27-07-2023 | 11:29

الهجوم الأوكرانيّ المضادّ يدخل مرحلة جديدة؟

الجبهات قد تشهد تحوّلات أسرع في المدى القريب
الهجوم الأوكرانيّ المضادّ يدخل مرحلة جديدة؟
Smaller Bigger

"المجد لجميع من يدافعون عن أوكرانيا! بالمناسبة، كان لأبنائنا على الجبهة نتائج جيّدة جداً اليوم. أحسنتم! التفاصيل في وقت لاحق". لم يطل الأمر كثيراً بعد هذه الكلمات التي وجّهها الرئيس الأوكرانيّ فولوديمير زيلينسكي إلى الأوكرانيّين مساء الأربعاء،  قبل أن تخرج صحيفة "نيويورك تايمز" بخبر ميدانيّ محوريّ.

 

فقد نقلت الصحيفة عن مسؤولَين في البنتاغون قولهما إنّ الضغط أو الاندفاع "الأساسيّ" للأوكرانيّين يجري الآن في الجنوب مع آلاف التعزيزات التي تشمل مقاتلين مدرّبين ومسلّحين بعتاد من الغرب. وقال الناطق الأساسيّ باسم وزارة الدفاع الروسيّة إيغور كوناشينكوف إنّ هجوماً ضخماً يجري في جنوب أوريخيف (زابوريجيا) حيث استخدمت أوكرانيا ثلاث كتائب معزّزة بالدبابات.

 

وأبلغ مسؤولون أوكرانيّون الأميركيّين أنّ الهدف سيكون بلوغ بلدة توكماك ثمّ ميليتوبول بالقرب من الشاطئ، أو على الأقلّ الاقتراب من شبه جزيرة القرم حتى تصبح في نطاق المدفعيّة الأوكرانيّة. الأهمّ هو أنّ هؤلاء المسؤولين أشاروا إلى أنّ العمليّة قد تستغرق ما بين أسبوع وثلاثة أسابيع في حال نجاحها.

 

وذكرت المسؤولان ثلاثة أسباب دفعت أوكرانيا إلى الإقدام على هذه الخطوة: شقّ القوّات الأوكرانيّة طريقاً عبر الألغام وانتهازها الفوضى التي نجمت عن إقالة قائد جيش الأسلحة المشتركة الـ58 إيفان بوبوف وإنهاك المدفعيّة ومراكز القيادة والذخيرة الروسيّة في الجنوب.

 

تطوّرات

صعّدت أوكرانيا في الآونة الأخيرة هجماتها على المراكز اللوجستيّة الروسيّة خصوصاً في القرم كما حصل يومي 22 و24 تموز مثلاً. أدّت إحدى الضربات إلى تدمير نحو 2500 طنّ من الذخيرة الروسيّة بحسب وزارة الدفاع البريطانيّة. وقال محلّل عسكريّ إستونيّ لمجلّة "نيولاينز" إنّ أوكرانيا كانت تدمّر ما معدّله 25 مدفعاً روسيّاً بشكل يوميّ. من جهته، أشار الباحث غير المقيم في "معهد هدسون" الأميركيّ جان كاساب أوغلو إلى أنّ خسائر المدفعيّة الروسيّة في الجنوب أكبر من الخسائر الأوكرانيّة بأربع مرّات.

 

في السياق نفسه، ذكر محلّلون عسكريّون أيضاً أنّهم لاحظوا هجوماً أوكرانيّاً أوسع. روب لي من "معهد أبحاث السياسة الخارجيّة" غرّد أنّ أوكرانيا تنشر الفيلق العاشر بشكل محتمل مكان الفيلق التاسع في أوريخيف سعياً إلى تحقيق الاختراق الأوسع.

 

ولم يستبعد "معهد دراسات الحرب" أن يكون الأوكرانيّون قد حقّقوا اختراقاً موضعيّاً في واحد من أصعب التحصينات المعدّة سلفاً بالقرب من روبوتينه. ولفت النظر إلى أنّ أوكرانيا بدأت تعتمد على المداورة باستخدام قوّات أكثر خبرة واستعداداً من احتياطها بعكس روسيا. إلى جانب تآكل الإمكانات الدفاعيّة الروسيّة، يسمح هذا الأمر لكييف بتحقيق تقدّم أنجح في الأسابيع المقبلة بحسب المعهد.

