"أعتقد أنّ الاستخدام الفعليّ للأسلحة النوويّة التكتيكيّة سيبقى خياراً محتملاً خلال المواجهة في أوكرانيا".
هذا ما يقوله مدير "مؤسسة شيشرون" التي تعنى بشؤون التعاون العابر للأطلسيّ ومقرها هولندا مارسيل فان هيربن رداً على سؤال "النهار العربيّ" بشأن احتمال تنفيذ الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين تهديداته النوويّة المبطّنة.
ليس مستغرباً أن تكون احتمالات اندلاع حرب نوويّة آخذة بالتصاعد. جورج ويل من صحيفة "الواشنطن بوست" وجد أنّ احتمالات حرب نوويّة اليوم قد تكون أخطر من تلك التي سادت خلال أزمة صواريخ كوبا سنة 1962. من مفارقات التاريخ أنّ تلك الأزمة اندلعت في هذا الشهر بالتمام. حينها، قدّر الرئيس الأسبق جون كينيدي أنّ احتمالات حدوث صدام نوويّ مع الاتّحاد السوفياتيّ تراوحت بين 33 و 50 في المئة. إذا صحّت هذه الأرقام، فهذا يعني أنّ العالم اليوم قريب جداً من المحظور.
ما يعزّز هذه الفرضيّة أنّ أوكرانيا استردّت الكثير من الأراضي في الفترة الماضية، خصوصاً في أيلول (سبتمبر). أكثر من 10 آلاف كيلومتر مربّع استعادها الأوكرانيون خلال النصف الأول من أيلول (سبتمبر) فقط. ويوم السبت، طالبت سلطات خيرسون الموالية لروسيا سكّان المنطقة بمغادرتها "فوراً". سيحدّد مسار الحرب المقبل الكثير من العوامل التي ستضاعف من احتمالات استخدام روسيا السلاح النوويّ التكتيكيّ.
فبعد إجرائها استفتاءات في لوغانسك ودونيتسك وزابوريجيا وخيرسون، باتت روسيا تعتبر هذه المناطق أراضيَ تابعة لها. يرى البعض أنّ روسيا لم تكن لتجري هذه الاستفتاءات، أو على الأقل، لم تكن لتستعجل تنظيمها، لولا التقدّم السريع الذي أحرزته القوّات الأوكرانيّة مؤخّراً في شرق البلاد، وبدرجة أقل في جنوبها. بالتالي، إذا أحرز الجنود الأوكرانيون مزيداً من التقدّم إلى درجة تهديد قبضة القوّات الروسيّة على تلك المناطق، فقد يقرّر الكرملين أنّ وحدة الأراضي الروسيّة نفسها هي المهدّدة. إلى جانب ذلك، ثمّة ضربات "أوكرانيّة" متزايدة لأهداف تراها روسيا "رمزيّة" بالنسبة إليها، كاستهداف جسر القرم. تتراكم هذه العوامل لجعل قصف روسيّ لأهداف أوكرانيّة بأسلحة نوويّة تكتيكيّة أكثر احتمالاً. لكن ما هي الأسلحة النوويّة التكتيكيّة؟
نقاط اختلاف وتشابه
تُصنّف الأسلحة النوويّة التكتيكيّة وفقاً لحجمها ومداها واستخداماتها ضدّ أهدف عسكرية محدّدة. هي أسلحة "غير استراتيجيّة" بالمقارنة مع الأسلحة الاستراتيجيّة الهادفة إلى ضرب "قدرات وإرادة العدوّ في صناعة الحرب" بحسب الجيش الأميركي. بالمقابل، تهدف الأسلحة النوويّة التكتيكيّة إلى تحقيق أهداف عسكريّة فوريّة تُكسب "معركة"، لا "حرباً". ويمكن تسليم هذه الأسلحة بواسطة صواريخ أو قنابل تلقى من الجو أو حتى عبر قذائف مدفعيّة.
