هل يكون بوبوف بريغوجين الثاني؟
"لم يستطع الجيش الأوكرانيّ اختراق صفوفنا عند الجبهة لكنّ قائدنا الأكبر ضربنا من الخلف، قاطعاً بوحشيّة رأس الجيش في أصعب اللحظات وأكثر حدّة". لو سمع أحد المراقبين هذا الكلام قبل 24 حزيران (يونيو) 2023، لاستنتج سريعاً أنّ صاحب هذا الانتقاد ليس سوى زعيم "فاغنر" يفغيني بريغوجين. لكنّه ليس كذلك؛ على الأقلّ هذه المرّة. هذا الكلام لقائد جيش الأسلحة المشتركة 58 الميجور-جنرال إيفان بوبوف. وهذا ما قد يجعل كلامه أخطر.
"أهمّ مأساة في الحرب الحديثة"
عكست اتّهامات بريغوجين بمنع وزارة الدفاع الذخيرة عن مقاتليه، في جانب منها بالحدّ الأنى، صراعاً بين جيش نظاميّ وميليشيا من المرتزقة. الآن، ثمّة علامات على أنّ الصراع انتقل إلى داخل الجيش الروسيّ نفسه. قال بوبوف في تسجيل صوتيّ مسرّب إنّه أقيل من منصبه بعد يوم واحد فقط على لفت نظر القيادة العسكريّة إلى المشاكل التي يعاني منها جنوده على الأرض.
"برز وضع صعب مع السلطات العليا، حين كان علينا إمّا أن نبقى صامتين وجبناء وقول ما رغبَتْ بسماعه أو (قول الأمور كما هي)". وأضاف: "باسمكم وباسم رفاق السلاح الذين سقطوا، لم يكن لديّ الحقّ بالكذب". ووصف "الخسائر الهائلة" في صفوف الجنود الروس بأنّها "أهمّ مأساة في الحرب الحديثة".
في حديث إلى صحيفة "واشنطن بوست"، أشار مسؤول روسيّ مقرّب من الدوائر الديبلوماسيّة العليا إلى أنّ تمرّد بريغوجين وصل إلى النخب: "لقد خلقوا وحش فرانكشتاين خرج عن السيطرة". وأوضح أنّ بريغوجين "بدأ نوعاً من عمليّة وهي تستمرّ الآن".
ورجّح "معهد دراسات الحرب" في واشنطن أن يكون استخدام بوبوف لقبه "سبارتاكوس" ووصف جنوده بـ"المجالدين" استذكاراً عمديّاً لتمرّد العبد سبارتاكوس على الجمهوريّة الرومانيّة.
بالتالي، لم يكن بإمكان التسريب أن يأتي في وقت أسوأ بالنسبة إلى الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين. فهو بالكاد بدأ لملمة تداعيات تمرّد بريغوجين حتى انتشر التسجيل. واللافت أنّ الرئيس الروسيّ لم يبدُ مسيطراً على الوضع، لا أثناء التمرّد ولا بعده.
معاملة خاصّة
خلال توجّه بريغوجين إلى موسكو، أسقط مقاتلوه ست طائرات عسكريّة ممّا أدّى إلى مقتل نحو 15 جنديّاً روسيّاً. انتهى التمرّد بما ظهر حينها أنّه اتّفاق على انتقال بريغوجين إلى بيلاروسيا للعيش "في المنفى" مع استعداد لضمّ مقاتليه الذين لم يشاركوا في التمرّد إلى الجيش الروسيّ. لم يعاقب بوتين "الخيانة" ولا من قتلوا الجنود الروس. ثمّ تراجع على ما يبدو عن فكرة نفي بريغوجين الذي عاد إلى روسيا وفق الرئيس البيلاروسيّ ألكسندر لوكاشينكو. وتبيّن لاحقاً، بحسب الناطق باسم الكرملين دميتري بيسكوف أنّ بوتين اجتمع مع بريغوجين وعدد من القادة الروس بعد أيّام على التمرّد. ولم ينتهِ الأمر عند هذا الحدّ.
The words of general Popov against Shoygu in form of an audio message have been listened to by 1,5 million people as of now.https://t.co/rROjgyLWA3
— Aleksandar Djokic (Александар Джокич) (@polidemitolog) July 13, 2023
بحسب بعض التقارير، يبدو أنّ التحقيقات بشأن التمرّد المجهض تطال الجيش الروسيّ أكثر ممّا تطال مقاتلي "فاغنر". لم ينجُ قائد القوة الجوفضائيّة الروسيّة ونائب قائد "العمليّة العسكريّة الخاصّة" الجنرال أندريه سوروفيكين من التحقيق المكثّف. يشتبه الكرملين في أنّ الأخير كان على دراية بالتمرّد.
