24-02-2023 | 08:15

هل تتّجه أوكرانيا لتحرير القرم في العام الثاني للحرب؟

حظوظ أوكرانيا العسكريّة أفضل من حظوظها السياسيّة
هل تتّجه أوكرانيا لتحرير القرم في العام الثاني للحرب؟
Smaller Bigger

الحدث الأهمّ في العام الأوّل لمحاولة روسيا غزو أوكرانيا هو زيارة الرئيس الأميركيّ جو بايدن كييف. هو الأهمّ على الصعيد الرمزيّ. لكنّ انعكاسات الزيارة على الميدان يمكن أن تبدأ بالظهور تباعاً.

 

كانت روسيا تستعيد بعض الزخم على الأرض بدءاً من مطلع 2023. أحرز الجيش الروسيّ تقدّماً بطيئاً بالقرب من منطقة باخموت (دونيتسك). سيطر الروس على سوليدار ثمّ كراسنا هورا وبعض المناطق المجاورة ويمتلكون اليد العليا لاقتحام باخموت. كما يواصلون هجماتهم في مدينة كرمنينا (لوغانسك) من دون تقدّم كبير، وفي فوليدار (دونيتسك) حيث تكبّدوا خسائر هائلة الأسبوع الماضي. لا يزال تقدّم الجيش الروسيّ عموماً بطيئاً جدّاً ومكلفاً.

 

في شهر كانون الثاني مثلاً، سيطرت موسكو على نحو 600 كيلومتر مربّع من الأراضي في شرق أوكرانيا. خلال الأسبوع الأوّل من أيلول (سبتمبر) وحده، استعادت أوكرانيا أكثر من 12 ألف كيلومتر مربّع.

 

حتى السيطرة على باخموت، إن حصلت، قد تكون ذات أهمّيّة غير استراتيجيّة وفقاً لخبراء غربيّين. وتنقل صحيفة "تايمز" البريطانيّة عن بيانات استخباريّة لدول أطلسيّة إشارتها إلى أنّ روسيا تخسر 2000 جنديّ مقابل كلّ 100 متر تحتلّها في أوكرانيا. لم تذكر الصحيفة ما إذا كان جميع هؤلاء الجنود في عداد القتلى أم أنّ هذا الرقم يشمل الجرحى أيضاً. على أيّ حال، قد لا يشكّل الاحتمال الثاني فرقاً كبيراً. إذا كان هذا التقييم صحيحاً فالأسئلة بشأن قدرة روسيا على استدامة قوّتها البشريّة في المعركة تصبح مشروعة.

 

ملاحظة ثانية

العنوان الأساسيّ الثاني الذي يمكن ملاحظته هو توقّف الجيش الأوكرانيّ عن إحراز تقدّم ميدانيّ كما حصل في أيلول وتشرين الثاني (نوفمبر). استعادت أوكرانيا سريعاً معظم خاركيف أواخر الصيف وقسم كبير من منطقة خيرسون بما فيها العاصمة الإقليميّة الواقعة غرب نهر دنيبرو في الخريف. بعدها، توقّف الزخم. أسباب كثيرة يمكن أن تعطي فكرة أوّليّة عن الواقع الجديد. كما روسيا، تعاني أوكرانيا من خسائر بشريّة كثيرة تقول تقديرات غربيّة إنّها ربّما وصلت إلى 100 ألف جنديّ بين قتيل وجريح (مقابل 200 ألف جنديّ روسيّ). بالتالي، لا تستطيع أوكرانيا المبالغة في التقدّم بانتظار اللحظة المناسبة. وهذا ينقل المراقبين إلى السبب الثاني.