بإمكان الأسلحة النوويّة التكتيكيّة أن تنتج انفجاراً بقوة تتراوح بين 1 و 100 ألف طن من مادة الـ"تي أن تي" بينما بإمكان الأسلحة النوويّة الاستراتيجيّة أن تولّد انفجاراً تصل قوّته إلى مليون طن. بالتالي، ثمّة أسلحة "تكتيكيّة" تتخطى بقوّتها القنابل النوويّة الاستراتيجيّة، إذ بلغت قوّتا قنبلتي هيروشيما وناغازاكي على التوالي 15 و 21 ألف طن. مع ذلك، يبقى تأثيرها الإشعاعيّ أقل من ذاك الناتج من تفجير سلاح نوويّ استراتيجيّ.
قرّرت الولايات المتحدة ودول غربيّة أخرى خفض ترسانتها من الأسلحة النوويّة "التكتيكيّة" خوفاً من وقوعها بأيدي الإرهابيّين، خصوصاً بالنسبة إلى الأسلحة المحمولة ذات الحجم الصغير. من ناحية ثانية، ثمّة بعض الأسلحة التقليديّة التي تملك قدرات قريبة من الأسلحة النوويّة التكتيكيّة التي تقع في أسفل سلّم القدرات التدميريّة (تلك التي لا تتجاوز قوتها بضعة آلاف طن من الـ"تي أن تي"). كان هذا سبباً آخر كي تخفّض القوى الغربيّة ترسانتها من الأسلحة النوويّة التكتيتكيّة. فالولايات المتحدة تملك منها نحو مئتي رأس في مقابل ألفين لروسيا.
يقول الخبير في شؤون القوى الروسيّة النوويّة بافل بودفيغ إنّ العالم لا يزال على بعد "خطوات عدّة بالحدّ الأدنى" من استخدام روسيا الأسلحة النوويّة التكتيكيّة. لا تزال العقيدة الروسيّة لاستخدام تلك الأسلحة تتمحور حول تعرّض روسيا لهجمات تهدّد وجود الدولة الروسيّة نفسها. لم يجد بودفيغ في حديثه إلى مجلّة "أتلانتيك" ما يوحي بتغيّر تلك العقيدة أقلّه على المستوى الخطابيّ كبروز تهديد روسيّ أكثر صراحة. ويوضح: "سنعرفه حين نرى ذلك. وجهة نظري، لغاية الآن، أنّنا لم نرَه".
الأهداف المحتملة
بنيت الأسلحة النوويّة التكتيكيّة على قاعدة أنّ التهديد باستخدام نظيرتها الاستراتيجيّة لم يعد ذا صدقية. فبعكس "النوويّ الاستراتيجيّ"، يهدف التلويح باستخدام "النوويّ التكتيكيّ" إلى تعزيز صدقيّة التهديد طالما أنّ غايته الأساسيّة ضرب القواعد العسكريّة للعدوّ لا المراكز السكنيّة. مع ذلك، ثمّة إجماع على فكرة أنّ استخدام السلاح النوويّ يخرق محظوراً تأسّس منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية بصرف النظر عمّا إذا كان السلاح تكتيكيّاً أو استراتيجيّاً. لكنّ خرق المحظور سينطلق على الأرجح من بوّابة الرؤوس النوويّة التكتيكيّة لا الاستراتيجيّة بما أنّ الفئة الأولى مخصّصة، نظريّاً، لاستهداف المراكز العسكريّة ومراكز الإمداد وتخزين الأسلحة. يفترض ذلك وجود حسابات لدى روسيا بأنّها لا تريد عزل نفسها عن العالم إذا قصفت مراكز سكنيّة. لكنّ ذلك لا يعني أنّ استخدام "النوويّ التكتيكيّ" سيمرّ بالضرورة مرور الكرام حتى بين الحلفاء المفترضين أو الشركاء المقرّبين من روسيا مثل الصين والهند. إنّما يبقى ضرب المراكز العسكريّة أقلّ وقعاً من ضرب المراكز المدنيّة بشكل عام.
