فاز حزب اليسار الشعبويّ "سْمَر-أس دي" (الاتّجاه - الديموقراطية الاجتماعيّة) بأعلى نسبة من الأصوات في الانتخابات التي أجرتها سلوفاكيا يوم السبت. حصل "الاتّجاه" بقيادة روبرتو فيكو على نحو 23 في المئة من الأصوات، متقدّماً على حزب "سلوفاكيا التقدّميّة" الليبيراليّ بنحو 5 نقاط مئويّة. صوّرت وسائل الإعلام الغربيّة تناقض الحزبين على أنّه بين مؤيّد ومعارض لدعم أوكرانيا. على سبيل المثال، كتبت إيلي كوك في مجلّة "نيوزويك" الأميركيّة أنّ الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين حصل على "أنباء سارّة" من الانتخابات السلوفاكيّة.
لعبت سلوفاكيا دوراً محورياً في توفير عدد كبير من المساعدات العسكريّة البارزة إلى أوكرانيا. من بين العتاد العسكريّ، 13 مقاتلة سوفياتيّة و5 مروحيّات وبطاريّة صواريخ أرض-جو من طراز "سام" و24 منظومة مدفعيّة و30 عربة مشاة قتاليّة ونحو 100 صاروخ محمول مضادّ للطيران وغيرها من الذخائر والمساعدات الماليّة. تقع أوكرانيا على الحدود الشرقيّة لسلوفاكيا والتي يبلغ طولها 97 كيلومتراً. انضمّت سلوفاكيا إلى حلف شمال الأطلسيّ (الناتو) والاتّحاد الأوروبيّ سنة 2004. لكن يبدو الآن أنّ عدد الأعضاء الأطلسيّين والأوروبيّين المشكّكين ببروكسل إلى تزايد.
ضدّ تقديم "طلقة واحدة" لأوكرانيا
رحّب رئيس الوزراء المجريّ فيكتور أوربان بفوز ريكو كاتباً على موقع "أكس" (تويتر سابقاً) أنّه من "الجيّد دوماً العمل مع وطنيّ". أوربان نفسه مشكّك بدعم أوكرانيا وانضمام ريكو إليه لا يعدّ خبراً إيجابياً بالنسبة إلى الغرب. ربّما يلعب أوربان دور المعطّل لانضمام السويد للحلف إلى جانب تركيا التي أعطت موافقة مبدئيّة على ذلك قبل انطلاق قمّة فلنيوس في تمّوز (يوليو) الماضي. من جهته، أعطى البرلمان السلوفاكيّ موافقته على انضمام السويد إلى الناتو في صيف 2022.
خاض ريكو حملته الانتخابيّة ببرنامج حمل شعار "لا طلقة واحدة" إلى أوكرانيا. لقي هذا الشعار صدى في سلوفاكيا وفق تقرير لوكالة "رويترز". كرّر فيكو ما يعتبره البعض دعاية روسيّة باتّهام المجمع الصناعيّ الأميركيّ بالاستفادة من الحرب وبهيمنته على قرارات الرئيس جو بايدن، وبقول إنّ الغرب يطلق الحروب بينما يعرض الشرق السلام. في هذا الصدد، تشير كاتارينا كلينغوفا من "مركز الديموقراطيّة والمرونة" إلى أنّ السلوفاك يشعرون بتعاطف "سلافيّ" مع الروس. وأظهر استطلاع رأي في وقت سابق من هذه السنة أنّ سلوفاكيا تضمّ ثاني أعلى نسبة من المشكّكين ببروكسل في أوروبا بعد فرنسا، وأنّ أكثر من 50 في المئة من السلوفاك تمنّوا فوز روسيا في الحرب.
Slovakic is on the verge of rapprochement with Russia, Roberto Fico won saturday's elections promisses to halt military aid to Ukraine pic.twitter.com/yqRWRo5lde
— Alberto Allen (@albertoallen) October 2, 2023
بعد الانتخابات، قال فيكو الذي خدم مرّتين في منصب رئاسة الوزراء، إنّه سيفعل "كلّ ما بوسعه" لإطلاق محادثات روسيّة - أوكرانيّة، على قاعدة أنّ "المزيد من القتل لن يساعد أحداً"، معرباً عن استعداد بلاده لدعم أوكرانيا إنسانياً والمساهمة في إعادة إعمارها. ترفض أوكرانيا المحادثات باعتبارها فرصة لروسيا كي تلتقط أنفاسها لمعاودة احتلال المزيد من الأراضي في المستقبل. اللافت أيضاً أنّ "الاتّجاه" حقّق نتيجة أفضل ممّا توقّعته استطلاعات الرأي السابقة التي توقّعت سباقاً شبه متعادل مع "سلوفاكيا التقدّميّة". لكن عند هذا الحدّ قد تتوقّف الأنباء الإيجابيّة بالنسبة إلى روسيا.
