما ترقّب البعض أن ترتفع الأسعار بين 20 و 25 في المئة لكنّ التضخّم بالكاد بلغ 12 في المئة. وبينما توقّع آخرون أن تنخفض الاستثمارات الأجنبيّة المباشرة ما بين 25 و 28 في المئة، أتت الأرقام لتشير إلى انخفاضها بـ1 في المئة.
وسجّل ميزان روسيا التجاريّ فائضاً في أول عشرة أشهر من 2022 بنحو 198.4 مليار دولار (أعلى بـ120 ملياراً من الفترة نفسها في 2021)، كما تعزّزت قيمة الروبل مقابل الدولار الواحد من 140 إلى نحو 60.
لكن ثمّة الكثير من التفاصيل التي تعدّل هذه الصورة العامّة بحسب مراقبين آخرين.
مؤشّرات "مضلّلة"
يرى النائب السابق لوزير الطاقة الروسيّ فلاديمير ميلوف أنّ القائلين بمرونة الاقتصاد الروسيّ يعتمدون على مؤشّرات ماكرو-اقتصاديّة مضلّلة. لجهة نسبة البطالة، بلغت الأخيرة 3.7 في المئة مع 2.7 مليون روسيّ عاطلين عن العمل. لكن في نهاية الربع الثالث من 2022، خضع نحو 5 ملايين روسيّ لأشكال مختلفة من البطالة المقنّعة. إنّ 10 في المئة من القوّة الروسيّة العاملة هي من دون عمل، وهذه الأرقام تُقارَن بالنسب التي شهدتها روسيا خلال أواخر التسعينات كما كتب.
بالنسبة إلى قوّة الروبل، يربط ميلوف هذا الأمر بالقيود الرسميّة التي صعّبت على الشركات والأفراد سحب المال وتحويله إلى عملة أجنبيّة. تأثّرت بذلك صناعات عدّة مثل إنتاج الصلب الذي تراجع بـ7 في المئة سنة 2022. وعلى مستوى عدم انكماش الناتج القوميّ الروسيّ إلا بـ2.7 في المئة، يشير ميلوف إلى أنّ التصنيع العسكريّ يساهم في هذه الأرقام: "إنّ دبّابة منتَجة حديثاً ومُرسَلة إلى الجبهة ومصابة بصاروخ جافلين أوكرانيّ لا تزال تُحتسب في المساهمة الاسميّة للناتج المحلّيّ الإجماليّ الروسيّ".

تدريبات الأوكرانيين على استخدام صاروخ "جافلين" (أ ب)
ويذكر ميلوف أرقاماً أخرى تدلّ إلى تراجع الاقتصاد الروسيّ مثل تدهور صناعة السيارات الروسيّة بنحو 66 في المئة السنة الماضية، هي التي توظّف نحو 3.5 مليون روسيّ، وقول 35 في المئة من الروس إنّهم اضطروا لخفض إنفاقهم على الطعام في 2022. وتوقّع أن يبلغ هروب الرساميل من روسيا 251 مليار دولار في السنة نفسها. في الواقع، حتى هيرش نفسه لا ينفي نقاط الضعف في الاقتصاد الروسيّ. فقوّة الروبل تعكس فعليّاً، بفعل ضوابط رأس المال، "العزلة العالميّة" للعملة الروسيّة.
من جهتها، تقدّم مديرة التوقّعات العالميّة في "وحدة الاستخبارات الاقتصاديّة" أغاثه ديمارَيس أرقاماً شبيهة بأرقام ميلوف. فالإنتاج الصناعيّ الروسيّ، بما فيه استخراج النفط والغاز، كان أقل بـ3 في المئة من سنة 2021. وانهارت تجارة التجزئة بنحو 10 في المئة وقطاع تصنيع السيّارات بنحو 64 في المئة. وكانت بعض أسوأ التوقّعات تشير إلى أنّ نصف الطيران المدنيّ الروسيّ قد يتفكّك كي يتمكّن النصف الآخر من التحليق سنة 2025.
إخفاقٌ لا جدال فيه... تقريباً
الفشل الذي يكاد يكون مؤكّداً في هذا السياق، أقلّه لغاية اليوم، هو أنّ شعبيّة الرئيس الروسيّ لا تزال مرتفعة. هي انخفضت قليلاً حين أعلنت روسيا التعبئة الجزئيّة في أيلول (سبتمبر) الماضي، قبل أن تعاود التحسّن لاحقاً. ويبدو أنّ الروس يمكن أن يعمدوا إلى تصحيح الأخطاء التي ارتُكبت في السابق إذا أرادوا الإعلان عن تعبئة أخرى في المستقبل، كما كتب الزميل في مؤسسة "كارنيغي" للسلام الدولي مكسيم ساموروكوف. يعتقد الأخير أنّ طريقة تنفيذ التعبئة، لا التعبئة بحدّ نفسها، هي التي أثّرت على شعبيّة بوتين التي استعادت تعافيها بمجرّد الإعلان عن نهايتها.