إذا كان هذا التحليل يريح البعض لجهة أن تكون الأهداف العسكريّة الهدف الأوّل للسلاح النوويّ التكتيكيّ لدى موسكو – في حال – أرادت استخدام هذا السلاح ضدّ أوكرانيا، فإنّ البعض الآخر من المحلّلين لا يقتنع تماماً بهذه الفكرة. مدير الأبحاث في "المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية" جيريمي شابيرو يرى أنّ القوات الروسيّة قد تلقي عدداً صغيراً من الرؤوس النوويّة التكتيكيّة ضد تجمّعات لقوات أوكرانيّة أو خطوط إمداد "الناتو" ضدّ أوكرانيا. لكن "إذا لم تستطع (روسيا) العثور على أيّ منها (الأهداف العسكريّة)، فستستخدمها ضدّ أهداف مدنيّة أوكرانيّة. الهدف ليس أساسيّاً لأنّ القصد من الهجوم سيكون تدمير الإرادة الغربيّة بدعم أوكرانيا، لا عكساً للوضع العسكريّ بشكل مباشر".
واندلعت الحرب النووية... "لقد قلت لكم"
كتب شابيرو في موقع "وور أن ذا روكس" أنّ واشنطن وموسكو أصبحتا على مسار الصدام النوويّ الآن. والأمر لا يتعلّق بحكمة اللاعبين بمقدار ما يتعلّق بصعوبة إيقاف دوّامة التصعيد.
تتلخّص الدوّامة وفقاً لشابيرو بالآتي: إذا بدأت روسيا بخسارة الحرب بشكل لا عودة عنه فستطلق بضعة رؤوس نوويّة وتضع قواها النوويّة الاستراتيجيّة في حال تأهّب. تتحرّك واشنطن للردّ على الضربات وفي نيّتها عدم إطاحة الحكم في الكرملين، بل فقط معاقبة الجريمة. وسترى حال التأهّب النوويّ الروسيّ مجرد خداع وتعدّ لردّ تقليديّ أطلسيّ على قوّات روسيّة في أوكرانيا أو داخل روسيا، وكإجراء احتياطيّ تضع واشنطن القوّات الأميركيّة النوويّة في حال تأهب.
يلتقط الكرملين هذه الإشارات كمحاولة لقلب نظامه، فيشنّ ضربات تقليديّة أو نوويّة على قوات أوكرانيّة أو مراكز عسكريّة في دول أطلسيّة فيفعّل ذلك المادة الخامسة من معاهدة الحلف. بعدها، يطلق الأطلسيّون عمليّة تقليديّة لتدمير الإمكانات الهجوميّة لروسيا فتردّ الأخيرة عبر إطلاق أوّل هجوم نوويّ استراتيجيّ آملة بأن يضعف ذلك العزم الغربي. عندها "سيتسنّى لي نحو بضع دقائق لتوجيه رسالة إلكترونية لزملائي تقول "لقد قلت لكم ذلك"".
في سياق موازٍٍ، يشير مراقبون إلى عقيدة روسيا القتاليّة القائمة على "التصعيد لخفض التصعيد" الأمر الذي يوفّر منفذاً آخر لها كي تشنّ ضربة نوويّة على قاعدة أنّ ذلك قد يكسر الإرادة الغربيّة أو بالحدّ الأدنى التلاحم الغربيّ السياسيّ في دعم أوكرانيا. لكنّ الزميل البارز في "معهد كايتو" الأميركيّ ومقرّه واشنطن إريك غوميز يوضح الى "النهار العربي" أنّ المحلّلين الأميركيّين هم من يستخدمون مصطلح "التصعيد من أجل خفض التصعيد" لا الوثائق الاستراتيجيّة النوويّة الروسيّة، لهذا السبب، يتردّد الكاتب في استخدام هذا المصطلح.
لكن بصورة عامة، يشير "التصعيد من أجل خفض التصعيد" إلى الاستخدام المحدود للأسلحة النووية، والمعروف أيضاً باسم "الخيارات النوويّة المحدودة" أو LNOs لإنهاء الحرب بشروط مؤاتية. الفكرة بحسب الباحث نفسه، وهو متخصّص في شؤون الحدّ من الانتشار النوويّ، هي أن تلجأ روسيا إلى "الخيارات النوويّة المحدودة" للإشارة إلى المخاطر الكبيرة للصراع وللتحذير من إمكانيّة مواصلة التصعيد إذا لم تتوقف الحرب.