 
 
 

خريطة "معهد دراسات الحرب" و"مشروع التهديدات الخطيرة" للوضع الميداني في دونباس وزابوريجيا

 

ستحين اللحظة الملائمة حين تحصل أوكرانيا على المركبات العسكريّة الثقيلة التي تعهّد الغرب إرسالها، بدءاً بعربات المشاة القتاليّة وصولاً إلى الدبابات. من دون هذا العتاد، لن تتمكّن أوكرانيا من استئناف هجماتها. فطبيعة المعركة تتحوّل إلى حرب خنادق كتلك التي شهدتها الحرب العالميّة الأولى إذ حصّن الروس موقعهم في الشرق بعد استلام الجنرال أندريه سوروفيكين قيادة العمليّة العسكريّة الروسيّة (وإعادة استبداله لاحقاً بغيراسيموف). من دون الدبابات، ستكون محاولة أوكرانيا التقدّم أكثر باتّجاه الشرق شبه انتحاريّة. السؤال الآن إذا كانت أوكرانيا قادرة على استعادة زمام المبادرة في حال حصولها على الدبابات والعربات القتاليّة. وفي حال حصل ذلك، هل تنقلب الموازين بشكل نهائيّ لصالح كييف؟

 

قائد الأركان الأميركيّة يوجّه ضربة... لأوكرانيا

ينقسم المراقبون عند محاولة الإجابة على هذا السؤال. أبرز "المتشائمين" هو رئيس هيئة أركان القوّات الأميركيّة الجنرال مارك ميلي. في تشرين الثاني، قال ميلي أنْ ثمّة احتمال ضئيل في تمكّن أوكرانيا من طرد القوّات الروسيّة بشكل كامل من أراضيها. ويوضح خلال مؤتمر صحافيّ أنّ روسيا تسيطر على مساحة يبلغ طولها نحو 900 كيلومتر وعمقها بين 75 و80 كيلومتراً. ومع أنّه أشاد بقدرات أوكرانيا في صدّ الهجوم الروسيّ وفي استرجاع خاركيف وقسم كبير من خيرسون، لفت إلى أنّ هاتين المنطقتين صغيرتان بالنسبة إلى ما تبقّى من أراضيها. لذلك، رأى في تشرين الثاني أنّ احتمال استرجاع أوكرانيا لتلك الأراضي في أيّ وقت قريب منخفض عسكريّاً، قائلاً إنّ هذا ممكن سياسيّاً إذا استغلّت كييف الوضع المؤاتي من أجل التفاوض على أهدافها. وعبّر ميلي قبل أيام عن رأي مماثل.

 
 
 

الجنرال مارك ميلي (أ ب)

 

لا تمثّل تصريحات شخصيّة بوزن ميلي أنباء سارّة للأوكرانيّين. تدرك كييف أنّها لا تستطيع الحصول على الدعم الغربيّ للأبد وأنّه يتعيّن عليها تحقيق انتصار ميدانيّ كاسر للتوازن في العام الثاني للحرب، وبشكل مفضّل قبل نهاية 2023 حين سينصبّ التركيز الأميركيّ تحديداً على الحملات الانتخابيّة الرئاسيّة. ومن المرجّح أن يركّز ترامب والموالون له عن سبب تحويل أموال الأميركيّين إلى الجيش الأوكرانيّ بدلاً من إنفاقها في الداخل. لكنّ تقدّماً عسكرياً سريعاً لأوكرانيا في الشرق قد يخفّف من حملات سياسيّة كهذه. لذلك، لا يلعب الوقت في صالح كييف. يضاف إلى ذلك أنّ التدريب على الدبابات سيستغرق فترة أسابيع إن لم يكن أشهراً. ولا تنتهي مشاكل الرئيس الأوكرانيّ فولوديمير زيلينسكي عند هذا الحدّ.

 

تذكر تقارير أنّ الجيش الأوكرانيّ سيحصل على عدد أقلّ من الدبابات التي وعد بها الغرب. أعلنت هولندا والدنمارك تراجعهما عن إرسال دبّابات ليوبارد-2 إلى أوكرانيا بينما قال وزير الدفاع الألمانيّ بوريس بيستوريوس إنّ الحلفاء الغربيّين يعانون في حشد ما يكفي من دبابات ليوبارد-2 لتجهيز كتيبتين كاملتين (62 دبابة). لكن يبدو أنّ المشاكل تصبح أقلّ في ما يتعلّق بإرسال دبابات ليوبارد من النسخ الأقدم. في المجموع، قد تحصل أوكرانيا على نحو 130 دبابة في الموجة الأولى وهو أقل من نصف الرقم الذي طالبت به كييف.