ووفقاً لاستطلاع رأي أجراه "مجلس شيكاغو" و"مركز ليفادا" في تشرين الثاني (نوفمبر)، قال 75 في المئة من الروس إنّهم موافقون على "العمليّة العسكريّة الخاصّة"، مع أنّها انخفضت قليلاً عن استطلاع آذار (81 في المئة). كذلك، قال 78 في المئة من الروس إنّه سيكون من غير المقبول إعادة القرم إلى أوكرانيا. ورفض 66 في المئة منهم إعادة منطقة دونباس إلى كييف. كذلك، قال 60 في المئة إنّهم غير قلقين، أو قلقين بشكل طفيف، من العقوبات الغربيّة. وأفاد 20 في المئة أنّ تلك العقوبات تسبّبت بمشاكل معيشيّة خطيرة و27 في المئة أنّها تسبّبت بعض المشاكل.

بوتين مخاطباً الروس بمناسبة الذكرى الثامنة على ضمّ القرم، آذار 2022 (أ ب)
ولا يمكن تجاهل نقطة ضعف أخرى للعقوبات. إذا كان الغرب قد تبنّاها من أجل دفع الأثرياء الروس إلى الانقلاب على بوتين فهي بالتأكيد اصطدمت بحائط مسدود. بدت الأرقام إيجابيّة بالنسبة إلى الغرب مع بداية الغزو، حين أعلن بعض الأوليغارشيّين الروس معارضتهم للحرب ولو بشكل خجول. ليس واضحاً ما إذا راهن الغرب فعلاً على هذا الانقسام في صفوف النخبة الأوليغارشيّة. لكنّ مراقبين يعتقدون أنّ العلاقة التضامنيّة بين بوتين وهؤلاء الأوليغارشيّين ليست متوازنة بل تصبّ في مصلحة الرئيس الروسيّ. في نهاية المطاف، تبيّن أنّ هؤلاء المراقبين على حقّ في ما يخصّ عدم الرهان على انقلاب الأوليغارشيّين المحتمل ضدّ الكرملين.
في هذين المجالين، كان مفعول العقوبات أقلّ بكثير من المتوقّع. لكن حتى في المدى المنظور، يمكن أن يتغيّر الأمر بعض الشيء. وفقاً لاستطلاع شيكاغو/ليفادا، أيّد 53 في المئة من الروس إجراء مفاوضات مع أوكرانيا في حال أدّى ذلك إلى تقصير أمد الحرب وتفادي المزيد من الخسائر بين القوّات الروسيّة. كذلك، انخفضت حماسة الروس قليلاً تجاه الحرب. فبعدما قالوا في آذار إنّ الهدف من "العمليّة العسكريّة الخاصّة" حماية الناطقين باللغة الروسيّة في الشرق الأوكرانيّ، عجز 22 بالمئة منهم في تشرين الثاني عن تحديد هدف الحرب، وهي زيادة بنسبة 13 في المئة. كذلك، وخلال الفترة نفسها، انخفضت نسبة من قالوا إنّ الحرب دفاعيّة في طبيعتها من 43 إلى 27 في المئة. لهذا السبب، يعتقد البعض أنّه حتى ولو كانت نتائج العقوبات الظاهرة حتى اللحظة أقلّ من المتوقّع، ستتصاعد تلك التداعيات أكثر بمرور الوقت.
آلة الحرب الروسيّة... تتآكل
على الصعيد العسكريّ، بدأت نتائج العقوبات بالظهور في الأشهر القليلة الماضية. بحسب ديماريس من "وحدة الاستخبارات الاقتصاديّة"، ستحتاج روسيا إلى حلّ "معادلة مستحيلة" تقضي بتمويل الحرب في أوكرانيا مع إبقاء الدعم الاجتماعيّ مرتفعاً بما يكفي لتفادي الاضطراب. ومنذ انطلاق الغزو، فرضت واشنطن قيوداً على صادرات أشباه الموصلات إلى روسيا فانخفضت الأخيرة بنسبة 90 في المئة. والغالبيّة الساحقة من أشباه الموصلات الحديثة التي تدخل في المعدّات العسكريّة الروسيّة تأتي من الشركات الأميركيّة.