قراءة في تفاصيل المشهد
يحتاج "الاتّجاه" إلى بدء المفاوضات من أجل تشكيل حكومة ائتلافيّة والحزب الأقرب هو "هلاس" (الصوت) من يسار الوسط. قال رئيس الحزب (المنشقّ عن "الاتّجاه") بيتر بيلّيغريني إنّ إمدادات الذخيرة إلى أوكرانيا مفيدة بالنسبة إلى الصناعة الدفاعيّة المحليّة ودعم موقف الاتّحاد الأوروبيّ ضدّ الغزو. بحسب "رويترز"، قد تدفع البراغماتيّة ريكو إلى تعديل بعض مواقفه من أجل إنجاح الحكومة الائتلافيّة. وحصل "هلاس" على ما يقرب من 15 في المئة من الأصوات. من جهته، أعلن رئيس "سلوفاكيا التقدّميّة" ميشال سيميكا نيّته عرقلة مساعي فيكو، معرباً عن استعداده للتشاور مع "هلاس" وعن قناعته بأنّه لا يزال قادراً على تشكيل حكومة برئاسته.
.jpg)
(سيميكا - أب)
بالمقابل، يعتقد المحلّل السلوفاكيّ ميلان نيتش من "المجلس الألمانيّ للعلاقات الخارجيّة" أنّ هناك مساراً لنجاح "الاتّجاه" وهو تحالفه مع "الصوت" ومع حزب قوميّ متطرّف (حزب سلوفاكيا القوميّ) مقابل دعم بيليغريني للانتخابات الرئاسيّة سنة 2024. يمثّل الائتلاف 79 نائباً من أصل 150. مع ذلك، لا يبدو بيليغريني متحمّساً جداً للتحالف مع ريكو، علماً أنّه هنّأه على فوزه. سبب ذلك أنّ وجود رئيسين سابقين للوزراء في حكومة واحدة قد لا يكون فعّالاً بحسب رأيه. وقال بعد صدور نتائج الانتخابات إنّ وجودهما معاً في حكومة واحدة "ليس مثالياً لكنّ ذلك لا يعني أنّه لا يمكن تأسيس ائتلاف".

(بيليغريني-أ ب)
إضافة إلى ما سبق، ثمّة نزعة لدى المراقبين الأجانب بإسقاط الهواجس العالميّة على دوافع الناخبين في الاستحقاقات الداخليّة. إنّ المبالغة في التركيز على عامل واحد يمكن أن يفرز نتيجة مشوّهة عن الرأي العام. في 17 أيلول، حذّر الباحثان في "معهد دانوب" المجريّ بيتر سزيتاس ومايكل أوشي من الإفراط الغربيّ في التركيز على العامل الروسيّ كموجّه للرأي العام السلوفاكيّ. فسلوفاكيا لا تخضع أساساً للتصنيفات الأيديولوجيّة التقليديّة لليمين واليسار، حيث إنّ برامج أحزابها هي عادة خليط من التيّارين. كما أنّ السلوفاك أساساً مهتمّون بالتضخم الذي اجتاز عتبة 12 في المئة سنة 2022، وهو ضعف معدّل التضخّم في منطقة اليورو وبتدهور اقتصادهم الذي بات يتخلّف عن اقتصادات جميع الدول المحيطة مثل بولندا والمجر وتشيكيا ورومانيا.
عقبة أخيرة
حتى مع افتراض وجود رأي عام سلوفاكيّ راسخ في تأييده لموسكو، لا يمكن الرهان كثيراً على حكومة سلوفاكيّة مستقرّة مؤيّدة لروسيا. فالنجاح في تشكيل حكومة ائتلافيّة شيء والنجاح في استدامتها شيء مختلف تماماً وسط مشهد سياسيّ متشظٍّ كالمشهد السلوفاكيّ.
سنة 2018، اضطرّ فيكو إلى تقديم الاستقالة بعد احتجاجات شعبيّة أعقبت اغتيال الصحافيّ الاستقصائيّ جان كوسياك وخطيبته. كان كوسياك يحقّق في شبهات فساد مرتبطة بمقرّبين من ريكو. بعد الاستقالة بنحو شهر، وصل بيليغريني إلى الحكم ليخدم عامين بين آذار (مارس) 2018 وآذار 2020. في تلك السنة، أوصلت الانتخابات التشريعيّة رجل الأعمال إيغور ماتوفيتش إلى الحكم قبل أن يستقيل في آذار 2021 بسبب شرائه لقاح "سبوتنيك في" الروسيّ من دون الحصول على موافقة الهيئات الأوروبيّة.
خلفه في رئاسة الحكومة وزير ماليّته إدوارد هيغير الذي ما لبث أن خسر أحد حلفائه في أيلول (سبتمبر) 2022 بسب ارتفاع أسعار الغاز، قبل أن يخسر في تصويت لطرح الثقة بحكومته في شهر كانون الأوّل من السنة نفسها. وتحكم البلاد الآن حكومة تكنوقراطيّة انتقاليّة. لا يبشّر هذا الكمّ من التقلّبات السياسيّة في فترة قصيرة بمرحلة حكم سهلة لريكو.
ربّما يسرّ الكرملين بفوز "الاتّجاه" في الانتخابات الأخيرة. لكنّ الاحتفال بهذا الفوز لا يزال مبكراً.
نبض