 
 
 

دبابات "ليوبارد-2" الألمانيّة في بولندا (أ ب)

 

أمام هذه التحدّيات، ماذا لو قرّرت أوكرانيا اللجوء إلى "مناورة ابتكاريّة" تقضي بتوجيه خططها لاستعادة القرم بدلاً من كامل دونباس المحصّن؟ فشبه الجزيرة تلك، وبعكس الشرق الأوكرانيّ، أقلّ تحصيناً من الناحية الجغرافيّة أمام هجوم القوّات الأوكرانيّة. وإذا كانت كييف تبحث عن اختراق نوعيّ، فالقرم تقدّم بالتأكيد ما تصبو إليه على المستويين العسكريّ والرمزيّ. فهل لدى أوكرانيا هذه الإمكانات؟

 

جنرالٌ أميركيّ يقترح خطّة

بين المراقبين العسكريّين، ثمّة من يعتقد بأنّ أوكرانيا قادرة على دحر القوات الروسية من القرم إذا أعطيت الموارد اللازمة. القائد الأسبق للقوات الأميركيّة في أوروبا الجنرال بن هودجز وضع تاريخاً تقريبيّاً لإمكانية تحقيق أوكرانيا هذا الهدف: نهاية آب (أغسطس). لكنّه أشار إلى أنّ ما يتوجّب على أوكرانيا فعله عوضاً عن شنّ هجمات برّيّة تقليديّة بل ضرب أهداف روسيّة حيويّة في شبه الجزيرة حتى تعجز القوات الروسيّة البرّيّة والبحريّة والجوّيّة عن البقاء هناك. من بين هذه الأهداف، سيباستوبول (أسطول البحر الأسود) ودجانكوي (مركز لوجستيّ) وساكي (قاعدة جوية). بالطريقة نفسها، أي عبر القصف البعيد المدى، بإمكان أوكرانيا عزل القرم عن روسيا وهي تتصل بها عبر جسر كيرتش من جهة، وعبر الجسر البرّيّ من روستوف الروسيّة مروراً بماريوبول. سيحصل ذلك بشرط إمداد كييف بـ"منظومة الجيش للصواريخ التكتيكية" (أتاكمس) ومداها نحو 300 كيلومتر و"القنابل ذات القطر الصغير التي تطلق من البرّ" (150 كيلومتراً).

 
 
 

خريطة أوكرانيا وشبه جزيرة القرم (أ ف ب)

 

إذا كان لمسار المعارك أن يقدّم أيّ دليل على صحّة تحليل هودجز، فهو ما حصل خلال الصيف. بعدما بدأ الغرب بإرسال أسلحة هجوميّة أكثر تقدّماً وخصوصاً "منظومة المدفعيّة عالية المرونة" (هيمارس)، بدأت أوكرانيا تقصف عدداً من مراكز الإمداد واللوجستيّات في خاركيف ممّا مكّنها أخيراً من تحقيق تقدّمها السريع في تلك المقاطعة. "من دون هيمارس، لا أعتقد أنّ الأوكرانيين كانوا سيتمكّنون من تحرير خيرسون"، يقول جورج باروس، محلّل الشأنين الأوكرانيّ والروسيّ في "معهد دراسة الحرب".

 

و"أتاكمس" هي صواريخ طويلة المدى تطلقها منظومة "هيمارس" لكنّ الولايات المتحدة منحت أوكرانيا ذخائر أقصى مدى (منظومة إطلاق الصواريخ المتعددة – "أم أل آر أس") ومداها نحو 80 كيلومتراً. مع ذلك، بلغ هذا المدى ضعف مدى الأسلحة التي كانت أوكرانيا تحصل عليها في السابق. الآن، لا تزال واشنطن رافضة لتسليم "أتاكمس" إلى كييف خوفاً من قصفها أهدافاً داخل روسيا. مع ذلك، ثمّة إشارة مهمّة في ما يتعلّق بتأثير هذه الأسلحة ميدانيّاً.