وكان لوزارة الخارجيّة الأميركيّة تقييم مشابه في تشرين الأوّل 2022. فهي ذكرت أنّ روسيا تعاني من نقص كبير في الإمدادات العسكريّة الأمر الذي دفعها إلى طلب المساعدة من دول أقلّ تقدّماً بكثير على المستوى العسكريّ مثل إيران وكوريا الشماليّة. كذلك، اضطرّت روسيا إلى سحب مكوّنات من بعض طيرانها لاستخدامها في طائرات أخرى بسبب معاناتها في استيراد أشباه الموصلات. وبحسب الوزارة نفسها أيضاً، أصيب إنتاج الصواريخ الروسيّة الفرط صوتيّة بالتوقّف شبه الكامل بفعل نقص أشباه الموصلات والأمر نفسه ينطبق على المصانع التي تصنّع صواريخ أرض-جو. بالفعل، تعتمد روسيا في الغالبية الساحقة من أشباه الموصلات المتقدّمة، على "الدراية التقنيّة" للغرب كما أنّ 90 في المئة من الرقاقات الإلكترونيّة توقّفت عن الدخول إلى أسواقها. ويبدو أنّ الصين غير قادرة، أو ربّما غير مهتمّة بنقل الكثير من الرقاقات الإلكترونيّة إلى روسيا. بعد الغزو، تبيّن أنّ نسبة 40 في المئة من أشباه الموصلات التي أرسلتها بكين إلى جارتها الشماليّة معطّلة. وكانت نسبة هذه الأعطال نحو 2 في المئة قبل 24 شباط 2022.
لا تغيب مؤشّرات أخرى عن ضعف الآلة العسكريّة لموسكو. في تشرين الأوّل، ذكر مكتب مدير الاستخبارات القوميّة في الولايات المتحدة أنّ النقص حتى في قطع غير عالية التقنيّة مثل المحامل قوّض تصنيع الدبّابات والمقاتلات والغوّاصات وأنظمة عسكريّة أخرى.

مركبات عسكريّة روسيّة مدمّرة (أ ب)
وفي العاشر من كانون الثاني 2023، قال مسؤولون أميركيّون لشبكة "سي أن أن" إنّ انخفاض نيران القوّة المدفعيّة الروسيّة بلغ نحو 75 بالمئة في بعض الأماكن. وقال الأميركيّون إنّ وتيرة القصف تضاءلت من 20 ألف قذيفة يوميّاً إلى نحو 5 آلاف، بينما تحدّث الأوكرانيّون عن أنّها تناقصت من 60 ألفاً إلى قرابة 20 ألفاً. واعتراف أوكرانيا بانخفاض حجم تعرّضها للقذائف الروسيّة على أراضيها لافت للنظر بما أنّ من مصلحتها ادّعاء العكس لدفع الغرب إلى إرسال المزيد من الأسلحة.
إذا صحّت هذه الأرقام والتقديرات فمعنى ذلك أنّ العقوبات تنجح في تخفيف اندفاع الآلة الحربيّة الروسيّة. سينعكس ذلك حكماً على الهجوم الروسيّ المتجدّد ضدّ أوكرانيا في الربيع المقبل وعلى الجهد الحربيّ الأوسع لما بعد ذلك. لكن ثمّة ما هو أبعد من مجرّد التأثير على القدرات العسكريّة الروسيّة بالرغم من أهمّيّة هذا العامل في الحسابات الغربيّة. إذا صحّت توقّعات خبيرين في الشؤون الاقتصاديّة والإداريّة فقد يواجه الاقتصاد الروسيّ عزلة كبيرة غير مسبوقة ستزداد حدّة بمرور الوقت.
العالم "لم يعد بحاجة" للاقتصاد الروسيّ
في مجلة "فورين بوليسي"، كتب العميد المشارك الأول في كلّيّة ييل للإدارة جيفري سوننفيلد ومدير الأبحاث في معهد ييل للإدارة التنفيذيّة ستيفن تيان أنّه في 2021، ضمنت صادرات روسيا من النفط والغاز نصف عائداتها الفيديراليّة. لكنّ الشتاء الدافئ في أوروبا وإيجاد مصادر أخرى للغاز المسال وتعزيز الطاقة النظيفة والنوويّة هي عوامل خفّضت اعتماد بروكسل على الغاز الروسيّ من 46 إلى 9 في المئة وأمّنت الطاقة حتى أواسط 2024 تقريباً. وبينما خسرت روسيا سوقاً بقيمة 150 مليار سنتيمتر مكعّب من الغاز، بالكاد ضمنت 16 ملياراً في السوق الصينية.
وأضاف الكاتبان أنّه حين أعلنت موسكو الامتناع عن بيع النفط إلى الدول التي قبلت بوضع مجموعة السبع سقفاً لسعره، انخفضت الأسعار بدلاً من أن ترتفع، لأنّ العالم لم يعد يعتمد على النفط الروسيّ. فسوق النفط والغاز تفضّل المشترين لا البائعين وسط ارتفاع الإمدادات (من أميركا وفنزويلا وكندا والبرازيل) بما يكفي للتعويض عن النقص المحتمل في النفط الروسيّ.

