في حالات نادرة، يبدو الأطلسيّون، أو بعضهم على الأقلّ، وكأنّهم ينفرون من الارتباط بجداول زمنيّة. من سوء حظّ أوكرانيا أنّ تلك الحالات تنطبق على حلمها الأوّل. يصدف أن يحدث هذا النفور حين يصل الأمر إلى اتّخاذ قرار محدّد بشأن استقبالها في حلف شمال الأطلسيّ. فعلوا ذلك سنة 2008 في قمّة بوخارست وها هم يكرّرونه اليوم في قمّة فيلنيوس. لكنّ خيبة أمل أوكرانيا اليوم أكبر ممّا كانت عليه قبل 15 عاماً.
تناقض
كان بيان قمّة فيلنيوس بشأن أوكرانيا أكثر من مبهم. لقد كان متناقضاً بحسب البعض. وممّا جاء فيه أنّ "مستقبل أوكرانيا هو في الناتو. نعيد تأكيد الالتزام الذي قطعناه في قمّة بوخارست 2008 بأنّ أوكرانيا ستصبح عضواً في الناتو، ونعترف اليوم بأنّ مسار أوكرانيا نحو الاندماج الأورو-أطلسيّ تحرّك إلى أبعد من الحاجة إلى خطة عمل للعضويّة (...) سنكون في موقع إصدار دعوة إلى أوكرانيا للانضمام إلى الحلف حين يوافق الحلفاء وتتمّ تلبية شروط".
في مقابلة مع "بي بي سي"، قال وزير الدفاع الأوكرانيّ السابق أندري زاغورودنيوك إنّ الشروط غير الواضحة التي ذكرها البيان تتناقض مع نقطة عدم حاجة أوكرانيا إلى خطّة العمل. بالنسبة إليه، كان البيان تعبيراً عن "اتّفاق على عدم الاتّفاق". يشبه ذلك إلى حدّ بعيد ما كتبه الرئيس الأوكرانيّ فولوديمير زيلينكسي على "تويتر" في اليوم الأوّل للقمّة حين بدأت تتناهى إلى مسامعه الكلمات التي ستُستخدم: "إنّ الصياغة المبهمة حول ‘ظروف‘ تضاف حتى بالنسبة إلى دعوة أوكرانيا. يبدو أنّه ما من جاهزيّة لدعوة أوكرانيا إلى الناتو ولا لجعلها عضواً في الحلف".
مخاوف الناتو
ربّما تملك أميركا سبباً لتجنّب إصدار جدول زمنيّ محدّد. لو تحدّث الحلف عن منح كييف العضويّة في تاريخ معيّن لكانت روسيا ستبذل كلّ جهد حتى تطيل الحرب إلى ما بعد هذا الموعد. يردّ مؤيّدو تعجيل مسار أوكرانيا نحو الحلف بأنّ المشكلة تكمن في اشتراط انتهاء الحرب قبل توجيه دعوة رسميّة إليها. بحسب رأيهم، انضمّت ألمانيا إلى الناتو (1955) في ذورة احتلال القوّات السوفياتيّة لمنطقتها الشرقيّة. لكنّ ضمّ أوكرانيا إلى الحلف في وقت الحرب، حتى ولو لم يكن سابقة بحدّ ذاته، يفرض تحدّيات.
التحدّي الأوّل هو المناطق الأوكرانيّة التي ستخضع للمادّة الخامسة من المعاهدة التأسيسيّة. تنصّ هذه المادّة على تفعيل الدفاع الجماعيّ عن أحد أعضاء الحلف إذا تعرّض للهجوم. هل تكون المناطق الأوكرانيّة المحتلّة مشمولة بالمادّة؟ ما من دولة أطلسيّة تريد ذلك. ربّما يريد الأوكرانيّون أن يدافع الحلف عن المناطق غير المحتلّة في حال تعرّضها لهجمات صاروخيّة روسيّة، أو ربّما من محاولة غزو أخرى، بينما يتكفّلون وحدهم بتحرير الشرق والجنوب الأوكرانيّ. لكنّ تطبيق ذلك غير عمليّ بما أنّ الحدود بين المتحاربين غير ثابتة. على سبيل المثال، يتحدّث بعض المراقبين عن أنّ الروس حقّقوا تقدّماً على محور كريمينا في لوغانسك، وسط الهجوم الأوكرانيّ المضادّ.
الخطوط الحمراء
قد يكون التهرّب من تعجيل انضمام أوكرانيا إلى الحلف كامناً أكثر في المخاوف الأطلسيّة لا في الصعوبات الميدانيّة. ربّما الثابت الوحيد الذي لم يتغيّر بين 2008 و2023 هو عدم الرغبة بـ"استفزاز" روسيا. تقول أوكرانيا إنّ عدم الرغبة هذا هو ما أوصل إلى الحرب، وهو ما سيطيلها في نهاية المطاف. فرضُ الناتو "الخطوط الحمراء" على نفسه يعطي الكرملين اليد العليا في فرض وتيرة المعارك.