 

ماذا يحصل في ماريوبول؟

"أنا لست واثقاً من أنّ منظومة سلاح واحدة يمكن أن تكون حاسمة إلى هذا الحدّ"، بحسب تعليق خصّه لـ"النهار العربي" الزميل في برنامج الأمن الدوليّ التابع لـ"مركز الدراسات الاستراتيجيّة والدوليّة" إيان ويليامز. ويضيف: "سيعتمد الانتصار الأوكرانيّ على دعم مستدام من الغرب في جميع الجوانب – مدفعيّة ونيران طويلة المدى ودفاعات جوّيّة والمدرّعات وفي نهاية المطاف القوّة الجوّيّة."

 

ويلفت وليامز النظر إلى أنّ "القادة الأوكرانيّين بحاجة للثقة بأنّ الخسائر يمكن تعويضها كي يتمتّعوا بحرّيّة اتّخاذ تحرّكات أكثر خطورة وهجوميّة. تحتاج روسيا أيضاً إلى الاقتناع بأنّ استراتيجيّتها (القاضية بـ) انتظار (نفاد) صبر الغرب لم تنجح."

 

تعتمد واشنطن على التصعيد التدريجيّ في رفع حجم ونوعيّة الدعم إلى أوكرانيا. بالتالي، ليس واضحاً ما إذا كانت واشنطن ستصرّ على رفضها تزويد أوكرانيا بصواريخ "أتاكمس" أو حتى بمقاتلات "أف-16" في الأشهر القليلة المقبلة. لقد رفضت إدارة الرئيس الأميركيّ جو بايدن تسليم أوكرانيا عدداً من الأسلحة من بينها "هيمارس" ودبابات "أبرامز" قبل أن تقبل لاحقاً بنقلها إلى كييف. هذا ما حصل أيضاً، على سبيل المثال، مع "القنابل ذات القطر الصغير والتي تطلق من البرّ" حيث قبلت واشنطن أخيراً بتسليمها إلى أوكرانيا. لكنّها قد لا تصل إليها قبل نهاية السنة الحالية ممّا يجعل سيطرة كييف على القرم، إن كانت ستتحقّق، مؤجّلة إلى فترة أبعد الصيف. هذا على المستوى النظريّ والإعلاميّ.

 

لكن يبدو أنّ المفاجآت الإيجابيّة بالنسبة إلى أوكرانيا قد لا تكون بعيدة. ليل 21 شباط الماضي، تعرّضت مراكز عسكريّة عدّة في ماريوبول إلى ما يشتبه بكونه ضربات عسكريّة أوكرانيّة. هذا الخبر أثار حيرة بعض المراقبين لأنّ المدينة تبعد أكثر من المدى الذي يمكن صواريخ "أم أل آر أس" (80 كيلومتراً). لهذا السبب، بدأت تكهّنات بالانتشار عن إمكانيّة أن تكون "القنابل ذات القطر الصغير التي تطلق من البرّ" قد وصلت إلى كييف.

 

 

أوراق قوّة وازنة... ولكن

بالرغم من أنّها أعلنت سابقاً التشاور مع حلفائها الغربيّين بشأن أيّ خطوة حول شبه الجزيرة، تبدو أوكرانيا واثقة بقدراتها في تحقيق انتصار كامل وبالأخصّ في استرجاع القرم، وإن كان الأمر لا يخلو من الصعوبة. كتب وزير الدفاع الأوكراني السابق أندري زاغورودنيوك أنّ المنطقة شبه منفصلة عن أوراسيا (متّصلة بها عبر برزخ صغير وجسر) وسيكون بإمكان الجيش الأوكرانيّ عزلها بطريقة سهلة. في تلك الفترة، سيكون الجيش الروسيّ منهكاً وصواريخه الذكيّة شبه مستنفدة. العائق الأوّل هو البحريّة الروسيّة المتمركزة في شبه الجزيرة. لكن بالنظر إلى عجز روسيا عن الدفاع عن جزيرة الثعبان (0.1 كيلومتر مربّع) يبدي زاغورودنيوك تفاؤله بإمكانيّة السيطرة على القرم خصوصاً إذا تمكّن الجيش الأوكرانيّ من استهداف السفن الحربيّة الروسيّة (نحو 20) والتي ابتعدت عن الشاطئ بعد إغراق طرّاد "موسكفا" في نيسان (أبريل). اللافت للنظر هو اعتباره أنّ العائق الأكبر أمام استرجاع شبه الجزيرة هو عدد الموالين لروسيا داخلها والذين لن يستقبلوا الجيش الأوكرانيّ كما سيستقبلهم سكّان دونباس مثلاً. لذلك، يدعو أوكرانيا إلى اعتماد نهج حذر وفهم ظروف السكّان وتطبيق نظام حوكمة يأخذ هواجسهم بالاعتبار.