 
 

 

احتمالات أخرى

ثمّة احتمال في أن تكون أوكرانيا قد أطلقت هذا الاندفاع بفعل الضغوط الغربيّة لا بفعل العوامل الميدانيّة. في 18 تمّوز، نقلت "نيويورك تايمز" عن مسؤولين أميركيّين قولهم إنّهم "محبطون" من القادة الأوكرانيّين الذين عادوا إلى العادات السوفياتيّة القديمة في القصف المدفعيّ بدلاً من الضغط قدماً خوفاً من الخسائر. "العقليّة السوفياتيّة" كانت أيضاً من جملة ما لاحظه الباحث البارز في "معهد الدراسات الاستراتيجيّة الدوليّة" فرانز ستيفان غايدي خلال حديث إلى موقع "ذا درايف". لكنّ الأوكرانيّين يقولون إنّ افتقارهم للغطاء الجوّيّ يصعّب عليهم الاقتحام والمخاطرة بمقاتليهم.

 

كذلك، وعلى مشارف شهر آب (أغسطس)، لم تعد أوكرانيا تملك سوى نحو ثلاثة أشهر للتقدّم قبل موسم الوحول. حتى الذخيرة قد تنقص في هذه الفترة كما قال المتخصّص في الشؤون العسكريّة كونراد موزيكا لشبكة "سي أن بي سي" الأسبوع الماضي.

 

لكنّ احتمال دفع أوكرانيا بالاحتياط فقط بسبب الضغط الغربيّ ليس كبيراً. من جهة، حتى في حال صدق كلام الروس عن إقحام أوكرانيا ثلاثة كتائب في أوريخيف، فهذا يعني نشر ما يرقى إلى لواء واحد فقط بحسب "معهد دراسات الحرب". بمعنى آخر، لا تزال قوّة الاحتياط الأوكرانيّة تضمّ أكثر من نصف الألوية الحديثة المدرّبة في الغرب. وتزامن الهجوم الأوكرانيّ الأخير مع حديث أوكرانيا عن إدخال نحو 1700 مسيّرة جديدة تعمل على الذكاء الاصطناعيّ. بحسب بعض المراقبين، إذا صحّ هذا التقييم فقد يكون "أهمّ عامل في الحرب". وهذا ليس كلّ شيء.

 

 

عودة إلى المدينة الأشهر

"في هذا الوقت، تمّ توليد جميع الظروف بالنسبة إلينا كي نستعيد المدينة، لكن بعشرة أضعاف أقلّ من الخسائر". كان هذا تقييم قائد القوّات البرّيّة الأوكرانيّة الجنرال أولكسندر سيرسكي للمعارك التي يخوضها جيشه من أجل استعادة مدينة باخموت. نشرت "بي بي سي" مقابلتها مع سيرسكي في 20 تموز، ويبدو أنّ المعارك هناك تصبّ أكثر في مصلحة الأوكرانيّين مع مرور الوقت.

 

تُحقّق أوكرانياً تقدّماً شمال المدينة لكنّه أكثر وضوحاً عند جناحها الجنوبيّ حيث تدور أكثر الاشتباكات حدّة في بلدات كودروميفكا وأندريفكا وكليشيفكا. يبدو أنّ الأوكرانيّين قريبون من استعادة أندريفكا وكليشيفكا. تعدّ الأخيرة (7 كيلومترات جنوب غرب) مهمّة للأوكرانيّين بشكل خاصّ بالنظر إلى ارتفاعها الذي يمنحهم مزيّة ناريّة على الروس كما مزيّة المراقبة واستهداف التعزيزات الآتية من الشرق.