الشرارة المرجّحة لاندلاع الحرب
قد تكون خسارة الأراضي التي احتلّتها روسيا خلال الحرب أحد المداخل الأساسيّة لاستخدام الأسلحة النوويّة. لاحظت الأكاديمية غير المقيمة في مركز "كارنيغي إندومنت للسلام الدولي" تاتيانا ستانوفايا أنّ تصاعد التهديد النوويّ في موسكو ترافق مع عوائق التقدّم العسكريّ في أوكرانيا. وكتبت في مجلة "فورين أفيرز" أنّ هذا الأمر حصل في آذار (مارس) مثلاً حين أعاد بوتين نشر قواته من كييف باتجاه الشرق بعد خسارة المعركة للسيطرة على العاصمة. لكنّ التهديد تلاشى بعدما تقدّمت روسيا في منطقة دونباس خلال شهر أيار (مايو) قبل أن يرتفع مجدداً في الآونة الأخيرة مع المكاسب الميدانيّة السريعة التي حقّقتها أوكرانيا.
لدى غوميز التحليل نفسه: "في السيناريو الحاليّ في أوكرانيا، إنّ الحالة الأساسيّة التي أرى فيها احتمالاً حقيقياً لـ"الخيارات النوويّة المحدودة" هي استمرار خسارة القوّات الروسيّة بشكل سيّئ على الرغم من إرسال المزيد من القوّات إلى الجبهة مع سريان مفعول أمر التعبئة الذي أصدره بوتين. يكون الخطر النوويّ أعظم أيضاً إذا هدّدت الهجمات الأوكرانيّة بالسيطرة على شبه جزيرة القرم التي ضمّتها روسيا سنة 2014 وتعتبرها أراضيها".
الخيار الأوّل لبوتين
أضاف غوميز في تعليقه الى "النهار العربي": "جادل بعض المحلّلين الأميركيّين في الماضي بأنّ روسيا تتوق لاستخدام "الخيارات النوويّة المحدودة" في وقت مبكر من الصراع، لكنّني لا أتفق مع هذا التقييم. برأيي، يفضّل بوتين إبقاء الحرب تقليديّة وإيجاد طرق للتصعيد من دون تجاوز العتبة النوويّة. يمكن بوتين إبقاء تهديد الاستخدام النووي المحدود نشطاً على أمل التأثير في سلوك أوكرانيا والولايات المتحدة/الناتو، ولكن طالما أنّ هناك خيارات غير نوويّة للتصعيد والسيطرة على التصعيد فهناك أسباب وجيهة لعدم استخدام الأسلحة النووية".
بمعنى آخر، تابع غوميز: "تمتلك روسيا القدرة على شن هجمات نوويّة محدودة ضد أوكرانيا. ومع ذلك، إنّ احتمال حدوث ذلك منخفض نسبياً طالما أنّ بوتين يعتقد أنّ لديه خيارات للقتال الحربي والتحكّم بالتصعيد من دون (بلوغ) العتبة النوويّة وطالما أنّ القوّات الأوكرانيّة لا تهدّد بطرد القوّات الروسيّة من القرم".
فان هيربن، من "معهد شيشرون" ومؤلف عدد من الكتب حول روسيا، يملك وجهة نظر مشابهة يتشاركها مع "النهار العربي": "يبدو أنّ الكرملين فهم أنّ تهديد أوكرانيا والغرب بتفجير جهاز نوويّ أكثر فاعلية من الاستخدام الفعليّ لسلاح نوويّ تكتيكيّ. بالتالي يمكننا توقع أن يتكرّر هذا التهديد في اللحظات الصعبة للهجوم الروسيّ".
سلبيّات أكثر من المنافع؟
يشكّك فان هيربن أيضاً في الفائدة العسكريّة لهجوم كهذا. فهنالك أوّلاً مخاطر تلوّث المناطق الحدوديّة الروسيّة من الإشعاعات النوويّة. من جهة ثانية، يطرح المحلّل نفسه التساؤل التالي: "هل تريد غزو أرض ملوّثة لسنوات عدّة؟".
