الأنباء عن انتشاره لفتت أنظار عدد من متابعي هجوم أوكرانيا المضاد. إنّه لواء الهجوم الجوّي الثاني والثمانون الذي تلقّى تدريبات غربيّة، وقرّرت أوكرانيا الاحتفاظ به في الاحتياط لفترة طويلة نسبياً.
تعدّ هذه القوّة النخبويّة من بين الأقوى في أوكرانيا، إن لم تكن الأقوى، بالاعتماد على مصدر التوصيف. يتكتّم الجيش الأوكرانيّ على وجود هذه الوحدة. حتى الأنباء الواردة عن دخولها المعارك صادرة عن مراقبين للمصادر المفتوحة والفيديوهات المنتشرة على وسائل التواصل الاجتماعيّ، وفي مقدّمها "أكس" (تويتر سابقاً) و"تلغرام".
أسلحة متطوّرة
تشير صحيفة "كييف بوست" إلى بعض المعلومات عن لواء الهجوم الجوّي الثاني والثمانين بالاستناد إلى وثائق تابعة للبنتاغون تسرّبت في وقت سابق من 2023. أظهرت الوثائق أنّ أفضل عربات المشاة المدرّعة مثل "ماردر" الألمانيّة (40) و"سترايكر" الأميركيّة (90) سلّمها حلف شمال الأطلسيّ إلى هذه الوحدة. بالتالي، سيكون اللواء الـ82 هو الوحيد الذي يتمتّع بهذين الطرازين من العربات الغربيّة.
East of Robotyne. A Lancet hits a Stryker APC of the 82nd brigade. Looking at the footage it seems the Stryker continues to move after it was hit, and that’s the reason Russians cut the footage. First time a Stryker is seen so close to the front. pic.twitter.com/jJTbQ5wtgb
— NOELREPORTS 🇪🇺 🇺🇦 (@NOELreports) August 15, 2023
كذلك، سيكون هذا اللواء مدعوماً بالقوّة الناريّة لدبابات "تشالنجر 2" البريطانيّة الصنع. إلى جانب تمتّعها بمدفع قطره 120 ملم، تمتلك هذه الدبّابات دروعاً وتقنيات بصريّة متطوّرة جداً. وتابعت الصحيفة أنّ هذه الدبابات لمّا تُستخدم بعد، لكنّ حساباً أوكرانياً على "تلغرام" تمكّن من رصدها في الجنوب، وقد تمّ تركيب قفص عليها لحمايتها من المسيّرات الروسيّة. وتذكر تقارير أنّ "تشالنجر 2" التي حصلت أوكرانيا على نحو 14 دبابة منها مصمّمة لتحمّل ضربات مباشرة من دبابة تي-72 الروسيّة، كما يصل نطاق نيرانها إلى 3 كيلومترات. أمّا سرعتها فتبلغ 59 كيلومتراً في الساعة.
مشاعر متضاربة
يعتقد المراقبون أنّ اللواء الثاني والثمانين دخل المعركة حديثاً في روبوتين (زابوريجيا)، حيث تحقّق أوكرانيا تقدّماً سريعاً نوعاً ما (خصوصاً في الشمال والغرب). يمكن أن يشكّل هذا التطوّر نبأً ساراً بالنسبة إلى الأوكرانيّين. لكنّ السرور قد لا يدوم كثيراً.
A British donated Challenger 2 main battle tank in service with the Ukrainian 82nd Air Assault Brigade, somewhere on the front. 🇬🇧🤝🇺🇦 pic.twitter.com/EN4GrMcJ6o
— Jimmy Rushton (@JimmySecUK) August 16, 2023
في مجلّة "فوربس" الأميركيّة، يكتب مراقب الشؤون العسكريّة ديفيد آكس أنّ دخول اللواء الـ82 أرض المعركة هو في الحقيقة نبأ سارّ وسيّئ في آن. فهو، إلى جانب اللواء الـ46، كان من آخر الألوية الاحتياطيّة التي لم تدخل المعركة. نشرُ هاتين الوحدتين في المعركة سيعزّز القوّة الناريّة الأوكرانيّة في محور روبوتين إلى ميليتوبول. لكن حين سيتعيّن على هاتين الوحدتين الاستراحة، لن تجد أوكرانيا ألوية حديثة بالقوّة نفسها لملء الفراغ بحسب رأيه.
قد يؤكّد دخول اللواء الـ82 المعركة ضيق الوقت المتاح أمام أوكرانيا لتحقيق اختراقها النوعيّ. في تشرين الثاني، يصعب على القوّات الأوكرانيّة مواصلة التقدّم، إذ تكون الوحول قد تشكّلت في الجنوب الأوكرانيّ، وزابوريجيا من ضمنه. بالتالي، تملك أوكرانيا ما بين شهرين إلى شهرين ونصف شهر لتحقيق اختراقها إذا لم يأتِ الشتاء باكراً.