 

لكن قد يتحتّم على أوكرانيا التزام الحذر بما يفوق تصوّر زاغورودنيوك. في كانون الأول، دعت الزميلة في "مجلس العلاقات الخارجيّة" ليانا فيكس وأستاذ التاريخ في الجامعة الأميركية الكاثوليكيّة مايكل كيمدج إلى مقاربة مسألة القرم بهدوء. صحيح أنّ أوكرانيا بيّنت كيف مثّلت تهديدات بوتين النووية مجرّد خداع بعد الانسحاب من خيرسون التي ضمّتها روسيا مؤخّراً. لكن هذه المرّة، يمكن أن يكون الأمر مختلفاً. من جهة أخرى قد يؤدّي استرجاع شبه الجزيرة إلى إثارة الانقسامات بين داعمي أوكرانيا. وستفرض إدارة جزيرة مساحتها أكثر من 25 ألف كيلومتر مربّع مشاكل على أوكرانيا التي ستواجه معضلة إمّا محاكمة المتعاونين مع الروس أو الصفح عنهم وكلا الخيارين مثير للانقسامات ومؤثّر على صورة أوكرانيا الخارجيّة.

 
 

الحلّ المثاليّ بحسب الباحثَين هو مواصلة الضغط على القرم والسيطرة على إمدادات الجزيرة من المياه العذبة. هذا الضغط سيعطي أوكرانيا موقفاً قويّاً في المفاوضات المستقبليّة بالنظر إلى "هوس" بوتين بالقرم ومن دون التفريط بالوحدة بين حلفاء كييف. وفضّلا أن تسعى أوكرانيا في المدى القريب إلى فصل القوّات الروسيّة بين الجنوب والشرق واستعادة الوصول إلى بحر آزوف. بالتالي، تترك نقاط الضعف المتجذّرة في الجيش الروسيّ وانعدام استقراره آثارها على الوضع الروسيّ في تلك المنطقة. "عندها ستنفتح خيارات جديدة لمعالجة قضيّة القرم."

 

تعقيد إضافيّ... الحذر أكثر كلفة

يبدو إذاً أنّ العوائق أمام استعادة القرم سياسيّة قبل أن تكون عسكريّة. ستكون الحسابات بالغة التعقيد. من جهة، يمكن أن يتزايد خطر استخدام السلاح النوويّ (ولو بشكل ضئيل) في حال قرّر الأوكرانيّون استرجاع شبه الجزيرة التي تحظى بأهمّيّة استراتيجيّة وثقافيّة للروس أكبر من أهمّيّة منطقة دونباس. بالتالي، قد يكون تحرّك كييف باتجاه استعادة دونيتسك ولوغانسك أكثر أماناً على المستوى العسكريّ والسياسيّ للرئيس فولوديمير زيلينسكي كما بالنسبة إلى داعميه الغربيّين. لكن ثمّة فرضيّة مضادّة يطرحها هودجز نفسه في تحليل آخر: إنّ سقوط القرم بيد القوّات الأوكرانيّة قد يتسبّب بانهيار معنويّات الجيش الروسيّ في دونباس. بالتالي، إنّ السيطرة على شبه الجزيرة قد يعني بشكل أو بآخر اختصار الحرب إن لم يكن نهايتها. والإيجابيّات الأخرى غير قليلة: ستصبح أوكرانيا محصّنة أكثر من أيّ غزوات روسيّة مستقبليّة كما سيصبح إمداد العالم بالطاقة والقمح والمعادن الأساسيّة أكثر أماناً.