نقلت صحيفة "وول ستريت جورنال" عن أشخاص لم تسمّهم قولهم إنّه تمّ اعتقال 13 ضابطاً بارزاً على الأقلّ للاستجواب إلى جانب تعليق أو إقالة 15 آخرين من الخدمة. وتمّ احتجاز نائب سوروفيكين أندريه يودين ونائب رئيس الاستخبارات العسكريّة فلاديمير أليكسييف قبل أن يتمّ الإفراج عنهما وتعليق خدمتيهما. تعدّ قضيّة سوروفيكين إشكاليّة بالنظر إلى مرتبته ومناشدته مقاتلي "فاغنر" يوم التمرّد الانصياع لأوامر قيادة الجيش. وهو ساهم في تعزيز دفاعات الجيش الروسيّ في جنوب أوكرانيا حيث ثمّة خطّ دفاع يعرف باسمه. وما يضاعف كلّ هذه البلبلة أنّ أوكرانيا تمكّنت مؤخّراً من قتل اللفتنانت جنرال أوليغ تسوكوف، نائب بوبوف، عبر هجوم (يحتمل أنّه تمّ بصواريخ ستورم شادو البريطانيّة) على قاعدته في بيرديانسك (زابوريجيا) حيث مقرّ وحدته.
"فاغنر" واثقة بنفسها
يحتاج بوتين إلى التوفيق بين اتّجاهين متضاربين على الأقلّ: مواصلة خوض حرب استنزاف طويلة ولجم أيّ مشاعر "نخبويّة" مناهضة لمسار الحرب. بدت الجبهة الروسيّة في أوكرانيا وكأنّها نجت من ارتدادات تمرّد بريغوجين. لكنّ "تمرّد" بوبوف، ولو اختلف من حيث الحجم والأسلوب، أعاد طرح علامة استفهام عن مدى إمكانيّة صمود معنويّات الجيش الروسيّ أمام الخلافات الداخليّة أو حتى أمام الاتّهامات بتقصير وزارة الدفاع. كما أنّ انتقادات بوبوف كانت معطوفة على بداية تكشّف ضعف العقوبات المفروضة على "فاغنر".
This Popov story is in some ways far more damaging for Russian morale than the entire prigozhin episode, since the latter was always outside the chain of command. https://t.co/9HJbslyoWZ
— Samuel Charap (@scharap) July 13, 2023
coverage by @yarotrof here: https://t.co/91s2wj9cDO
ففي مقابل حديث الإعلام الروسيّ عن مصادرة أسلحة المنظّمة وأموالها، تقول "فاغنر" أنْ لا عوائق قانونيّة أمام مواصلة تجنيد المزيد من المقاتلين. في الواقع، هي تبدو واثقة من أهمّيّتها ومستقبلها في روسيا. نقل موقع "أوراسيا دايلي مونيتور" أنّ "فاغنر"، وعلى قناتها الرسميّة، أشارت إلى أنّ هيكليّاتها "أصبحت بمرور السنوات مندمجة بشدة في نسيج الدولة إلى حدّ أنّها إلغاءها بطريقة مفاجئة سيفرض مشاكل خطيرة على الدولة".
تدرك موسكو أنّها بحاجة إلى مقاتلي "فاغنر" لدعم القوّات الروسيّة. تتقدّم القوّات الأوكرانيّة ببطء لكن بثبات حول أجنحة مدينة باخموت وقد ينتهي الأمر بتطويقها. إذا حدث ذلك فقد يضطرّ الجنود الروس للانسحاب من المدينة التي كلّفت روسيا الكثير للسيطرة عليها. وتمرّدُ برغوجين نفسه قد يكون إحدى هذه الأكلاف. ربّما تفسّر الحاجة الماسّة للمزيد من المقاتلين سبب استيعاب موسكو لـ"فاغنر". لكنّ ذلك، معطوفاً على سوء إدارة المعارك، قد يثير حفيظة الجيش. إنّما يبدو أنّ النخب السياسيّة في روسيا ليست بعيدة هي الأخرى من التصدّعات أو الخلافات.
"لا يستطيع ذلك"
بحسب "أوراسيا دايلي مونيتور"، نشرت منصّة "أوكتاغون ميديا" الصديقة للحكم مقالاً في 30 حزيران (يونيو) تكهّنت فيه أن يحصل "التمرّد" المقبل على يد "رجل أعمال مدلّل من الدولة" كما حصل مع بريغوجين، محذّرة من أنّ "التمرّد الأخير قد يمثّل مقدّمة لزعزعة استقرار حقيقيّة".
ثمّة جدل بشأن قدرة رجال الأعمال الروس على زعزعة تركيبة الحكم داخل روسيا. لكن ما يبدو قريباً من الواقع، هو أنّ ثمّة خطباً ما في حجم الاستقرار داخل موسكو. بالحدّ الأدنى يمكن ملاحظة تغيير في طريقة التعامل الرسميّ مع الوقائع. هنا تبرز مجدّداً أهمّيّة ما حصل مع بوبوف.
فالذي نشر تسجيل بوبوف هو المشرّع من حزب بوتين والقائد العسكريّ السابق أندريه غوروليف. ردّ عليه رئيس الحزب نفسه أندريه تورشاك متهماً إيّاه بإنشاء "استعراض سياسيّ". يقول المسؤول الروسيّ ذو الروابط الديبلوماسيّة لـ"الواشنطن بوست": "ينتشر الانقسام داخل الحزب الحاكم. يُظهر هذا أنْ لا وحدة حول ما يحصل. بوتين لا يستطيع إيقاف ذلك".
قد يكون حكم المسؤول الروسيّ سابقاً لأوانه. إنّ صموداً ميدانيّاً للروس في فصل الصيف أمام هجوم أوكرانيا المضاد سيخفّف من حدّة الانتقادات الداخليّة. أمّا انهيارهم فقد يعني أنّ ما بدأ مع بريغوجين لن ينتهي مع بوبوف.
نبض