الرغبة الأميركيّة في تفادي "استفزاز" روسيا كانت واضحة منذ البداية عبر التلكّؤ بإرسال الأسلحة الهجوميّة. لكنّ واشنطن قبلت بإرسال حليفاتها مقاتلات "أف-16" إلى أوكرانيا والصواريخ البعيدة المدى كما فتحت مخزوناتها من الذخائر العنقوديّة. ما هو مؤكّد لغاية اليوم أنّ الخطوط الحمراء التي فرضتها روسيا على بروكسل، أو التي فرضتها بروكسل على نفسها، تتبدّد بمرور الوقت. لكنّه تبدّد بطيء. تلفت "وول ستريت جورنال" النظر إلى أنّ تردّد بايدن يلائم "نمطه" بإظهار "بطء" في ردّ الفعل على الظروف المتغيّرة للنزاع.
قد يكون لبايدن حسابات أخرى تمنعه من تلبية تطلّعات أوكرانيا الحاليّة. لكنّ الغريب أنّ خيبة أمل زيلينسكي التي عبّر عنها في اليوم الأوّل، أكان عبر وصف غياب الجدول الزمنيّ بـ"العبثيّ" أو عبر مطالبة الحلفاء بـ"احترام" أوكرانيا، بيّنت أنّه لم يطّلع على هذه الحسابات أو لم يقتنع بها. ثمّة على الأغلب سوء تواصل أو تفاهم بين الرئيسين. يوم الأحد، ذكرت "بوليتيكو" عن مصادر دبلوماسيّة أوروبيّة أنّ الفجوة حول بيان فيلنيوس بين أوكرانيا وحلفائها من جهة والولايات المتحدة وحلفائها (ألمانيا خصوصاً) من جهة أخرى، آيلة للانحسار. لم يتحقّق ذلك على ما يبدو.
عن "العجز السياسيّ واللغويّ"
في تعليق على ما جاء في بيان الناتو، قال أمينه العام ينس ستولتنبرغ إنّ الحديث عن عدم الحاجة إلى خطّة عمل "سيغيّر مسار أوكرانيا للعضويّة من مسار بخطوتين إلى مسار بخطوة واحدة". وهذه "حزمة قويّة لأوكرانيا ومسار واضح نحو عضويّتها في الناتو".
لم يكن توضيح ستولتنبرغ مقنعاً للأوكرانيّين وحلفائهم. غرّد مدير "المعهد البولنديّ للشؤون الدوليّة" سلافومير ديبسكي كاتباً: "ستفيد هذه الرسالة كمثل عن الفشل الفكريّ والعجز السياسيّ واللغويّ. كان يجب طلب مساعدة من الذكاء الاصطناعيّ. لكن عندها سيتعيّن الاستغناء عن المئات من الوظائف ذات الأجور الجيّدة في الناتو والدول الأعضاء".
الورقة الوحيدة
يوم الأربعاء، مال زيلينسكي إلى التهدئة. ربّما سبب ذلك بعض الكلمات التي ألقيت على هامش القمّة. قال وزير الدفاع البريطانيّ بن والاس صباح الأربعاء إنّه "... سواء أحببنا ذلك أم لا، يريد الناس أن يروا امتناناً". وفي تذكير بصعوبة استدامة الدعم الأميركيّ، أضاف أنّه "أحياناً عليك أن تقنع مشرّعين في (الكابيتول) هيل في أميركا".
بعد الظهر، قال رئيس الوزراء البريطانيّ ريشي سوناك إنه يدرك أنّ زيلينسكي ممتنّ. وغرّد الرئيس الأوكرانيّ عن تقدير أوكرانيا "الهائل" لدعم الولايات المتحدة شاكراً رئيسها ومشرّعيها وشعبها على ذلك. كما وصف نتائج القمّة بـ"الجيّدة" وإن كانت لتكون "ممتازة لو وُجّهت الدعوة" إلى كييف.
ربّما أدرك زيلينسكي في نهاية المطاف أنّ الغضب لا ينفع وأنّ ما كُتب قد كُتب، وبالتالي، حان الوقت لعودة التركيز على المعارك. سبق أن أوضح أمين عام حلف الناتو ينس ستولتنبرغ الشهر الماضي أنّه "من دون انتصار أوكرانيا، ما من عضويّة لتتمّ مناقشتها".
فيلنيوس انتهت وستعود الأضواء قريباً جدّاً إلى باخموت وتوكماك وفيليكا نوفوسيلكا وغيرها من المدن والمحاور الملتهبة في شرق وجنوب أوكرانيا. هناك سترتسم احتمالات أيّ دعوة مستقبليّة لكييف كي تنضمّ إلى الناتو.
نبض