 

بالمقابل، إنّ استمرار المعارك الطاحنة في الشرق الأوكرانيّ قد يستنزف المزيد من الخسائر البشريّة كما المادّيّة إلى أجل غير مسمّى. فمنطقة دونباس أكبر بكثير من القرم (أكثر من ضعف المساحة) ويستحيل عزلها عن الإمدادات الروسيّة بعكس ما هي الحال بالنسبة إلى شبه الجزيرة. والأسلحة الطويلة المدى قادرة على فرض تهديد جدّيّ على القوّات الروسيّة في القرم. هذا النوع من الأسلحة سيساعد الجيش الأوكرانيّ كثيراً كما أوضح ويليامز، الباحث من "مركز الدراسات الاستراتيجيّة والدوليّة". ففي إجابته على أسئلة "النهار العربي" لفت إلى أنّ روسيا "عدّلت موضعتها للمراكز اللّوجستيّة والقياديّة خارج نطاق ‘هيمارس‘. توسيع نطاق (نيران) أوكرانيا يعني أنّ القوّات الروسيّة لن تحظى بملاذ داخل أوكرانيا المحتلّة و(حتى) أبعد من ذلك بقليل. ذلك سيعقّد بشكل بارز جهد روسيا الحربيّ."

 
 

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتعهد بمواصلة الحرب بعد مرور عام على إطلاقها (أ ب)

 

بالنظر إلى أنّ إدارة بايدن كانت حذرة جداً في نهجها الأوكرانيّ، أغلب الظنّ أنّ واشنطن ستتفادى إعطاء الضوء الأخضر لكييف كي تسيطر على شبه الجزيرة. كبير الديموقراطيّين في لجنة الخدمات المسلّحة ضمن مجلس النوّاب آدم سميث قال خلال مؤتمر ميزنيخ للأمن: "أعتقد أنّ ثمّة ما يقرب من إجماع هنالك حول إدراك الناس أنّ أوكرانيا لن تسترجع القرم عسكريّاً." بالمقابل، قالت مساعدة وزير الخارجيّة فيكتوريا نولاند خلال ندوة لمركز "كارنيغي" يوم الجمعة الماضي إنّه "بصرف النظر عمّا يقرّره الأوكرانيّون بشأن القرم على مستوى أين يختارون القتال... لن تكون أوكرانيا آمنة إلّا إذا بالحدّ الأدنى، الأدنى، إذا تمّ نزع السلاح في القرم."

 

من هنا، يمكن أن يكون مقترح ليانا فيكس ومايكل كيمدج منطقيّاً بالنسبة إلى الإدارة: محاصرة القرم قد تفرض مزيداً من الضغط على بوتين كي يقبل بالعودة إلى التفاوض، مع التقليل من مخاطر التصعيد التي يمكن أن تمثّلها سيطرة أوكرانيّة كاملة عليها. قصف ماريوبول الأخير قد يكون رسالة رمزيّة مفادها أنّ القوّات الروسيّة لن تكون بمأمن. لكنّه قد يعبّر أيضاً عن محاولة لفصل القوّات الروسيّة في الجنوب الأوكرانيّ عن تلك المنتشرة في الشرق. في جميع الأحوال، وحتى لو ظلّت القرم خارج حسابات كييف والغرب بشكل نهائيّ، يَعِد العام الثاني من الحرب بكسر الجمود المهيمن على الميدان منذ أشهر: أكان مع إرسال روسيا المزيد من الجنود إلى ساحة المعركة أو مع وصول الأسلحة الغربيّة المتطوّرة، ومعها الأوكرانيّون الذين تدرّبوا عليها.

 

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 10/23/2026 7:35:00 PM
قال الملك عبدالله الثاني: "سنضرب بيد من حديد من تطاول على بلدنا"، مشيراً إلى أن "من توهّم أنّ رصاص الغدر يشق صف الأردنيين خاب مسعاه أمام صلابتنا ووحدتنا".
لبنان 10/23/2026 12:32:00 PM
هل يحق لمتهم بقضايا إرهاب تنظيم حفلات قبل أسابيع من مثوله أمام القضاء اللبناني في ملف أقل ما يقال فيه إنه من الأكثر حساسية في آخر 20 سنة في لبنان؟
لبنان 10/23/2026 12:00:00 AM
لم تكن إشادة رئيس الجمهورية جوزف عون برئيس مجلس النواب نبيه بري في الجلسة سوى مؤشر إلى تفاهم ضمني حصل على ترحيل إحالة ملف المتفجرات على المجلس العدلي.