من جهته، يرى غوميز أنّ إشارات الردّ الأميركيّة والأطلسيّة على القصف النوويّ الروسيّ المحتمل غامضة، لكنّ احتمال حدوث نوع من الردّ مرتفع. يبقى أنّ الغموض في الردّ أساسه رغبة تقليل مخاطر التصعيد الخارج عن السيطرة. علاوة على ذلك، "ثبت أنّ الجيش الروسيّ التقليديّ أضعف بكثير ممّا افترضه كثر في بداية الحرب. إذا شنّت روسيا هجوماً نوويّاً محدوداً على أوكرانيا، فلن تتمكّن من حماية نفسها من الردّ التقليديّ للولايات المتحدة/الناتو. وهذا من شأنه أيضاً أن يقلّل من فائدة الخيارات النوويّة المحدودة بالنسبة إلى روسيا من خلال إظهار أنّها لا تستطيع تحقيق أهدافها الحربيّة من خلال القيام بتصعيد نوويّ محدود".
وأضاف غوميز أنّه سيتمّ وضع بوتين في موقف صعب للغاية لمواصلة صعود السلّم النوويّ أو التراجع. "قد تكون روسيا على استعداد لتحمّل الألم الناجم عن مواصلة التصعيد، ولكن في هذه المرحلة يكون خطر اندلاع حرب نووية شاملة أعلى من ذلك بكثير".
في مقابلة مع مجلّة "النيويوركر"، يرى الخبير في الحدّ من الانتشار النوويّ أنكيت باندا أنّه ليس للرؤوس النوويّة التكتيكيّة فائدة عسكريّة على الميدان لأنّ الأوكرانيين لن يكتّلوا وحداتهم العسكريّة في بقعة جغرافيّة ضيّقة تعرّضهم للدمار بفعل هذا السلاح. واحتمال أن يطرأ عطل على الصواريخ الروسيّة الحاملة للرؤوس النوويّة أو انفجارها على العلوّ الخاطئ يعرّض بوتين لـ"مقامرة هائلة، حتى بالنسبة إلى فلاديمير بوتين".
لكن حتى عدم جني بوتين منفعة عسكريّة أو ديبلوماسيّة من استخدام السلاح النووي لا يعني بالضرورة أنّه لن يقدم على هذه الخطوة وفقاً لباندا. فبالنظر إلى ما فعله في أوكرانيا حتى اليوم "قد يصدمنا بوتين جميعاً عبر فعل شيء لا معنى له على الإطلاق".
التصعيد ليس متسلسلاً وآليّاً
بالعودة إلى ما كتبه شابيرو، من المرجّح أن يملك الأخير وقتاً طويلاً جدّاً قبل أن يذهب إلى بريده الإلكترونيّ ويكتب لزملائه "لقد قلت لكم ذلك" في إشارة إلى أنّه كان محقّاً في توقّعه. فحتى القصف الروسيّ المحتمل لأراضٍٍ أوكرانيّة بأسلحة تكتيكيّة لا يعني حتماً أنّ العالم دخل الحرب. ثمّة مراحل كثيرة ومعقّدة سيمرّ فيها العالم بين القصف النوويّ التكتيكيّ على مراكز أوكرانيّة وبين دخول واشنطن وموسكو حرباً عالميّة نوويّة.
فمن شبه المؤكّد مثلاً أنّه عند المراحل التصعيديّة التي تلي استخدام السلاح النوويّ التكتيكيّ سيكون هنالك اتصالات مباشرة بين الأميركيّين والروس لتوضيح أنّ ردّهم على السلاح النوويّ التكتيكيّ سيكون محصوراً بالقوة التقليديّة وغير هادف إلى تغيير الحكم في موسكو. حتى الاتّصالات غير المباشرة ستكون حاضرة أيضاً. يمكن التفكير بإجراء الرئيس الفرنسيّ إيمانويل ماكرون وساطة مكّوكيّة بين الطرفين لخفض التصعيد بمقدار ما أمكن. هذه الاتّصالات كفيلة بتبريد الأجواء لتقليل احتمالات اندلاع حرب نوويّة. ليس معنى ذلك أنّ احتمال الحرب يصبح صفراً. هو لم يكن مطلقاً عند هذا الحدّ (حتى من دون حرب في أوكرانيا) وقد لا يصل أبداً إلى الصفر. لكن كلّما طالت الاتصالات بردت معها حدّة الانفعالات.