مشروع "نورد ستريم 2" أحد أبرز ضحايا الغزو الروسي لأوكرانيا (أ ب)
ولفتا النظر إلى أنّ الهند زادت شراءها للنفط الروسيّ بـ33 مرّة عن السنة التي سبقت، لكنّها تشتريه بحسم يبلغ 50 في المئة ممّا يحرم موسكو من أرباح كثيرة بفعل حاجتها لبيع البرميل بنحو 44 دولاراً لتغطية الكلفة. وإذا نفّذت روسيا تهديدها فستفرّط بحصّة مهمّة من السوق وتخسر عائدات حيويّة. حتى على مستوى المعادن كالنيكل والكوبالت، يتمكّن المستثمرون من الوصول إلى مناجم مهمّة في أفريقيا والأميركيّتين بما يعوّض الحاجة إلى المعادن الروسيّة بشكل دائم.
اليد العليا للغرب... ماذا بعد؟
من الناحية النظريّة على الأقلّ، لا يقف الوقت إلى جانب الروس طالما أنّ أوروبا نجحت إلى حدّ بعيد بالتخلّص من اعتمادها على موسكو، خصوصاً على مستوى الطاقة. وهذا ليس كلّ شيء. تتمتّع الحكومات الغربيّة باليد العليا تجاه روسيا. فهامش التحرّك بالنسبة إليها لمّا يُستنفدْ بعد. بحسب ديماريس، لم تستخدم واشنطن كلّ ما في جعبتها من عقوبات. هي لا تزال قادرة على عزل روسيا بالكامل عن نظام "سويفت" للتراسل الماليّ ومنع روسيا من استخدام الدولار ممّا يقيّد صادراتها من الطاقة. كما بإمكانها فرض عقوبات ثانويّة الأمر الذي يعني فرض اختيار الشركات الأميركيّة أو الأجنبيّة بين السوق الروسيّة أو السوق الأميركيّة.
لكنّ تمتّع الغرب باليد العليا لا يعني أنّ روسيا مستعدّة للتفاوض من أجل تخفيف العقوبات عنها. بالحدّ الأدنى لن يكون هذا هو السبب الأساسيّ في حال بروز استعداد كهذا. سيظلّ الميدان العامل الأهمّ في تحديد احتمالات عقد محادثات من عدمها. علاوة على ذلك، تعرف روسيا أنّ رفع العقوبات مسألة إشكاليّة وعودتها إلى الاقتصاد الدوليّ لن تكون قضيّة سهلة حتى ولو أوقفت الحرب غداً.

قمّة جنيف بين الرئيسين بايدن وبوتين في 2021 فشلت في منع الغزو (أ ب)
في آذار الماضي، سرد مدير البرامج في "المجلس الروسيّ للشؤون الدوليّة" إيفان تيموفيف عدداً من الأسباب التي ترجّح ألّا تصدّق روسيا إمكانيّة رفع العقوبات، أو ترجّح أنّ الغرب قد يشترط عليها مطالب جديدة للنظر في تخفيفها. فإلى جانب الإجراءات البيروقراطيّة والتشريعيّة التي يتطلّبها رفع بعض العقوبات، يبرز عامل خسارة النقاط السياسيّة بالنسبة إلى المشرّعين والقادة الغربيّين الذين يوافقون على تخفيف الضغط عن روسيا وعامل محاولة انتزاع أكبر مقدار ممكن من التنازلات الروسيّة على طريق إلغاء العقوبات. لهذا السبب، يعتقد الكاتب أنّ رفعاً كاملاً للعقوبات غير مرجّح، هذا إن لم يكن غير عمليّ. وكرّر تيموفيف رأيه في مقال لاحق الصيف الماضي في "منتدى فالداي" الروسيّ.
من الواضح أنّ مفاوضات محتملة حول رفع العقوبات ستكون مضنية وإلى حدّ كبير غير مجدية. ستريد روسيا رفعها دفعة واحدة في مقابل رغبة الحكومات الغربيّة بفترة انتقاليّة لضمان استكمال تطبيق أيّ اتّفاق سلام أو وقف لإطلاق النار ينجم عن المحادثات. لكنّ المراحل الانتقاليّة قد تتحوّل إلى دائمة. على الأرجح، ستفضّل روسيا التكيّف مع عالم يفصلها عن الغرب عبر "ستار حديديّ" جديد من العقوبات المستدامة. أمّا قدرة روسيا على تحقيق هذا التكيّف في القرن الواحد والعشرين فمبحثٌ آخر.
نبض