 
 

 

أرقام

قالت نائبة وزير الدفاع الأوكرانيّ حنّة ماليار إنّ وتيرة قتلى القوّات الروسيّة أعلى من وتيرة الخسائر الأوكرانيّة بثماني مرّات في باخموت. ولفت "معهد دراسة الحرب" في تقرير سابق إلى أنّ الهجوم الأوكرانيّ المضادّ يهدف إلى توليد نسبة استنزاف غير تماثليّة تحفظ القوّة البشريّة القتاليّة لأوكرانيا. يأتي ذلك بطبيعة الحال على حساب سرعة استعادة الأراضي. لكنّ تحقيق هذا الهدف دونه عقبات بحسب سيرسكي نفسه.

 

هو يقول إنّ القوّات الروسيّة تملك تفوّقاً عدديّاً وخصوصاً في المدفعيّة والذخيرة. تضطرّ القوّات الأوكرانيّة إلى استخدام طلقة مقابل كلّ سبع إلى ثماني طلقات روسيّة كما يوضح. يفسّر ذلك جزئيّاً بطء تقدّم قوّاته والذي يتمثّل بنحو كيلومتر أو حتى نصف كيلومتر يوميّاً. لكنّ المنطقة لا تزال مهمّة بالنسبة إلى الروس. فهم يحتفظون بنحو 160 ألف مقاتل هناك ويواصلون نقل الجنود من الجنوب باتجاه باخموت كما قال. نظريّاً، يسهّل ذلك أكثر مهمّة تقدّم القوّات الأوكرانيّة في زابوريجيا.

 

تداعيات

أهمّيّة باخموت معنويّة على الأغلب بالنسبة إلى الطرفين. لا تريد موسكو خسارة المدينة التي استثمرت فيها عدداً ضخماً من الموارد البشريّة والمادّيّة للسيطرة عليها بعد نحو 10 أشهر من المعارك. بالمقابل، تريد أوكرانيا تقديم فوز ولو رمزيّاً لمواطنيها والغرب للقول إنّ الهجوم المضاد لا يواجه أفقاً مسدوداً. واستعادة باخموت بكلفة ووقت أقلّ بالمقارنة مع الكلفة التي تكبّدها الروس ستمثّل ضربة معنويّة لهم. مع سقوط باخموت المحتمل، يمكن التساؤل عمّا إذا كانت نتيجة كهذه ستطلق نوعاً من "تأثير الدومينو" على معنويّات الجنود الروس وتحديداً في الجنوب.

 
 
 

لكنّ انتصار أوكرانيا في باخموت قد لا يترك تأثيراً على معنويّات الجنود الروس وحسب. كانت طريقة إدارة روسيا لمعارك الاستيلاء على المدينة حافزاً أساسيّاً لقائد "فاغنر" يفغيني بريغوجين كي يطلق تمرّده ضدّ وزارة الدفاع الروسيّة الشهر الماضي. من هنا، إنّ خسارة الجيش الروسيّ لباخموت  ستعيد تذكير الروس بـ"صوابيّة" ما كان يقوله بريغوجين عن أداء وزير الدفاع سيرغي شويغو ورئيس هيئة الأركان الجنرال فاليري غيراسيموف. ويبدو أنّ الكرملين بات أقلّ قدرة على سماع الانتقادات بهذا الخصوص بعد التمرّد. كان الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين لا يمانع انتقاد الحرب من "يمين" الطيف السياسيّ الروسيّ، أي القوميّين الذين يؤيّدون الحرب لكنّهم ينتقدون بُطأها. بعد اعتقال القوميّ المتطرّف والعقيد الأسبق في الجيش الروسيّ إيغور غيركين الذي انتقد أداء وزارة الدفاع، يبدو أنّ ثمّة تغيّراً ما في هذه السياسة. يأتي ذلك مع العلم أنّ غيركين لم يكن على علاقة جيّدة مع بريغوجين أيضاً.