واتّخاذ قرار القصف معقّد أيضاً
إنّ عمليّة صناعة قرار الهجوم النوويّ ليست قضيّة ضغط بسيط على زرّ أحمر. بداية، وعلى المستوى التقنيّ، ثمّة أسئلة عن جاهزيّة الرؤوس النوويّة ذات التأثير المتدنّي للاستخدام. يخبرنا المحاضر في الشؤون الروسيّة ومدير شركة "ماياك" للاستشارات مارك غاليوتي في مجلّة "سبكتيتور" البريطانيّة أنّ هذه الرؤوس بحاجة إلى إعادة تجديد في واحدة من اثنتي عشرة ترسانة "أوبجكت أس" تحتفظ بتلك الرؤوس، قبل أن يعاد نقلها إلى واحد من 34 "مستودع تخزين على مستوى القاعدة". من هناك، يجب تحميلها في نظام تسليم مؤاتٍ.
وبالنظر إلى أنّ روسيا لم تستخدمها منذ سنة 1990، لا أحد يعلم حالتها ومن المحتمل ألّا يكون أحد من الموجودين في الخدمة حاليّاً متمتّعاً بخبرة عمليّة. ويفترض الكاتب أن يكون هنالك مجموعة من المهندسين الحذرين الذين يشقّون طريقهم بصعوبة في كتيّبات التعليمات الباهتة قبل أن يصدر بوتين أوامره.
وبالحديث عن أوامر بوتين بإطلاق هجوم نوويّ، يمكن بحسب غاليوتي أن يرفض وزير الدفاع ورئيس هيئة الأركان المصادقة على أوامره. عندها قد يوجّه بوتين أوامره مباشرة إلى هيئة الأركان العامّة. مجدّداً، قد يتأخّر الضبّاط المعنيّون في تنفيذها من أجل دراسة ما إذا كانت متطابقة مع العقيدة الرسميّة التي تحتفظ باستخدام السلاح النوويّ حصراً في الحالات التي يتعرّض فيها الوطن الأم لتهديد وجوديّ.
"لا شكّ بأنّه يدرك ذلك"... ما الذي نتوقّعه؟
بحسب غوميز من "معهد كايتو" الأميركيّ، "يجب أن تؤخذ التهديدات النوويّة الروسيّة على محمل الجدّ. ومع ذلك، ما لم تتغير ظروف ساحة المعركة بالطريقة التي ناقشتها أعلاه، أعتقد أنّ احتمال تنفيذ بوتين لتهديداته النوويّة ضعيف. مع ذلك يجب على الولايات المتحدة أن تواصل السير بحذر إذا أرادت إبقاء هذا الاحتمال منخفضاً. تبلي أوكرانيا بلاءً حسناً في ساحة المعركة، لكن من الواضح أنّ كييف تريد استعادة شبه جزيرة القرم".
ويختم تعليقه الى "النهار العربي" مشيراً إلى أنّ العمل على استعادة القرم سيؤدّي إلى "زيادة خطر التصعيد النوويّ. إذا أرادت الولايات المتحدة تجنّب هذه النتيجة، فعليها إجراء بعض المناقشات الصعبة مع أوكرانيا حول كيفيّة تباين المصالح الأميركيّة والأوكرانيّة، وفي أيّ نقطة يتوقف دعم الولايات المتحدة لأوكرانيا إذا بدا أنّ التصعيد النووي هو الأكثر احتمالاً".
إلى الآن، لا يزال بإمكان العالم التأكّد من أنّ مخاطر الحرب النوويّة لا تزال غير مرتفعة. فان هيربن يميل إلى ذلك أيضاً في ختام تعليقه الى "النهار العربي":
"أعتقد أنّ التهديد النوويّ سيبقى على الطاولة، لكن يبقى حيث هو: على الطاولة".
حتى العوامل الداخليّة في روسيا قد تساعد على التقليل من مخاطر الحرب النوويّة. فعلاً، ماذا لو رفض الجيش تنفيذ أوامر بوتين؟
بحسب غاليوتي: "لا نعلم ما إذا كان أيّ أحد مستعدّاً لرفض هكذا أمر – إنما بوتين لا يعلم أيضاً. إنّ واحداً من أسرار القيادة هو الامتناع بشكل مطلق عن إصدار أمر يحتمل أن يتمّ رفضه. بالنسبة إلى بوتين، سيكون بداية النهاية، ولا شكّ في أنّه يدرك ذلك".
نبض