ما المكاسب الاستراتيجيّة؟
باتّجاه الحدود بين زابوريجيا ودونيتسك، حقّقت أوكرانيا أيضاً تقدّماً حين استعادت بلدة يوروجين كما قالت نائبة وزير الدفاع الأوكراني حنه ماليار يوم الأربعاء. بحسب المحلّل الاستراتيجيّ في "مركز لاهاي للدراسات الأمنيّة" فريديريك مرتنز، إنّ بلدتي روبوتين ويوروجين ليستا مهمّتين خاصّة من الناحية الاستراتيجيّة، "لكنّ كلتيهما جزء من المناطق الدفاعيّة الروسيّة العميقة".
تقع روبوتين على الطريق إلى مدينة استراتيجيّة أساسيّة ربّما تشكّل محور الاهتمام العسكريّ والإعلاميّ في المرحلة المقبلة. إنّها مدينة توكماك التي تبعد من روبوتين نحو 29 كيلومتراً. تضمّ المدينة تقاطعاً لخطوط نقل أساسيّة وتعدّ مركزاً لوجستياً حيوياً بالنسبة إلى الروس.

(خريطة لبراد أفريك تظهر الطريق بين روبوتين وتوكماك)
توكماك هي واحدة من أشدّ المدن تحصيناً. وصفتها صحيفة "ديلي أكسبرس" البريطانيّة بأنّها "قلعة عسكريّة"، مع إشارة إلى أنّ السلطات الروسيّة نقلت سكّانها إلى أماكن أخرى لتحصينها. تقع المدينة وسط تقاطع خمس طرق رئيسيّة وتربط مدينتي برديانسك وميليتوبول في الجنوب كما تربط مدينتين دفاعيّتين، فاسيليفكا (شمال غرب) وبولوهي (شمال شرق). بحسب موقع "ديلي كوس" الأميركيّ، تربط توكماك بين جناحين للجيش الروسيّ. بالتالي، إنّ سيطرة أوكرانيا عليها تعني أنّ الجناحين سيصبحان جيشين مستقلّين غير قادرين على دعم بعضهما البعض. لذلك، قد تكون معركة توكماك واحدة من أهمّ المواقع الاستراتيجيّة لروسيا في جنوب أوكرانيا.
مفاجآت؟
من المعقول أن تكون أوكرانيا قد شعرت بأنّ اللحظة قد حانت للدفع بآخر قوّات النخبة لديها من أجل تحقيق الاختراق قبل فترة طويلة من توقّف المعارك، وهي فترة قد لا تنتهي إلّا في أواسط الربيع المقبل. في الوقت نفسه، تخشى أوكرانيا من قيام روسيا بهجوم مضاد في الخريف. لكن يبقى مدى اختلافه عن الهجوم الروسيّ المضاد الذي فشل خلال الشتاء الماضي مثار تكهّن.
Ukrainian forces using a Swedish missile to shot down a Russian Ka-52 attack helicopter today.— Visegrád 24 (@visegrad24) August 17, 2023
مع ذلك، من غير الضروريّ أن يكون الهجوم الروسيّ واسع النطاق. إذا تمكّن الروس من الصمود في مواجهة اللواء الـ82 الذي يضمّ نحو ألفي مقاتل، فقد يكونون في وضع يسمح لهم بشنّ هجوم مضاد بعد سحب اللواء من المعركة للراحة، بحسب آكس، الكاتب في الشؤون العسكريّة.
يوافقه في ذلك مرتنز من "مركز لاهاي للدراسات الأمنيّة". فالتقدّم البطيء عبر المنطقة الدفاعيّة للخصم يمكّن الأخير من إعادة تعزيزها من خلال شنّ هجمات تكتيكيّة مضادة "وقد يعدّ مفاجأة عملانيّة بغيضة بالنسبة إليك".
فهل يكون نشر اللواء الـ82، إذا صحّت التقديرات، طريقة لصدّ هذه المفاجآت وربّما قلبها ضدّ الروس؟
ثمّة ملاحظات أوّليّة. أن تكون الألوية مدرّبة على يد الغربيّين لا تعني بالضرورة أنّها أفضل من نظيرتها الأوكرانيّة التي لم تحصل على هذه الفرصة. فتلك الألوية لم تتمتّع بفترة كافية من التدريب ولا بكميّة ونوعيّة الأسلحة المناسبة للعقيدة القتاليّة الأطلسيّة. مع ذلك، قد يكون لواء الهجوم الجوّي الـ82 جاهزاً لتحقيق المهمّة.
الانتظار هو السبيل الوحيد لمعرفة الجواب.
نبض