 

إنّ سيطرةً لكييف على باخموت، بعد غياب الاستقرار في القيادة العسكريّة الروسيّة سيشكّل نبأ سيّئاً للكرملين والنخبة الأمنيّة. لقد "تساهل" بوتين مع تمرّد "فاغنر" بالرغم من استهدافها الجنود الروس خلال التمرّد، كما يواصل الكرملين التحقيق مع عدد من الجنرالات الروس أكان بسبب علاقة محتملة مع بريغوجين أو بسبب إبراز الاستياء علناً من القيادة العسكريّة. يقول بعض المحلّلين إنّ بوتين يكافئ الولاء أكثر من الأداء. طالما أنّ هذه المعادلة لا تؤثّر على مسار المعارك، سيكون بإمكان الجنود غضّ الطرف عنها. لكنّ انتكاسات ميدانيّة بحجم باخموت قد تعيد أو تظهّر التململ أكثر بين صفوف الجيش وضبّاطه.

 

عن المرحلة المقبلة

لا يزال مبكراً الحديث عن سقوط باخموت. من جهة، يستبعد أن تقوم أوكرانيا باقتحام المدينة كما فعلت روسيا مع فاغنر، تفادياً لخسائر كبيرة هي بغنى عن تكبّدها. من المرجّح أن تكتفي بحصار المدينة وقطع الإمدادات عنها إلى أن يستسلم الروس. حتى ذلك قد يستغرق وقتاً. من جهة أخرى، قد تخفّف روسيا من حدّة الهجوم الأوكرانيّ على باخموت من خلال الضغط أكثر على جبهة كريمينا-كوبيانسك في لوغانسك ممّا يمكن أن يضطرّ كييف لنقل بعض القوّات من دونباس لتثبيت الجبهة في الشمال. غير أنّ التقدّم الروسيّ في لوغانسك لا يزال موضعيّاً وليس واضحاً ما إذا كان بإمكان روسيا تحقيق خرق كبير هناك يجبر أوكرانيا على تغيير حساباتها.

 

إلى الآن، يد كييف هي الأعلى نسبيّاً بالقرب من باخموت. وبالرغم من أنّ سقوط المدينة قد لا يتحقّق في المدى المنظور، يمكن أن يمثّل حصارها وحده مكسباً معنويّاً للأوكرانيّين. ويبدو أنّ التكتيكات الأوكرانيّة الجديدة التي ينتقدها الغرب نجحت في تحقيق كييف المزيد من التقدّم وتفادي الخسائر في الأرواح كما في العتاد الغربيّ بحسب تقرير نشرته اليوم "فايننشال تايمز". وكانت أوكرانيا قد خسرت عدداً كبيراً من هذا العتاد في الأيام الأولى للهجوم المضاد في أوريخيف.

 

في جميع الأحوال، إنّ الحديث عن اختراقات أوكرانيّة استراتيجيّة في الشرق والجنوب الآن هو سابق لأوانه. لكن بحسب ما يتبيّن من تطوّرات الأيّام القليلة الماضية، يمكن أن يكون المراقبون على موعد مع اختراقات محلّيّة أسرع في المدى المنظور.

الأكثر قراءة

النهار بيديا 10/29/2026 7:32:00 PM
عُيّن الأمير هاشم بن الحسين مستشاراً للعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني اعتباراً من 29 تشرين الأول/أكتوبر 2026، بعد مسيرة عسكرية وأكاديمية.
المشرق-العربي 10/28/2026 8:00:00 PM
"أدى مراسم الزيارة والصلاة داخل الصحن الشريف، واطلع بعدها على معالم المرقد".
اقتصاد وأعمال 10/29/2026 2:35:00 PM
يشكل اجتماع باريس خطوة تحضيرية لتوحيد الأرقام وتحديد الخيارات القابلة للتطبيق، قبل مناقشتها مع صندوق النقد الدولي.
أوروبا 10/29/2026 10:18:00 PM
من بريطانيا وفرنسا إلى ألمانيا ودول الشمال الأوروبي والولايات المتحدة والهند وأستراليا، تتعدد توصيات الاستعداد للأزمات، من تخزين الطعام والمياه لعدة أيام إلى تجهيز حقائب الطوارئ تحسباً لتعطل الخدمات الأساسية والكوارث.